في عالم تتسع فيه المسافة التي يقطعها الطفل بضغطة واحدة على شاشة هاتف، لم تعد المخاطر التي تهدد الطفولة في مصر تقف عند حدود المدرسة أو الشارع أو المنزل، فقد انتقلت أشكال من التنمر والتهديد والابتزاز والاستدراج وانتهاك الخصوصية إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن للمحتوى المؤذي أن ينتشر بسرعة، ويظل متاحاً، ويلاحق الطفل حتى داخل غرفته.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إن حماية الأطفال من العنف والاستغلال في البيئة الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من حماية حقوق الطفل، مؤكدة أن التكنولوجيا تمنح الأطفال فرصاً كبيرة للتعلم والتواصل، لكنها تخلق في الوقت نفسه مخاطر تحتاج إلى إدارة فعالة.
وتكتسب الأزمة في مصر أهمية خاصة مع الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت بين الأطفال والمراهقين، وأظهرت بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 87.2% من أفراد عينة الشباب الذين شملهم سؤال استخدام الإنترنت قالوا إنهم يستخدمونه تقريباً كل يوم، مع ضرورة التنبيه إلى أن الصفحة الإحصائية الرسمية تعرض سجلات العينة غير الموزونة، ولذلك لا ينبغي اعتبار النسبة تقديراً سكانياً وطنياً.
اتساع الحضور الرقمي
أظهرت بيانات تناولها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن امتلاك الهواتف الذكية يرتفع بوضوح مع تقدم الأطفال في العمر؛ إذ سجلت الفئة من 15 إلى 17 عاماً النسبة العليا بواقع 83%، مقابل 74% للفئة من 11 إلى 14 عاماً، و59% للأطفال دون العاشرة.
وأوضحت البيانات التي نقلها الجهاز عن تقرير “Growing Up Online” الصادر عن شركة كاسبرسكي، الاتجاه نفسه في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ بلغت النسبة 84% بين الأطفال من 15 إلى 17 عاماً، في حين تراجعت إلى نحو 35% لدى الأطفال دون سن العاشرة، ما يعكس علاقة طردية بين التقدم في العمر واتساع استخدام الأجهزة والمنصات الرقمية.
مخاطر تتجاوز الشاشة
كشفت الدراسة التي اعتمدت على 10 آلاف مقابلة عبر الإنترنت، شملت 5 آلاف زوج من أولياء الأمور وأطفالهم بين 3 و17 عاماً في خمس دول من بينها مصر، عن مجموعة من المخاطر التي تواجه الأطفال في البيئة الرقمية.
وأظهرت البيانات أن 69% من الأطفال يفصحون عن أعمارهم الحقيقية، في حين كانت حسابات 30% منهم متاحة للجميع، وسجلت محاولات تواصل من بالغين غير معروفين مع 29% منهم. كما شاهد 23% محتوى عنيفاً عمداً، في حين تعرض 41% له بالصدفة، في حين بلغت نسبة ممارسة ألعاب غير مناسبة للعمر 77%. وأظهرت المؤشرات أيضاً اعتماد 73% على الأجهزة الذكية، وشعور 37% بالغضب عند انقطاع الاتصال، ما يكشف درجة الارتباط المتزايدة بالعالم الرقمي.
العنف وآثاره النفسية
أوضحت البيانات أن العنف الرقمي لا يتوقف عند المضايقات العابرة؛ إذ سجلت نسبة ضحايا التنمر الإلكتروني 16%، في حين بلغت نسبة الأطفال الذين شهدوا حالات تنمر 18%. وامتدت التداعيات إلى الجانب النفسي، حيث عانى 57% من المتضررين انخفاضاً في تقدير الذات، وظهرت أعراض الاكتئاب لدى 50% منهم، ما يبرز التأثير العميق الذي يمكن أن يتركه العنف الرقمي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
الأسرة أمام مسؤولية جديدة
أضافت البيانات أن المخاطر الرقمية تمتد إلى البيئة الأسرية نفسها، مع مشاركة بعض أولياء الأمور معلومات شخصية عن أبنائهم عبر الإنترنت، وتحول الاستخدام المكثف للإنترنت في بعض الحالات إلى سبب رئيسي للخلافات داخل الأسرة.
