منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حق النساء في الحماية من العنف.. بين الأمان المؤقت والتمكين المستدام

13 يونيو 2026
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق المرأة ومطالبات بـ الحماية من العمف
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق المرأة ومطالبات بـ الحماية من العمف

من المفترض أن تكون مراكز حماية النساء مساحة لاستعادة الأمان والقدرة على اتخاذ القرار بعد التعرض للعنف، لكن النقاش الحقوقي حول هذه المراكز لم يعد يقتصر على ضرورة وجودها، بل امتد إلى طبيعة الدور الذي تؤديه وحدود السلطة التي تمارسها على حياة المقيمات فيها.

وبين الحاجة إلى الحماية من الخطر المباشر، وحق النساء في الاستقلالية وحرية الحركة واتخاذ القرار، يبرز سؤال متزايد الحضور في الأدبيات الحقوقية: كيف يمكن توفير الحماية دون أن تتحول إلى شكل جديد من أشكال الوصاية؟

وتطرح تجارب العراق والمغرب ومصر جوانب مختلفة من هذا الجدل، في ظل توسع خدمات الإيواء والحماية المخصصة للنساء المعرضات للعنف، وتزايد النقاش حول العلاقة بين الحماية المؤقتة والتمكين طويل الأمد.

الحماية من العنف

تشير بيانات البنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر إلى أن نسبة معتبرة من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف من الشريك الحميم، فيما أظهر “المؤشر الإقليمي للعنف ضد النساء والفتيات 2024” استمرار الحاجة إلى توسيع خدمات الحماية والإيواء والدعم القانوني والنفسي في المنطقة العربية.

وتعكس هذه المؤشرات حجم التحديات التي تواجه النساء المعرضات للعنف، وتفسر تنامي الحاجة إلى مراكز متخصصة توفر الحماية الفورية والخدمات الأساسية للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

في العراق، افتُتح في 9 أبريل 2025 مركز جديد لحماية النساء في محافظة الديوانية بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان والحكومة الفرنسية.

ويقدم المركز خدمات الإيواء والدعم النفسي والمساعدة القانونية وإعادة الإدماج للنساء الناجيات من العنف.

ووصف صندوق الأمم المتحدة للسكان المركز بأنه خطوة مهمة نحو توفير بيئة أكثر أماناً للنساء والفتيات المتضررات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويأتي افتتاح هذه المراكز في سياق جهود أوسع لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية للنساء وتوسيع نطاق الخدمات المتخصصة في المحافظات العراقية.

الحماية طريق إلى الاستقلال

في المغرب، عززت السلطات خلال السنوات الأخيرة آليات التكفل بالنساء ضحايا العنف، بما في ذلك الخلية المركزية للتكفل بالنساء ضحايا العنف التابعة لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.

وأكدت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عواطف حيار في يونيو 2024 أن الهدف من هذه المراكز يتمثل في تمكين النساء وحماية حقوقهن وإعادة إدماجهن، وليس عزلهن عن المجتمع.

ويعكس هذا التوجه مقاربة تعتبر الحماية مرحلة انتقالية تهدف إلى استعادة النساء لاستقلاليتهن وقدرتهن على إدارة حياتهن بعيدا عن العنف.

الدعم والحماية من العنف

في مصر، تواصل مؤسسات الدولة والمجلس القومي للمرأة ومنظمات المجتمع المدني تطوير خدمات الإرشاد والحماية والدعم للنساء المعرضات للعنف.

وتشير تقديرات نشرت عام 2025 إلى أن نحو 33.5 بالمئة من النساء المصريات المتزوجات أو المرتبطات بعلاقة أبلغن عن تعرضهن لشكل من أشكال العنف الأسري.

وفي هذا الإطار، أكدت مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، في مارس 2025 أهمية أن تجمع مراكز الحماية بين الإيواء والدعم النفسي والقانوني والاقتصادي، بما يساعد النساء على استعادة استقلاليتهن وقدرتهن على بناء حياة آمنة ومستقرة.

تجارب مختلفة وإشكالية مشتركة

ورغم اختلاف الأطر القانونية والاجتماعية بين العراق والمغرب ومصر، فإن التجارب الثلاث تكشف معضلة مشتركة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الحماية والاستقلالية.

فمراكز الإيواء أنشئت لحماية النساء من مخاطر فعلية ومباشرة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحدياً يتعلق بضمان ألّا تتحول إجراءات الحماية إلى حالة من الاعتماد الدائم أو العزلة عن المجتمع.

ومن هنا، لم يعد تقييم هذه المراكز مرتبطاً بعدد المستفيدات أو الخدمات المقدمة فقط، بل بقدرتها على إعادة النساء إلى الحياة العامة وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً.