منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الجلد وبتر الأطراف سلاح لترهيب المجتمع.. كيف حوّلت إيران أجساد مواطنيها إلى ساحات للعقاب؟

17 مايو 2026
ارتفاع كبير في وتيرة الاعتقالات والضغوط الأمنية بإيران
ارتفاع كبير في وتيرة الاعتقالات والضغوط الأمنية بإيران

في إيران، لا تبدو عقوبات الجلد وبتر الأطراف مجرد أدوات جنائية تُنفذ داخل أقبية السجون، بل تبدو رسالة سياسية وقانونية مكتملة الأركان؛ رسالة تقول إن الدولة لا تزال تعد الجسد ساحةً لإظهار السلطة، وإن العقاب يجب أن يُرى ويُسمع ويُخشى.

وبينما اتجه العالم منذ عقود إلى تفكيك منظومات العقوبات البدنية باعتبارها إرثًا من عصور العقاب القاسي، تُصر الجمهورية الإسلامية على إبقائها داخل قلب نظامها القضائي، مستندة إلى تفسيرات دينية وقانونية تُغلّب مفهوم “الردع” على الكرامة الإنسانية.

خلال عامي 2025 و2026، عادت هذه العقوبات إلى واجهة الاهتمام الحقوقي الدولي بصورة غير مسبوقة، بعدما وثّقت منظمات دولية تنفيذ أحكام بتر أصابع بحق سجناء، إضافة إلى استمرار إصدار وتنفيذ أحكام الجلد بحق معارضين وفنانين ومحتجين.

ففي 30 يوليو 2025 استخدمت السلطات الإيرانية مقصلة آلية داخل سجن أرومية المركزي لبتر أصابع ثلاثة معتقلين هم هادي رستمي ومهدي شريفيان ومهدي شاهيوند، بعد إدانتهم بالسرقة في محاكمات وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها “بالغة الجور”، وأكدت المنظمة أن العقوبة تُعد “تعذيباً واضحاً بموجب القانون الدولي.

هذه الواقعة لم تكن حادثة استثنائية، بل امتداد لبنية تشريعية راسخة داخل “قانون العقوبات الإسلامي الإيراني” الذي لا يزال يجيز الجلد وبتر الأطراف ضمن ما يُعرف بجرائم “الحدود” و”القصاص”.

وتنص مواد متعددة في القانون الإيراني على عقوبات تشمل بتر أربعة أصابع من اليد اليمنى في بعض جرائم السرقة، إضافة إلى الجلد في قضايا تتعلق بالأخلاق العامة أو “المساس بالأمن” أو حتى التعبير الفني والسياسي. وهكذا يتحول القانون من أداة لتنظيم العدالة إلى إطار يمنح التعذيب شرعية قضائية مكتوبة.

وفي مارس 2025 نفذت السلطات حكماً بـ74 جلدة بحق المغني الإيراني مهدي يراحي بسبب أغنية أحيت ذكرى احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، في خطوة أثارت موجة استنكار حقوقية واسعة، واعتبرتها منظمة العفو الدولية دليلاً على استخدام العقوبات البدنية لإسكات الأصوات المعارضة.

وتشير بيانات منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي لعام 2025/2026 إلى أن السلطات الإيرانية واصلت استخدام العقوبات البدنية بصورة “منهجية وواسعة الانتشار”، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية للقضاة أو المسؤولين المنفذين.

التعذيب المقنن

لا تنبع خطورة عقوبات الجلد وبتر الأطراف في إيران من قسوتها الجسدية فقط، بل من حقيقة أكثر عمقاً وإثارة للقلق.. أنها تُنفذ داخل منظومة قانونية رسمية، وتصدر بأحكام قضائية تحمل أختام الدولة وتوقيعات القضاة.

فالتعذيب هنا لا يُمارس في الظل أو خارج القانون، بل يتحول إلى جزء من النص القانوني ذاته، ما يجعل الدولة خصماً وحكماً ومنفذاً في آن واحد.

يعتمد النظام القضائي الإيراني في هذا السياق على “قانون العقوبات الإسلامي” الذي أُعيد تعديله وتوسيعه بعد الثورة الإيرانية، ويستند إلى تقسيم الجرائم إلى حدود وقصاص وتعزير، وضمن هذا الإطار، تُفرض عقوبات بدنية مثل الجلد وبتر الأطراف باعتبارها “أحكاماً شرعية ثابتة”، لا يملك القاضي -نظرياً- سلطة إلغائها إذا توافرت شروطها القانونية.

