تناقش الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان أثار ملف مجانية التعليم قبل الابتدائي والثانوي نقاشاً أممياً واسعاً، باعتباره حقاً أساسياً وتمكينياً يؤثر في حياة ملايين الأطفال حول العالم، ويأتي هذا النقاش في ظل ما تعده جهات حقوقية قصوراً في الإطار القانوني الدولي الحالي، إذ لا يوفر هذا الإطار ضمانات كافية لكفالة التعليم المجاني خارج نطاق المرحلة الابتدائية.
وشهدت الدورة الأولى للفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بدراسة إعداد بروتوكول اختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن الحق في التعليم، نقاشات واسعة حول سبل تعزيز الاعتراف القانوني بالرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وضمان مجانية التعليم قبل الابتدائي والثانوي للجميع.
وجاءت هذه الدورة تنفيذاً لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 56/5 الذي كلف الفريق ببحث إمكانية إعداد بروتوكول اختياري جديد وسد الثغرات القائمة في الإطار الدولي لحماية الحق في التعليم، والتي انعقدت في جنيف خلال الفترة من 1 إلى 3 سبتمبر 2025، بمشاركة 77 دولة ومنظمات أممية وإقليمية ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب مشاركة فعالة للأطفال.
وافتتحت نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف، أعمال الدورة بتأكيد أن التعليم يمثل حقاً تمكينياً أساسياً، وأن ملايين الأطفال ما زالوا يواجهون الإقصاء بسبب الفقر وارتفاع التكاليف وضعف البنية التحتية.
كما شددت رئيسة لجنة حقوق الطفل، صوفي كيلادره، على أهمية التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في تحسين فرص الأطفال الصحية والاجتماعية والاقتصادية مستقبلاً، معتبرة أن الإطار القانوني الدولي الحالي لا يوفر ضمانات كافية للتعليم المجاني خارج المرحلة الابتدائية.
وأظهرت الإسهامات المقدمة للفريق العامل أن أبرز المعوقات أمام التعليم المجاني تتمثل في الرسوم المباشرة وغير المباشرة، وضعف البنية التحتية، والتمييز ضد الفئات المهمشة، وغياب ضمانات قانونية قابلة للإنفاذ.
وبرز خلال المناقشات اتجاهان رئيسيان، الأول دعم إعداد بروتوكول اختياري جديد باعتباره خطوة ضرورية لسد الثغرات القانونية وتعزيز المساءلة وضمان التعليم المجاني قبل الابتدائي والثانوي، حيث أكدت دول مثل أرمينيا وبلغاريا وشيلي وفنلندا وفرنسا وسيراليون أن البروتوكول يمكن أن يشكل نقلة نوعية في حماية حقوق الأطفال.
وفي المقابل، أبدت دول أخرى تحفظات على إنشاء صك قانوني جديد، معتبرة أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تنفيذ الالتزامات القائمة لا في نقص المعايير الدولية، وشددت دول مثل مصر والجزائر والأرجنتين وبلجيكا والمملكة المتحدة على ضرورة تجنب ازدواجية الآليات الدولية وزيادة الأعباء المالية والتقريرية على الدول، مع إعطاء الأولوية لتفعيل الاتفاقيات القائمة.
وبحسب التقرير، أيدت 28 دولة بشكل واضح إعداد البروتوكول، في حين شاركت 19 دولة في مناقشة إمكانية صياغته، في حين أعربت 9 دول عن تحفظات جوهرية بشأن جدواه.
الأطفال في قلب النقاش
شكلت مشاركة الأطفال إحدى السمات البارزة للدورة، استجابة لتوجيهات مجلس حقوق الإنسان بضرورة إشراكهم بصورة آمنة ومجدية، حيث شارك أطفال من عدة دول في عرض تجاربهم وتصوراتهم بشأن التعليم، مؤكدين أن الرسوم المدرسية والتكاليف الخفية والفقر والتمييز تمثل حواجز رئيسة تحول دون حصول ملايين الأطفال على التعليم.
واستندت المناقشات إلى مشاورات واسعة شملت نحو 8100 طفل من 40 دولة، وأوصى الأطفال بسن قوانين تضمن التعليم المجاني والشامل، وإزالة جميع التكاليف المباشرة وغير المباشرة، وتحسين البنية التحتية المدرسية، وتعزيز مشاركة الأطفال في صنع السياسات التعليمية.