ومع الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية المتصلة بالإنترنت، يواجه الأطفال أيضاً احتمالات التعرض لمحتوى غير ملائم، أو ألفاظ مسيئة، أو سلوكيات عدوانية، فضلاً عن إمكانية التواصل مع غرباء والاستدراج أو الاستغلال العاطفي والمادي. ويجعل ذلك تعزيز الوعي الرقمي، وتفعيل الرقابة الأسرية، ودعم دور المؤسسات التعليمية، ضرورة أساسية للحد من مخاطر العنف والاستغلال في الفضاء الإلكتروني.
تنمر لا يختفي
وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في مصر أن التنمر الإلكتروني يختلف عن الاعتداء التقليدي في أن آثاره يمكن أن تبقى مسجلة في الرسائل والصور ومقاطع الفيديو، ويمكن للمحتوى المؤذي أن يصل إلى جمهور واسع ويلاحق الطفل في المدرسة والمنزل والمجتمع.
وأطلقت يونيسف مصر منذ عام 2018 حملات وبرامج للتوعية بالتنمر الإلكتروني والسلامة على الإنترنت، بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة وشركاء وطنيين ودوليين.
وكشفت دراسة علمية منشورة في مجلة “بي إم سي سايكولوجي” عام 2025 عن انتشار مرتفع للتنمر الإلكتروني داخل عينة مصرية من 304 طلاب في مدارس حكومية، تتراوح أعمارهم بين 12 و20 عاماً في محافظة الدقهلية؛ إذ أفاد 39.9% من المشاركين بتعرضهم للتنمر الإلكتروني.
وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة تخص العينة التي شملها البحث ولا تمثل بالضرورة جميع المراهقين في مصر، لكنها تقدم مؤشراً بحثياً حديثاً على حضور المشكلة في البيئة المدرسية والمجتمعية.
وتوصلت دراسة أخرى منشورة في مجلة “فرونتيرز إن هيومن دايناميكس” عام 2025 إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية في مستويات التنمر الإلكتروني بين مناطق الدراسة داخل محافظة أسيوط، ضمن بحث شمل 3,357 مشاركاً في تحليل يتعلق بالتنمر والوقوع ضحية له والعدوان.
وأظهرت الدراسة أن الظاهرة ترتبط بعوامل اجتماعية ونفسية متعددة، ما يؤكد أن التعامل معها لا يقتصر على أدوات تقنية، بل يحتاج أيضاً إلى تدخلات تربوية ونفسية واجتماعية.
الابتزاز والاستدراج
ولا يقف العنف الرقمي عند التنمر؛ إذ يمكن أن يتحول التواصل الإلكتروني مع الغرباء إلى استدراج أو ابتزاز أو استغلال جنسي، وقالت يونيسف مصر إن الأطفال قد يتعرضون للتهديد بنشر صور خاصة أو معلومات شخصية، ونصحت الأسر بعدم دفع الطفل إلى الصمت أو لومه، بل بالحفاظ على الأدلة وإبلاغ المنصة والاتصال بخط نجدة الطفل على الرقم 16000.
ووثقت يونيسف مصر في موادها الخاصة بحماية الأطفال من التنمر الإلكتروني حالات تعامل فيها خط نجدة الطفل مع وقائع ابتزاز واستدراج عبر مواقع التواصل، منها حالة لطفل يبلغ 15 عاماً جرى استدراجه لمشاركة صور ومعلومات شخصية ثم تعرض للتهديد، وحالة أخرى لطفلة تبلغ 12 عاماً تواصل معها شخص عبر حساب مزيف خلال لعبة إلكترونية واستغل المعلومات التي حصل عليها منها للضغط عليها. وأحالت يونيسف والحكومة المصرية هذه الحالات إلى الجهات المختصة مع تقديم الدعم النفسي للأطفال.