وتنص المادة 278 من قانون العقوبات الإيراني على بتر أربعة أصابع من اليد اليمنى في بعض قضايا السرقة، في حين تتيح مواد أخرى الجلد في عشرات القضايا، منها “العلاقات غير المشروعة”، واستهلاك الكحول، وبعض التهم المرتبطة بالسلوك العام أو التعبير، لكن المعضلة الأخطر تكمن في التوسع المستمر في توظيف هذه العقوبات ضمن قضايا ذات طابع سياسي وأمني، وهو ما وثقته منظمات حقوقية خلال عامي 2025 و2026.

ففي حالات عديدة، صدرت أحكام جلد بحق محتجين أو فنانين أو صحفيين، ليس لارتكابهم جرائم عنيفة، بل بسبب التعبير أو النشاط المدني، قضية المغني مهدي يراحي الذي جُلد 74 جلدة بسبب أغنية مرتبطة باحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، كشفت كيف تُستخدم العقوبات البدنية بوصفها أداة لإعادة تأديب المجال العام وإرسال رسالة ردع إلى المجتمع الثقافي والفني، واعتبرت منظمة العفو الدولية أن تنفيذ الحكم “يعكس استخدام القضاء الإيراني التعذيب سلاحاً لإخماد المعارضة.

وتشير مراجعة تقارير “بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران” لعام 2025 إلى أن المحاكم الإيرانية واصلت إصدار أحكام قائمة على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وفي غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ما يجعل العقوبة البدنية نتيجة لسلسلة كاملة من الانتهاكات القانونية والحقوقية، تبدأ من الاعتقال وتنتهي بالتعذيب القضائي الرسمي.

وتكشف البيانات الحقوقية أن الأقليات العرقية والطبقات الفقيرة تتحمل النصيب الأكبر من هذه العقوبات، فبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن غالبية من صدرت بحقهم أحكام بتر أطراف خلال السنوات الأخيرة ينتمون إلى بيئات مهمشة اقتصادياً واجتماعياً، في حين أنه نادراً ما تُطبق هذه الأحكام على متهمين نافذين أو مرتبطين بمؤسسات السلطة، وهنا يتحول القانون من أداة “عدالة” إلى أداة فرز طبقي وسياسي، تُستخدم فيها العقوبة الجسدية ضد الفئات الأقل قدرة على الحماية أو النفوذ.

في المقابل، تصطدم هذه التشريعات مباشرة بالمادة السابعة من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الذي صادقت عليه إيران عام 1975، وتنص بوضوح على أنه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، كما تؤكد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الجلد وبتر الأطراف يدخلان ضمن التعذيب المحظور بصورة مطلقة، حتى لو استندا إلى قوانين داخلية أو مبررات دينية.

ورغم ذلك، تواصل السلطات الإيرانية الدفاع عن هذه العقوبات باعتبارها جزءاً من “السيادة القضائية” و”الخصوصية الثقافية والدينية”، غير أن هذا التبرير يثير سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للدولة أن تمنح نفسها حق إلحاق الألم الجسدي الدائم بمواطنيها باسم القانون؟ أم إن القانون يفقد شرعيته الأخلاقية عندما يتحول إلى أداة لإنتاج المعاناة بدل حماية الإنسان؟

العقوبة بوصفها أداة ترهيب

لم تعد عقوبات الجلد وبتر الأطراف في إيران تُقرأ بوصفها مجرد امتداد تقليدي لمنظومة “الحدود” الدينية، بل باتت تُستخدم، بصورة متزايدة، بوصفها أداة سياسية لإعادة إنتاج الخوف داخل المجتمع، فكل حكم جلد بحق فنان، وكل عملية بتر تُنفذ داخل السجون، لا تستهدف الجسد الفردي وحده، بل تحمل رسالة أوسع إلى المجال العام: الدولة قادرة على تحويل القانون إلى وسيلة للإذلال العلني وإخضاع المعارضين والطبقات المهمشة.

هذا التحول برز بوضوح بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت منذ 2022، ثم تجددت موجاتها خلال 2025 و2026 مع تصاعد الأزمة الاقتصادية والانهيار المعيشي، فبحسب تقارير منظمة العفو الدولية، اتجهت السلطات الإيرانية إلى الجمع بين أدوات القمع الأمني المباشر، مثل الاعتقالات الجماعية والرصاص الحي، وبين أدوات العقاب القضائي البدني، في محاولة لخلق “ردع نفسي جماعي” طويل الأمد.

