في الخرائط العالمية تبدو الممرات التجارية خطوطاً تربط الموانئ بالقارات، لكنها بالنسبة إلى ملايين البشر الذين يعيشون على امتدادها ليست مجرد مسارات لعبور السفن، بل فضاءات تتحدد فيها فرص العمل، والاستثمار، والخدمات، والاستقرار.
ومع احتدام التنافس الدولي على السيطرة على هذه الممرات، تتراجع حياة السكان المحليين إلى الهامش، رغم أنهم أول من يتأثر بتعطل التجارة أو توسع المشاريع أو تصاعد التوترات العسكرية.
وهنا تتجاوز القضية حدود الاقتصاد والجغرافيا السياسية لتصبح سؤالاً عن قدرة العالم على حماية حق الإنسان في التنمية عندما تتحول المصالح الاستراتيجية إلى أولوية تتقدم على حقوق المجتمعات.
اختبار الحق في التنمية
لم تعد الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل البحر الأحمر، وقناة السويس، ومضيق هرمز، ومضيق ملقا، مجرد مكونات في شبكة التجارة العالمية، بل أصبحت ركائز في معادلة النفوذ الدولي، تتنافس عليها القوى الكبرى لضمان أمن الطاقة وحركة الإمدادات وسلاسل التوريد.
وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن نحو 80 بالمئة من تجارة السلع في العالم تنتقل بحراً، ما يجعل استقرار هذه الممرات ضرورة للاقتصاد العالمي.
غير أن أي اضطراب فيها ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والطاقة وكلفة النقل، وهو ما يحد من قدرة كثير من الدول، ولا سيما النامية، على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكانها.
المجتمعات تدفع ثمن المشاريع
ورغم ما تحققه مشاريع الموانئ والمناطق اللوجستية وخطوط النقل من فرص اقتصادية، فإن آثارها لا تتوزع دائماً بصورة عادلة، ففي كثير من الحالات تتطلب هذه المشاريع استملاك أراضٍ أو إعادة توطين سكان أو تغيير أنماط معيشتهم، ما يجعل المجتمعات المحلية أول من يتحمل كلفة التحولات الكبرى.
ويؤكد البنك الدولي أن نجاح هذه المشاريع لا يقاس بحجم الاستثمارات وحده، بل بقدرتها على حماية حقوق السكان، وتعويض المتضررين بصورة عادلة، وإشراكهم في القرارات التي تمس مستقبلهم، حتى لا تتحول التنمية إلى مكسب اقتصادي يقابله تراجع في الحقوق الأساسية.
ولا يقتصر أثر الممرات التجارية على السكان المقيمين في محيطها، بل يمتد إلى مئات آلاف العاملين في قطاعات النقل والموانئ والخدمات اللوجستية والإنشاءات، ولا سيما العمال المهاجرين الذين تعتمد عليهم كثير من المشاريع العابرة للحدود.
وتشدد منظمة العمل الدولية على أن التنمية المرتبطة بالبنية التحتية لا تكون مستدامة ما لم تقترن بظروف عمل آمنة، وأجور عادلة، وحماية من الاستغلال، باعتبار العمل اللائق أحد المرتكزات الأساسية للحق في التنمية.
الجغرافيا تعيد رسم السياسة والاقتصاد
يرى المحلل الجيوسياسي الدكتور عامر السبايلة، أن العالم يتجه إلى مرحلة تصبح فيها البراغماتية الاقتصادية المحرك الرئيس للعلاقات الدولية، مع تصاعد التنافس على مناطق الطاقة، والمعادن الاستراتيجية، والممرات البحرية الحيوية.
ويقول السبايلة في حديثه لـ”صفر” :”إن هذه المواقع لم تعد تمثل قيمة اقتصادية فحسب، بل أصبحت أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام بالموانئ وخطوط التجارة الدولية، وما يرافقه أحياناً من توترات قد تنعكس على استقرار المجتمعات وفرص التنمية فيها”.
ويشير السبايلة إلى أن مضيق هرمز يقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحوّل موقع جغرافي محدود المساحة إلى نقطة تؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله؛ لما تحمله من انعكاسات على أمن الطاقة وحركة التجارة.
الحقوق بين القانون والمصالح
من زاوية حقوق الإنسان، يرى القانوني أحمد زقيبة أن المواثيق الدولية تكفل حق الشعوب في التنمية والاستفادة من مواردها، إلا أن هذا الحق غالباً ما يصطدم باعتبارات النفوذ والمصالح الاقتصادية عندما تحتدم المنافسة بين الدول.
ويؤكد زقيبة في حديثه لـ”صفر” أن المجتمعات الواقعة على امتداد الممرات التجارية تحتاج إلى ضمانات حقيقية تكفل مشاركتها في القرارات المتعلقة بهذه المشاريع، وحصولها على نصيب عادل من عوائدها، إلى جانب حماية حقوقها في السكن والعمل والاستقرار.
تكشف المنافسة على الممرات التجارية أن قيمة هذه المشاريع لا تقاس بعدد السفن العابرة أو بحجم الاستثمارات التي تستقطبها، بل بقدرتها على تحسين حياة الإنسان الذي يعيش في محيطها.
وعندما تصبح التنمية مرادفاً لزيادة الإيرادات فقط، في حين تتراجع حقوق السكان أو تتقلص فرصهم في المشاركة والاستفادة، فإن الممرات الاستراتيجية تتحول من أدوات للنمو إلى مصدر جديد للفجوة بين المصالح الكبرى وحقوق المجتمعات.
ولهذا، فإن إدماج معايير حقوق الإنسان في تخطيط وإدارة الممرات التجارية لم يعد خياراً تنموياً، بل شرط لضمان أن تتحول الجغرافيا إلى مساحة مشتركة للمنافع، لا إلى ساحة يدفع سكانها وحدهم ثمن صراع النفوذ.