وركزت جلسات الخبراء على عدة محاور رئيسة، أبرزها الثغرات القانونية الدولية، حيث رأى عدد من الخبراء أن القانون الدولي لا يوفر التزامات كافية لضمان التعليم المجاني قبل الابتدائي والثانوي، كما جرى تأكيد دور التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في الحد من الفقر وعدم المساواة وتحسين فرص التعلم مدى الحياة.
وناقشت الجلسات أيضاً تأثير زواج الأطفال والحمل المبكر والفقر على استمرار الفتيات في التعليم، مع الدعوة إلى سياسات تعليمية أكثر مراعاة للنوع الاجتماعي، وركزت على أهمية توفير تمويل مستدام وابتكار آليات دولية لدعم الدول النامية، ومنهما إصلاح نظم الضرائب والديون وتعزيز المساعدات الإنمائية.
جدل حول المسار القانوني
وفي إطار استكمال أعمال الفريق العامل، عُقدت مشاورات غير رسمية في ديسمبر 2025، بمشاركة أكثر من 50 دولة، إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني وممثلين عن الأطفال.
وهدفت هذه المشاورات إلى بحث السبل القانونية الممكنة لسد الثغرات القائمة في الإطار الدولي المنظم للحق في التعليم، وركزت المشاورات على مجموعة من الخيارات المعيارية، منها إعداد بروتوكول اختياري جديد ملحق باتفاقية حقوق الطفل، أو إدخال تعديلات على الاتفاقيات الدولية القائمة، كما شملت الخيارات المطروحة تطوير أدوات قانونية وتوصيات دولية غير ملزمة، وصولاً إلى إمكانية صياغة صك دولي مستقل يعالج الحق في التعليم بصورة أكثر شمولاً.
وكشفت المشاورات عن استمرار التباين في مواقف الدول بشأن المسار الأنسب لتعزيز الحماية القانونية للحق في التعليم، فقد دعمت 13 دولة خيار البروتوكول الاختياري، معتبرة أنه يوفر إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً، والتزامات قابلة للإنفاذ.
ورأت هذه الدول أن وجود التزام قانوني صريح من شأنه أن يدفع الحكومات إلى إعطاء أولوية أكبر لتمويل التعليم وتطوير السياسات الوطنية ذات الصلة.
وفي المقابل، أبدت دول أخرى تحفظات على هذا التوجه، محذرة من أن استحداث صك قانوني جديد قد يؤدي إلى ازدواجية في الأطر والمعايير الدولية القائمة بالفعل، كما رأت هذه الدول أن أي صك جديد قد يضيف أعباءً إجرائية ومالية على الدول، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها العديد من البلدان النامية.
ورغم اختلاف الرؤى بشأن الوسيلة المناسبة، أظهرت المشاورات وجود توافق واسع بين المشاركين على أهمية تعزيز الحق في التعليم المجاني والشامل بوصفه أحد الحقوق الأساسية للأطفال، كما اتفق المشاركون على الحاجة إلى معالجة العقبات التي تحول دون حصول الأطفال على التعليم، ولا سيما في مرحلتي الطفولة المبكرة والتعليم الثانوي، غير أن الجدل ظل قائماً حول ما إذا كان تحقيق هذا الهدف يتطلب اعتماد بروتوكول اختياري جديد ملزم قانونياً.
وفي المقابل، رأى آخرون أن الأولوية ينبغي أن تنصب على تحسين تنفيذ الاتفاقيات والمعايير الدولية القائمة، وتعزيز آليات المتابعة والدعم الفني والمالي للدول.
ومن المقرر أن تشكل نتائج هذه المشاورات أساساً للنقاشات المقبلة داخل الفريق العامل خلال دورته الثانية المقررة في سبتمبر 2026.
وخلال هذه الدورة، ستواصل الدول الأعضاء بحث الخيارات المطروحة وتقييم جدوى كل منها، في محاولة للتوصل إلى مقاربة توافقية تضمن تعزيز الحق في التعليم للأطفال على المستوى العالمي.