وتكشف الوقائع أن العقوبات البدنية لم تعد محصورة في القضايا الجنائية التقليدية، بل أصبحت تُستخدم أيضاً ضد الأصوات المنتقدة والفاعلين في المجال العام، فتنفيذ حكم الجلد بحق المغني مهدي يراحي بسبب أغنية داعمة للاحتجاجات، لم يكن مجرد تنفيذ عقوبة قانونية، بل فعل سياسي مقصود أرادت من خلاله السلطات توجيه إنذار إلى الفنانين والصحفيين والناشطين بأن التعبير نفسه قد يتحول إلى “جريمة جسدية العقاب”.

الأمر ذاته ينسحب على الأحكام التي تصدر بحق المحتجين أو المعتقلين السياسيين تحت تهم فضفاضة مثل “الدعاية ضد النظام” أو “الإخلال بالأمن القومي”، فهذه التهم التي تفتقر غالباً إلى تعريفات دقيقة تسمح للقضاء الإيراني بفتح الباب أمام سلسلة واسعة من العقوبات، تبدأ بالسجن ولا تنتهي أحياناً بالجلد أو الإعدام.

وتشير بيانات حقوقية إلى أن هذه السياسات ترافقت مع تصاعد غير مسبوق في أحكام الإعدام خلال 2025، حيث وثق “مركز عبد الرحمن برومند لحقوق الإنسان في إيران” تنفيذ أكثر من ألفي حكم إعدام، وهو الرقم الأعلى منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وبينما تتنوع أدوات العقاب بين الإعدام والجلد وبتر الأطراف، يبقى القاسم المشترك بينها هو توظيف الجسد باعتباره ساحة لفرض السيطرة السياسية.

الإفلات من العقاب

رغم الإدانات الدولية المتكررة، لا تبدو السلطات الإيرانية في صدد التراجع عن استخدام العقوبات البدنية، بل تمضي في ترسيخها داخل البنية القضائية والأمنية للدولة، والمفارقة أن استمرار الجلد وبتر الأطراف لا يحدث في فراغ قانوني، بل في مواجهة مباشرة مع منظومة دولية تعد هذه العقوبات شكلاً صريحاً من أشكال التعذيب المحظور بصورة مطلقة، دون أي استثناءات ثقافية أو دينية أو سياسية.

فالقانون الدولي لحقوق الإنسان، منذ “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” عام 1948، وضع مبدأً واضحاً لا لبس فيه.. لا يجوز إخضاع أي إنسان للتعذيب أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتكرّس هذا الحظر بصورة أكثر إلزاماً في “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الذي صادقت عليه إيران نفسها عام 1975، حيث تنص المادة السابعة منه على الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة المهينة.

ورغم أن إيران لم تنضم إلى “اتفاقية مناهضة التعذيب”، فإن خبراء القانون الدولي يؤكدون أن حظر التعذيب يُعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي، أي إنه ملزم لجميع الدول، حتى غير الموقعة على الاتفاقية. ولهذا، تعد الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية كبرى عقوبات الجلد وبتر الأطراف تُصنف قانونياً بوصفها أعمال تعذيب، بغض النظر عن تبريراتها الدينية أو القضائية.

وفي أكتوبر 2025 حذرت “بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران” من أن استمرار العقوبات القاسية، إلى جانب الاستخدام المنهجي للإعدام والتعذيب، قد يرقى إلى “جرائم ضد الإنسانية” إذا ثبت أنه جزء من سياسة حكومية واسعة النطاق تستهدف السكان المدنيين.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بوجود النصوص الدولية، بل بسبب عجز المجتمع الدولي عن وقف هذه الانتهاكات، فإيران، على مدى سنوات، استفادت من شبكة معقدة من الإفلات من العقاب، مدعومة بغياب آليات تنفيذ دولية فعالة، والانقسامات السياسية داخل مجلس الأمن، إضافة إلى توظيف خطاب “السيادة الوطنية” و”الخصوصية الثقافية” لرفض الضغوط الحقوقية.

وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن غياب المحاسبة شجع السلطات الإيرانية على توسيع استخدام أدوات القمع، من الإعدامات الجماعية إلى التعذيب والإخفاء القسري، في ظل يقين شبه كامل بأن الكلفة السياسية ستظل محدودة.

وفي المقابل، بدأت بعض الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة باللجوء إلى مبدأ “الولاية القضائية العالمية” الذي يسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة بغض النظر عن مكان وقوعها، وقد شكّلت محاكمة المسؤول الإيراني السابق حميد نوري في السويد، وإدانته بجرائم مرتبطة بمجازر السجون عام 1988، سابقة مهمة أعادت إحياء النقاش حول إمكانية ملاحقة مسؤولين إيرانيين متورطين في التعذيب والانتهاكات الجسيمة.

