كشفت منظمات حقوقية دولية عن اتهامات لبولندا بالتورط في عمليات ترحيل قسري لمواطنين أوكرانيين من الولايات المتحدة إلى بلد يعيش حربًا مفتوحة، في قضية أعادت إلى الواجهة الجدل حول حدود التعاون الأمني بين الدول عندما يتقاطع مع القانون الدولي وحقوق اللاجئين وحماية المدنيين من الإعادة إلى مناطق الخطر.
اتهمت منظمة “العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس فيرست” السلطات البولندية بالمساعدة في نقل أكثر من 50 أوكرانيًا رحلوا من الولايات المتحدة عبر الأراضي البولندية، ضمن حملة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموسعة ضد الهجرة.
ووفقا لما أوردته صحيفة “فايننشيال تايمز”، قالت المنظمتان إن إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية استخدمت مطار جيشوف-جاسيونكا شرقي بولندا كنقطة عبور في عمليات نقل إلى أوكرانيا خلال نوفمبر 2025 ومارس 2026.
وأوضحت المنظمتان أن رحلة ثالثة هبطت في المطار نفسه يوم 30 أبريل، لكن عدد المرحلين على متنها لا يزال غير معروف.
ويعد المطار ذاته مركزًا رئيسيًا للمساعدات العسكرية والإنسانية الموجهة إلى أوكرانيا منذ الغزو الروسي الشامل عام 2022، ما منح القضية بعدًا أكثر حساسية سياسيًا وإنسانيًا.
قالت مديرة منظمة العفو الدولية في بولندا، آنا بلاشاك-باناسياك، إن بولندا وقفت إلى جانب أوكرانيا منذ بداية الحرب الروسية، وقدمت حماية مؤقتة لما يقرب من مليون لاجئ أوكراني، مضيفة أن “بولندا لا ينبغي أن يكون لها أي دور في هذه العمليات غير القانونية التي تمزق الأسر وتقسم المجتمعات وتعرض حياة الناس للخطر”.
وسعت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، بحسب ما نقلته “رويترز”، عمليات الترحيل منذ عودة ترامب إلى السلطة، عبر استخدام دول ثالثة كمحطات عبور ومراكز لوجستية لإعادة المهاجرين.
وأشارت الوكالة إلى أن الإدارة نظمت رحلات ترحيل إلى أكثر من اثنتي عشرة دولة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، كما حاولت استخدام دول مثل رواندا وأوغندا كنقاط عبور.
أثارت المنظمات الحقوقية مخاوفها رسميًا في رسالة أرسلتها إلى السلطات البولندية بتاريخ 17 أبريل، لكنها أكدت أنها لم تتلق أي رد، ما دفعها لاحقًا إلى نشر الرسالة للرأي العام.
واعتبرت المنظمتان أن القانون الدولي يلزم بولندا بعدم نقل أي شخص إلى أراضٍ قد تتعرض فيها حياته أو حريته للخطر.
إعادة إلى منطقة حرب
حذرت الرئيسة التنفيذية لمنظمة “هيومن رايتس فيرست”، عذراء زيا، من أن إعادة الأوكرانيين إلى بلد يتعرض للقصف المستمر تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، وقالت إن “نقل الأوكرانيين قسرًا إلى منطقة حرب نشطة، حيث تضرب الصواريخ جميع أنحاء البلاد، أمر صادم للضمير”.
وأضافت أن موظفي المنظمة الذين زاروا خطوط المواجهة في أوكرانيا عشرات المرات منذ فبراير 2022 يؤكدون أنه “لا توجد منطقة آمنة” داخل البلاد، معتبرة أن على بولندا رفض تسهيل “عمليات النقل القسري القاسية” التي تنفذها إدارة ترامب.
كشفت منظمة العفو الدولية، في بيانها المفصل، أن طائرتين تابعتين لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية هبطتا في مطار رزيسزوف-جاسيونكا يوم 17 مارس 2026 وعلى متنهما مواطنون أوكرانيون لا يزال مصيرهم مجهولًا حتى الآن، كما أشارت إلى أن رحلة أخرى وصلت في 18 نوفمبر 2025، ونقل ركابها الخمسون إلى نقطة تفتيش شيهيني-ميديكا الحدودية قبل إدخالهم إلى الأراضي الأوكرانية.