حماية البيانات
وأصبح انتهاك الخصوصية أحد أخطر أوجه العنف الرقمي؛ لأن الطفل قد يشارك صورة أو عنواناً أو معلومة عائلية دون إدراك أن هذه البيانات يمكن إعادة استخدامها أو استغلالها، وقالت يونيسف إن حقوق الطفل في البيئة الرقمية تشمل الحماية من استغلال البيانات والمحتوى الضار، في حين أكدت المنظمة أن حماية الأطفال يجب أن تشمل الحكومات والشركات والمدارس والأسر، وليس الأطفال وحدهم.
وتتحرك الدولة المصرية في هذا الاتجاه من خلال سياسات الأمان الرقمي والتوعية وحماية البيانات. وأطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في يونيو 2026 حملة رسائل توعوية للتعريف بمنصة “واعي.نت” التي تقدم مواد حول الخصوصية والأمان الرقمي وحماية الأطفال والمراهقين من التنمر والابتزاز والاستغلال الرقمي والمحتوى غير الملائم. وقالت الوزارة إن الحملة نُفذت بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول، واستهدفت الأسر والأطفال والمراهقين والشباب وأولياء الأمور والمعلمين.
وتواصل الدولة أيضاً نشر الوعي بالسلامة الرقمية من خلال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات “إي جي-سيرت”، وأطلق الجهاز في فبراير 2026 حملة لتعزيز الاستخدام الآمن للتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، ركزت على حماية البيانات الشخصية والتواصل الإيجابي ودور أولياء الأمور في متابعة استخدام الأطفال للإنترنت، كما نظم الجهاز ندوات خلال 2025 و2026 تناولت الخصوصية والابتزاز الإلكتروني والرقابة الأبوية والتعامل مع المواقع غير الآمنة.
الإطار القانوني
وتستند المواجهة القانونية في مصر إلى أكثر من مسار تشريعي، منها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية الصادرة عام 2020، ويضع القانون إطاراً لمواجهة جرائم استخدام الشبكات وتقنيات المعلومات، ومنها جرائم الاعتداء على البيانات والحسابات والخصوصية وغيرها من الأفعال المرتكبة باستخدام الوسائل التقنية.
كما يرتبط الإطار الوطني بحقوق الطفل المنصوص عليها في قانون الطفل وتعديلاته، وبعمل المجلس القومي للطفولة والأمومة وخط نجدة الطفل، وأوضحت الحكومة المصرية أمام لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل أن المرصد الوطني لحقوق الطفل يعمل على جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالأطفال، وأن قاعدة بيانات الأطفال المعرضين للخطر ترتبط بجهود إنشاء خريطة رقمية موحدة للخدمات وربطها بلجان حماية الطفل في المحافظات.
التزامات دولية
ويضع القانون الدولي لحماية الطفل مسؤولية واضحة على الدول في البيئة الرقمية، فقد أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل في التعليق العام رقم 25 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية أن الحقوق التي يتمتع بها الأطفال خارج الإنترنت يجب أن تحظى بالحماية أيضاً عندما يمارس الأطفال حقوقهم عبر التكنولوجيا، ومنها الحق في الخصوصية والحماية من العنف والاستغلال والوصول إلى المعلومات والمشاركة. وتدعو الأمم المتحدة الدول إلى توفير آليات فعالة للإبلاغ والانتصاف، وتعزيز الثقافة الرقمية للأطفال والآباء والمعلمين.
وأكدت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة في ملاحظاتها الختامية بشأن مصر الصادرة في يونيو 2024 أن مصر اتخذت خطوات تشريعية ومؤسسية تتعلق بحقوق الطفل، بينها تعديل قانون الطفل عام 2023 وإعادة هيكلة المجلس القومي للطفولة والأمومة، لكنها شددت في الإطار العام لملاحظاتها على ضرورة مواصلة تطوير آليات حماية الطفل وتنفيذ حقوقه بصورة فعالة. وتوفر هذه الملاحظات إطاراً دولياً مهماً عند تقييم قدرة المؤسسات الوطنية على التعامل مع المخاطر الجديدة، ومنها المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي.
