منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التل الذي سأموت عليه

06 مايو 2026
صورة مركبة: تصميم غارديان/صور غيتي
صورة مركبة: تصميم غارديان/صور غيتي

في الآونة الأخيرة، انشغل القرّاء بحماس شديد بصدور الكتاب الجديد للكاتب باتريك رادن كيف«London Falling» ، المراجعات جاءت مبهرة، والبودكاستات التي تستضيفه لا تتوقف، وصور النسخة ذات الغلاف الصلب تملأ حسابات إنستغرام. أما أنا، فكل ما يخطر ببالي هو: “يبدو رائعاً… لكنني سأنتظر النسخة الورقية”.

أنا قارئ عادي إلى حد كبير، أقرأ عدداً لا بأس به من الكتب كل عام، ومعظم قراءاتي في الأدب الروائي، وأحاول مواكبة ما يُنشر حديثاً، لكن الوقت والمال ليسا متوفرين بكثرة؛ فأنا قارئ بطيء، وصحفي مستقل.

وهنا أصل إلى النقطة الأساسية: أنا أكره الكتب ذات الغلاف الصلب، وأعتقد أننا يجب أن نتخلى عنها تماماً.

الحقيقة البسيطة أن هذه الكتب باهظة الثمن، وعندما تعرف أن نسخة أرخص ستصدر بعد فترة تتراوح بين 9 و13 شهراً، يصبح من السهل تأجيل الشراء. لكن هذا التأجيل غير مبرر للجميع. في زمن يصعب فيه على أي منتج ثقافي أن يحظى باهتمام طويل، يبدو غريباً أن يطرح الناشرون النسخة الأقل وصولاً أولاً. خاصة في وقت ترتفع فيه تكاليف النشر وتتعثر المبيعات. والأسوأ أنني، بحلول صدور النسخة الورقية، قد أكون نسيت الكتاب تماماً.

لكن مشكلتي الكبرى أن هذه الكتب مرهقة في الاستخدام. من الصعب حملها أثناء التنقل، سواء في المواصلات أو السفر أو حتى أثناء الخروج العادي. هي ضخمة داخل الحقيبة، ولا يمكن وضعها بسهولة في جيب معطف. كما أن قراءتها غير مريحة، خاصة إذا تجاوزت 300 صفحة. تخيّل أن تحاول قراءة كتاب ثقيل وأنت واقف في المترو ممسكاً بالمقبض بيد واحدة. قبل سنوات، اشتريت بشكل اندفاعي نسخة الغلاف الصلب من رواية  Against the Day  لتوماس بينشون، والتي تبلغ 1085 صفحة، شعرت وكأنني أحمل طفلاً صغيراً لأسابيع.

أنا شخص سطحي إلى حد ما، ولن أدّعي أن شكل الكتاب لا يهمني. يقال إن الغلاف الصلب أكثر أناقة، لكنني لا أوافق. في رأيي، تبدو هذه الكتب متضخمة، ولا تستقر بشكل مريح على الرفوف. وإذا ارتخى الغلاف الخارجي، يتحول إلى عبء إضافي.

تحدثت -أو بالأحرى أزعجت- بعض العاملين في قطاع النشر، وقدموا لي أسباباً لاستمرار هذه الصيغة. لا تزال هناك مكانة وهيبة مرتبطة بالغلاف الصلب، ويحبها الكتّاب وبائعو الكتب وبعض القرّاء. ومن الناحية العملية، يستغرق انتشار الكتب وقتاً، لذلك يرى الناشرون أنهم يمكن أن يحققوا مبيعات أولية من النسخة الصلبة، ثم يستفيدوا لاحقاً من النسخة الورقية. وبما أن معظم الكتب الجديدة لا تتجاوز مبيعاتها بضعة آلاف نسخة، فهم يأملون تحقيق عائد جيد من جمهور محدود لكنه ملتزم بشراء النسخ الصلبة.

وردي على ذلك بسيط: حسناً، ربما. قد يكون هذا رأياً لا يصمد أمام سؤالين إضافيين، لكن هذا هو “تلّي” الذي سأدافع عنه حتى النهاية.

هل يهم فعلاً من يملك وسائل الإعلام؟

كان هذا السؤال في السابق يبدو تخصصياً إلى حد ما، حتى لم يعد كذلك.

كانت النقاشات حول ملكية وسائل الإعلام تتركز على قضايا مثل احتكار السوق والمنافسة والتنظيم. كان الناس يدركون أن مالكي وسائل الإعلام قد يؤثرون فيما يقرأونه ويشاهدونه، وربما حتى في السياسات والرأي العام. لكن هذه المخاطر كانت تبدو بعيدة عن حياتنا اليومية.

اليوم لم يعد الأمر كذلك.

مع تزايد استحواذ مليارديرات نافذين على المؤسسات الإعلامية، لم تعد المسألة مجرد صراعات نفوذ خلف الأبواب المغلقة. بل أصبحت تتعلق بمحاولات صريحة لاستقطاب المجتمعات وخنق النقاش والمعارضة.

الأمر يتعلق باستخدام الإعلام أداة لتحقيق مصالح سياسية وتجارية، بقدر ما هو وسيلة للتأثير السياسي.

ويتعلق بتفريغ غرف الأخبار من محتواها، وتقديم المصالح التجارية على المصلحة العامة إلى درجة قد تجعلك تنسى أن الصحافة الحرة شرط أساسي لأي ديمقراطية.

كما يتعلق باستخدام الخوارزميات لتشويه إدراكنا للواقع، ولجيراننا، بل ولأنفسنا.

وفي الوقت نفسه، تتعرض مؤسسات إعلامية أخرى لتهديدات قضائية مدمرة وترهيب لمجرد قيامها بعملها.

نقلاً عن الجارديان