منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الاحتراق الوظيفي.. عندما تتحول بيئة العمل إلى تهديد للصحة والكرامة الإنسانية

07 أغسطس 2026
الاحتراق الوظيفي أزمة يواجهها العاملون تحت الضغط
الاحتراق الوظيفي أزمة يواجهها العاملون تحت الضغط

لا يدخل معظم العاملين إلى أماكن عملهم وهم يتوقعون أن تصبح الوظيفة سبباً في تدهور صحتهم، لكن تراكم الضغوط، وطول ساعات العمل، وغياب التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، قد يحول بيئة العمل تدريجياً إلى مصدر للإرهاق النفسي والجسدي.

وعندما يصل الموظف إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي، لا يعود الأمر مرتبطاً بقدرته الفردية على تحمل الضغوط، بل يصبح مؤشراً على طبيعة بيئة العمل ومدى التزام المؤسسات بحماية حق الإنسان في الصحة والعمل اللائق.

فالقضية لم تعد تتمحور حول كيفية جعل الموظف أكثر قدرة على تحمل الضغط، بل حول كيفية بناء بيئات عمل تقلل مصادر الاستنزاف وتحافظ على سلامة العاملين.

أرقام تكشف حجم الظاهرة

تصنف منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي ضمن التصنيف الدولي للأمراض باعتباره ظاهرة مهنية تنتج عن ضغوط مزمنة في مكان العمل لم تتم إدارتها بشكل فعال.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية إلى أن ساعات العمل الطويلة ترتبط بوفاة أكثر من 745 ألف شخص سنوياً بسبب أمراض القلب والسكتات الدماغية المرتبطة بالعمل.

وتظهر دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الضغوط النفسية في بيئات العمل أصبحت من العوامل المؤثرة في انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الغياب الوظيفي في عدد من الدول الصناعية.

أزمة الاحتراق الوظيفي

لفترات طويلة، جرى التعامل مع الاحتراق الوظيفي باعتباره ضعفاً في قدرة الفرد على إدارة الضغوط، لكن النظرة الحديثة بدأت تتعامل معه باعتباره نتيجة محتملة لطريقة تنظيم العمل نفسها.

وتشير التجارب الدولية إلى أن عوامل مثل الأعباء المفرطة، وساعات العمل الطويلة، وضعف الدعم الإداري، وثقافة المؤسسة، تلعب دوراً أساسياً في زيادة احتمالات الإصابة بالإرهاق المهني.

ولهذا بدأت مؤسسات عديدة في مراجعة سياسات العمل من خلال تقليل ساعات العمل الإضافية، وتوفير خدمات الدعم النفسي، وتعزيز المرونة الوظيفية، وإدراج المخاطر النفسية ضمن أنظمة السلامة المهنية.

العمل اللائق يبدأ ببيئة صحية

لا يقتصر الحق في العمل على توفير وظيفة فقط، بل يشمل أيضاً ضمان ظروف عمل عادلة وآمنة تحافظ على صحة الإنسان وكرامته.

وتؤكد المعايير الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية، أن حماية العامل لا تقتصر على الوقاية من الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى مواجهة الضغوط المهنية التي قد تؤثر على الصحة النفسية والجسدية.

وبذلك أصبحت الوقاية من الاحتراق الوظيفي جزءاً من الالتزام بحماية الحق في الصحة والعمل اللائق، وليس مجرد وسيلة لتحسين الإنتاجية.

حماية العامل التزام قانوني

يرى القانوني عبد العزيز العثمان أن الاحتراق الوظيفي يرتبط مباشرة بحق العامل في التمتع بظروف عمل آمنة وصحية، وهو حق أقرته اتفاقيات منظمة العمل الدولية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويقول العثمان، في حديثه لـ”صفر”، إن كثيرا من التشريعات، وإن لم تستخدم مصطلح “الاحتراق الوظيفي” صراحة، فإنها تلزم أصحاب العمل بحماية الصحة الجسدية والنفسية للعاملين، من خلال تقييم المخاطر المهنية، وتنظيم ساعات العمل، والحد من الإجهاد المفرط، وتوفير بيئة عمل تقلل الضغوط التي قد تؤدي إلى آثار طويلة الأمد.

بالنسبة للعثمان فإن حق صاحب العمل في تنظيم العمل لا يمنحه صلاحية فرض ممارسات تستنزف العاملين أو تعرضهم لضغوط مستمرة، لأن هذا الحق يجب أن يمارس في إطار مبادئ المشروعية والضرورة والتناسب، بما يحقق مصلحة المؤسسة دون المساس بحق العامل في الصحة والكرامة وظروف العمل اللائقة.

ويؤكد العثمان أن بيئة العمل الآمنة تشمل الصحة النفسية بالقدر نفسه الذي تشمل فيه السلامة الجسدية، وهو ما يجعل الوقاية من الاحتراق الوظيفي التزاما قانونيا وأخلاقيا لا خيارا إداريا.

الحماية تبدأ من مكان العمل

لا تقاس جودة بيئة العمل بعدد ساعات الإنتاج أو حجم الإنجاز فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على الإنسان الذي ينجز هذا العمل.

فالمؤسسة التي تقلل الضغوط، وتحترم التوازن بين الحياة والعمل، وتتيح الدعم النفسي، لا تحمي موظفيها وحدهم، بل تحمي استدامة إنتاجها أيضًا؛ فتصبح الصحة النفسية جزءا من ثقافة العمل، لا مجرد استجابة للأزمات، ويتحول معه الحق في الصحة من نص قانوني إلى ممارسة يومية يشعر بها العامل قبل أن يقرأها في التشريعات.