أفادت المنظمة بأن تقارير إعلامية ذكرت أن مسؤولين أمريكيين نقلوا المرحلين جوًا إلى بولندا، قبل أن يرافقهم مسؤولون بولنديون إلى الحدود الأوكرانية، كما تحدثت المنظمة عن تقارير أخرى ذكرت أن بعض المرحلين كانوا قد دخلوا الولايات المتحدة عبر برنامج “متحدون من أجل أوكرانيا” الإنساني الذي أطلقته إدارة بايدن عام 2022، وكانت طلبات تجديد إقامتهم لا تزال قيد المعالجة عندما جرى ترحيلهم.
أشارت المنظمات إلى أن عمليات الترحيل هذه أدت إلى فصل بعض الأوكرانيين عن عائلاتهم المقيمة داخل الولايات المتحدة، في وقت يعيش فيه الأوكرانيون المقيمون هناك حالة من الغموض القانوني بعد تعليق البرنامج الإنساني وعدم البت في العديد من طلبات الإقامة.
نفت المتحدثة باسم وزارة الداخلية البولندية، كارولينا غاليكا، وجود أي اتفاق بين بولندا والولايات المتحدة بشأن عمليات الترحيل، مؤكدة في تصريحات لـ”رويترز” أن بلادها كانت “مجرد نقطة عبور”، وأضافت أن حرس الحدود البولندي اقتصر دوره على إجراءات التحقق القانونية، موضحة أن بعض المرحلين ربما لا يملكون حق دخول الأراضي البولندية أصلًا.
امتنع نائب رئيس مطار رزيسزو-ياسيونكا، بارتوش غورسكي، عن التعليق على الرحلات الجوية، كما لم ترد وزارة الأمن الداخلي الأمريكية على طلبات التعليق المتعلقة بالاتهامات.
حق اللجوء تحت الضغط
شددت منظمة “العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس فيرست” على أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يعد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، ويمنع الدول من إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر على حياته أو حريته.
وأوضحت المنظمتان أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعت الدول إلى الامتناع عن إعادة أي شخص قسرًا إلى أوكرانيا بسبب استمرار النزاع المسلح، حتى وإن كان الأمل قائمًا في عودة واسعة للاجئين مستقبلًا عندما تتحسن الظروف الأمنية.
رأت المنظمات الحقوقية أن القضية تكشف تحولًا متزايدًا نحو “تدويل” عمليات الترحيل الأمريكية عبر الاستعانة بدول حليفة أو نقاط عبور خارجية، بما يسمح بتنفيذ عمليات إعادة جماعية بعيدًا عن التدقيق القانوني المباشر داخل الأراضي الأمريكية.
لفتت منظمة العفو الدولية إلى أن إدارة ترامب شنت منذ يناير 2025 حملة واسعة ضد المهاجرين، شملت إنهاء برامج الإفراج المشروط الإنساني والحماية المؤقتة لعدة جنسيات، ما وضع أكثر من 1.5 مليون شخص تحت خطر الترحيل.
وأكدت مديرة منظمة العفو الدولية في بولندا، آنا بلاشاك-باناسياك، أن على السلطات البولندية التحقيق في هذه الحوادث، وتحديد أماكن الأشخاص المرحلين، وضمان حمايتهم من الإعادة القسرية، ومعاملتهم بكرامة، وتوفير سبل انتصاف فعالة لهم.
واختتمت المنظمات الحقوقية تحذيراتها بالتأكيد على أن الحرب لا تسقط الالتزامات القانونية للدول تجاه طالبي الحماية، وأن استخدام دول العبور لترحيل أشخاص إلى مناطق نزاع نشطة يفتح بابًا خطيرًا لتقويض منظومة حقوق اللاجئين والحماية الدولية بأكملها.