غير أن هذه الخطوات، رغم رمزيتها، ما تزال محدودة مقارنة بحجم الانتهاكات المستمرة داخل إيران، فالتقارير الحقوقية الصادرة خلال 2025 و2026 ترسم صورة لدولة تستخدم القضاء امتداداً للأمن، والعقوبة أداة لإعادة هندسة الخوف داخل المجتمع.

أيديولوجيا فوق حقوق الإنسان

قال الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية محمد شعت إن استمرار تطبيق العقوبات الجسدية في إيران، ومنها الجلد وبتر الأطراف، يعكس بالأساس طبيعة النظام الحاكم القائم على أيديولوجيا محددة تحكم رؤيته للقانون والعقاب، مؤكداً أن هذه الممارسات لا تنفصل عن الإطار الفكري الذي يتبناه النظام، بل تُعد امتداداً مباشراً له.

وأشار شعت في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى أن معظم الأحكام الصادرة خلال السنوات الأخيرة، سواء بالإعدام أو العقوبات الجسدية أو غيرها من أشكال التعذيب، ترتكز على تهم ذات طابع ديني وأيديولوجي، مثل “محاربة الله ورسوله” و”الإفساد في الأرض”، وهو ما يمنح هذه الأحكام غطاءً عقائدياً يجعلها، من وجهة نظر النظام، مشروعة وغير قابلة للنقاش أو المراجعة.

وأكد أن فهم هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن إدراك طبيعة النظام الإيراني ذاته الذي لا يتعامل مع القوانين الدولية باعتبارها مرجعية ملزمة، بل ينظر إليها باعتبارها أدوات خارجية لا تتسق مع بنيته الفكرية، ونبه إلى أن هذا الرفض الضمني للمنظومة القانونية الدولية يفسر إلى حد كبير استمرار هذه العقوبات رغم الانتقادات الواسعة التي تواجهها.

وأوضح شعت أن قضايا اجتماعية مثل فرض الحجاب تعكس أيضاً هذا التوجه، مشيراً إلى أن حادثة وفاة الفتاة الكردية مهسا أميني في عام 2023 أثارت موجة واسعة من الجدل والاحتجاجات، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن الدور المركزي لما يُعرف بـ”شرطة الأخلاق”، وهي جهة أمنية تستند في عملها إلى نفس الأسس الأيديولوجية، وليس إلى معايير قانونية دولية أو حقوقية متعارف عليها.

وأضاف أن هذه المنظومة الأمنية والقضائية تعمل ضمن إطار فكري مغلق، حيث تُصاغ القوانين وتُطبق وفق رؤية دينية وسياسية محددة، وهو ما يجعل أي محاولة لفهم أو تغيير هذه السياسات من خارج هذا الإطار أمراً بالغ الصعوبة، مؤكداً أن هذا هو السبب الرئيسي وراء استمرار العقوبات الجسدية، رغم ما تسببه من آثار اجتماعية ونفسية عميقة.

وأوضح أن المنظمات الحقوقية، سواء الدولية أو المحلية، تواجه قيوداً شديدة في إيران، حيث لا يُسمح لها بالعمل بحرية، كما أن تقاريرها تعتمد في الغالب على رصد وقائع من خارج البلاد أو عبر مصادر غير مباشرة. وأضاف أن حتى المنظمات المحلية تعاني من تضييقات كبيرة، وهو ما يحد من قدرتها على التأثير أو إحداث تغيير حقيقي.

وفيما يتعلق بالأدوات المتاحة للمجتمع الدولي، قال شعت إن هناك وسائل قانونية ودبلوماسية متعددة، منها فرض العقوبات الاقتصادية، وإصدار تقارير الإدانة، ورصد الانتهاكات الحقوقية بشكل مستمر، مؤكداً أن هذه الأدوات قد تدفع بعض الدول إلى مراجعة سياساتها أو تخفيف حدة الانتهاكات، لكنها في الحالة الإيرانية لا تحقق نفس التأثير.

واختتم شعت تصريحه بتأكيد أن خصوصية النظام الإيراني وأيديولوجيته تمثلان العامل الحاسم في فهم هذه الظواهر، مشيراً إلى أن أي مقاربة واقعية للتعامل مع هذا الملف يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الخلفية الفكرية العميقة، التي تحكم سلوك النظام وتوجهاته.