مسؤولية المنصات
وتؤكد يونيسف أن حماية الطفل في البيئة الرقمية لا يمكن أن تقع على الأسرة وحدها؛ لأن تصميم المنصات نفسها يمكن أن يؤثر في مستوى الخطر الذي يواجهه الطفل.
وتدعو المنظمة الشركات إلى اعتماد آليات مناسبة للعمر، وتوفير أدوات إبلاغ سهلة، وحماية بيانات الأطفال، والحد من تعرضهم للمحتوى الضار والاستغلال، وإجراء تقييمات لتأثير المنتجات والخدمات الرقمية في حقوق الطفل.
وتنسجم هذه الرؤية مع الاتجاه الذي طرحه السؤال البرلماني الأخير في مصر، والذي دعا إلى تطوير أدوات أكثر فاعلية للتحقق من الأعمار، وتقليص التواصل غير الآمن بين الأطفال والغرباء، وإدراج السلامة الرقمية في التعليم، وتوفير آلية سريعة للإبلاغ عن التنمر والابتزاز والاستدراج الإلكتروني.
من التوعية إلى الحماية
وأصبح التحدي أمام مصر أكثر تعقيداً مع انتقال حياة الأطفال بصورة متزايدة إلى العالم الرقمي؛ لأن الهاتف الذي يستخدمه الطفل للتعلم والترفيه والتواصل يمكن أن يصبح في اللحظة نفسها وسيلة للوصول إليه أو الضغط عليه أو انتهاك خصوصيته.
وقالت يونيسف إن الأطفال يحتاجون إلى مهارات رقمية تمكنهم من الاستفادة من التكنولوجيا وإدارة مخاطرها، في حين يحتاج الآباء والمعلمون إلى المعرفة نفسها حتى يستطيعوا التدخل قبل تفاقم الضرر.
وتشير الخطوات التي اتخذتها وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمجلس القومي للطفولة والأمومة إلى اتجاه رسمي متزايد نحو تعزيز السلامة الرقمية والتوعية وحماية البيانات ودعم آليات الإبلاغ.
ويبقى قياس حجم العنف الرقمي في مصر تحدياً أساسياً؛ لأن الأرقام المتاحة تأتي من مصادر ودراسات مختلفة ولا تزال تفتقر إلى مسح وطني دوري متخصص يجمع بصورة موحدة بيانات التنمر والاستدراج والابتزاز والاستغلال وانتهاك الخصوصية بحسب العمر والنوع والموقع الجغرافي.
وتُظهر البيانات الرسمية المتاحة اتساع استخدام الإنترنت بين الشباب، في حين تقدم الدراسات الأكاديمية مؤشرات على انتشار التنمر الإلكتروني، وتكشف بيانات الجهات المعنية طبيعة بعض المخاطر، لكن بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة يظل ضرورياً لتقييم حجم المشكلة وقياس أثر السياسات.
وفي النهاية، لم تعد حماية الطفل المصري من العنف الرقمي قضية تقنية منفصلة عن حقوقه الأساسية، بل أصبحت مرتبطة بحقه في الأمان والخصوصية والصحة النفسية والحماية من الاستغلال. وتضع المعايير الدولية الدولة والمنصات والمدارس والأسر أمام مسؤولية مشتركة، في حين تظهر التحركات المصرية خلال 2025 و2026 اتجاهاً نحو تعزيز التوعية والأمان الرقمي وآليات حماية الطفل. وبين سرعة تطور التكنولوجيا وبطء قدرة بعض الأسر والمؤسسات على مواكبتها، تظل سلامة الطفل هي المعيار الأهم لقياس نجاح أي سياسة رقمية جديدة.