الجسد يتحول لساحة للعقاب

من جانبها، قالت الباحثة في الشؤون الإيرانية، خلود عبد الحفيظ، إن استمرار تطبيق العقوبات الجسدية في إيران، مثل الجلد وبتر الأطراف، لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية الفقهية والقانونية التي قام عليها نظام الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979، مشيرة إلى أن هذه العقوبات تمثل جزءاً من “الهوية الأيديولوجية والقضائية” للنظام، وليست مجرد أدوات عقابية تقليدية.

وأوضحت عبد الحفيظ، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن النظام القانوني الإيراني يستند بصورة أساسية إلى الفقه الشيعي الاثني عشري، حيث تُصنف بعض العقوبات ضمن “الحدود الشرعية” التي تُعد، وفق التفسير الرسمي، أحكاماً دينية ملزمة يصعب تعطيلها أو تجاوزها.

وأضافت أن الثورة الإيرانية أعادت “أسلمة” القانون الجنائي بشكل كامل، ما جعل العقوبات البدنية جزءاً من بنية الدولة القانونية ورمزاً لالتزامها بمبادئ الثورة الإسلامية.

وأشارت الباحثة في الشؤون الإيرانية إلى أن إيران تتعامل مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان بمنطق “الانتقائية القانونية”، موضحة أن طهران صادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية، لكنها تربط تنفيذها بعدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية وفق التفسير الرسمي للدولة.

وفيما يتعلق بدور مؤسسة ولاية الفقيه، أوضحت عبد الحفيظ أن هذه المؤسسة تمنح القيادة الدينية والسياسية صلاحيات واسعة في إدارة الشأن العام، ومنه النظام القضائي والعقابي، مشيرة إلى أن مبدأ “المصلحة” داخل الفقه السياسي الإيراني يتيح نظرياً إمكانية تعليق بعض الأحكام إذا اقتضت مصلحة النظام ذلك.

وأشارت إلى أن العقوبات البدنية في إيران يمكن قراءتها ضمن صراع أوسع بين ما وصفته بـ”الشرعية الثورية” و”الشرعية القانونية الحديثة”، فالنظام -بحسب قولها- يسعى إلى الحفاظ على صورته بوصفه حارساً لمبادئ الثورة الإسلامية، في حين يواجه في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة من مفاهيم الدولة الحديثة القائمة على حقوق الفرد ورفض العقوبات القاسية أو المهينة.

وأكدت أن هذا التناقض أنتج خطاباً مزدوجاً؛ فداخلياً تُقدَّم هذه العقوبات باعتبارها جزءاً من الالتزام الديني وتحقيق العدالة، في حين يجري الدفاع عنها خارجياً بوصفها تعبيراً عن “السيادة الثقافية” ورفض فرض المعايير الغربية على المجتمع الإيراني.

وفي السياق الاجتماعي، قالت عبد الحفيظ إن العقوبات الجسدية، رغم أنها تستهدف ردع الجريمة وتعزيز الانضباط المجتمعي، تترك تأثيرات نفسية وثقافية معقدة داخل المجتمع الإيراني، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة وتنامي الفجوة بين الأجيال.

وأضافت أن قراءات سوسيولوجية عديدة تشير إلى أن هذه العقوبات قد تُنتج حالة من “الازدواجية القانونية” داخل الوعي المجتمعي، حيث يظهر بعض الأفراد قبولاً ظاهرياً بها بحكم السياق الديني والسياسي، مقابل رفض داخلي متزايد، خصوصاً بين فئات الشباب التي تنظر إليها باعتبارها أدوات سلطوية أكثر من كونها وسائل لتحقيق العدالة.

ونبهت في الوقت ذاته إلى أن جزءاً من المجتمع الإيراني لا يزال يرى في هذه العقوبات تعبيراً عن العدالة الدينية وحماية القيم الأخلاقية، ما يعكس الانقسام العميق داخل المجتمع بين تيارات محافظة تتمسك بالمرجعية الفقهية، وأخرى تدفع باتجاه تحديث المنظومة القانونية بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

واختتمت عبد الحفيظ تصريحها بتأكيد أن الجدل الدائر حول العقوبات الجسدية في إيران لم يعد نقاشاً فقهياً أو قانونياً فحسب، بل بات يعكس طبيعة الصراع الأعمق داخل الدولة الإيرانية بين الحفاظ على شرعية الثورة من جهة، والاستجابة لتحولات المجتمع والضغوط الحقوقية الدولية من جهة أخرى.