تحوّلت العاصمة الأمريكية واشنطن خلال العام الأخير إلى ساحة جدل سياسي وحقوقي متواصل، بعدما فرض الوجود المكثف لقوات الحرس الوطني واقعا جديدا في شوارع المدينة، ففي الوقت الذي تؤكد فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن انتشار القوات الفيدرالية أسهم في تعزيز الأمن وخفض معدلات الجريمة، يرى مسؤولون محليون وسكان وباحثون أن العاصمة تعيش حالة غير مسبوقة من الحضور العسكري، وأن هذا الانتشار غيّر الحياة اليومية للسكان وأثار تساؤلات واسعة حول حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية ومستقبل الحريات المدنية.
وتستند إدارة ترامب إلى بيانات صادرة عن وزارة العدل الأمريكية تؤكد أن فرقة العمل الفيدرالية الخاصة بأمن العاصمة، والتي تضم أكثر من ثلاثين وكالة من بينها إدارة الهجرة والجمارك، تمكنت منذ أغسطس الماضي من تنفيذ آلاف عمليات التوقيف، وضبط أكثر من 1500 قطعة سلاح غير مرخصة، والعثور على 23 طفلا مفقودا، كما أعلنت الوزارة استمرار عمل هذه القوة المشتركة لثلاث سنوات إضافية ضمن الخطة الأمنية الهادفة إلى تعزيز الأمن في العاصمة، وفق صحيفة “الغارديان” البريطانية.
مدينة تغيرت ملامحها
لم يعد مشهد الجنود الذين يرتدون الزي العسكري ويحملون الأسلحة في محطات المترو والساحات العامة والمعالم السياحية أمرا استثنائيا بالنسبة لسكان واشنطن، فبعد مرور عام على قرار نشر الحرس الوطني، أصبح الوجود العسكري جزءا من الحياة اليومية في المدينة، الأمر الذي دفع عددا من السكان إلى وصف العاصمة بأنها تعيش تحت حصار أمني دائم.
ويقول سكان المدينة إنهم لم يعتادوا رؤية القوات العسكرية بهذه الكثافة في الأحياء المدنية، مؤكدين أن انتشار الجنود خلق شعورا بالقلق أكثر من شعورهم بالأمان، خاصة مع استمرار تمديد حالة الطوارئ الجنائية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، وآخرها قرار تمديدها حتى يناير 2029.
احتجاجات يومية بصوت الأواني
في حديقة لينكولن شرق مبنى الكابيتول، يتكرر كل مساء مشهد بات مألوفا لسكان المنطقة، فعند حلول الغروب، يجتمع عدد من المحتجين لقرع الأواني والمقالي المعدنية لمدة خمس دقائق، قبل أن يرددوا شعار “سنعود”.
ويستلهم المشاركون هذه الوسيلة الاحتجاجية من تقليد يعرف باسم “كاسيرولازو”، وهو أسلوب احتجاجي ظهر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر وانتقل لاحقا إلى دول أمريكا اللاتينية، حيث استخدم للتعبير عن رفض السياسات الحكومية.
ويؤكد المشاركون أن احتجاجاتهم ستستمر طالما بقيت قوات الحرس الوطني منتشرة في المدينة، معتبرين أن هذا الوجود العسكري يمثل تحولا غير مسبوق في طبيعة العاصمة الأمريكية.
خلاف بين الحكومة والسلطات المحلية
يبرز أحد أهم أوجه الأزمة في طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وسلطات العاصمة واشنطن، فالعاصمة لا تتمتع بوضع الولاية الأمريكية، ولذلك لا تمتلك رئيسة البلدية موريل باوزر صلاحية استدعاء الحرس الوطني أو سحب قواته، إذ تقتصر صلاحياتها على تقديم طلبات للحكومة الفيدرالية، بينما تحتفظ الإدارة الأمريكية بالقرار النهائي بشأن نشر القوات.
ويؤكد رئيس مجلس مقاطعة كولومبيا فيل مندلسون أن الحرس الوطني لا يؤدي مهام شرطية مباشرة، ويرى أن وجود جنود مسلحين في شوارع المدينة يبعث برسائل سلبية إلى السكان والزوار، ولا يعكس الصورة الحقيقية للوضع الأمني في العاصمة.
كما انتقدت عضوة مجلس المدينة والمرشحة الديمقراطية الأبرز لمنصب عمدة واشنطن، جينيس لويس جورج، استمرار الانتشار العسكري، مؤكدة أن عددا من حكام الولايات تعرضوا لضغوط من أجل إرسال قوات الحرس الوطني إلى العاصمة، معتبرة أن تحويل هذا المشهد إلى أمر اعتيادي يمثل تطورا خطيرا.
رد الإدارة الأمريكية
في المقابل، تدافع الإدارة الأمريكية عن سياستها الأمنية، وتؤكد أن انتشار الحرس الوطني جاء استجابة لمتطلبات حفظ الأمن ودعم أجهزة إنفاذ القانون.
وتشير وزارة العدل الأمريكية إلى أن فرقة العمل الأمنية نجحت في تنفيذ أكثر من 13900 عملية توقيف، إضافة إلى ضبط كميات كبيرة من الأسلحة غير القانونية، وهو ما تعتبره دليلا على نجاح الخطة الأمنية في مواجهة الجريمة.
كما تؤكد الإدارة أن أفراد الحرس الوطني لا ينفذون عمليات اعتقال بصورة مباشرة، وإنما يقدمون الدعم اللوجستي والأمني للوكالات الفيدرالية والمحلية المشاركة في العمليات.
دراسة تشكك في النتائج
لكن دراسة حديثة أصدرها مركز نيسكانين، وهو مركز أبحاث أمريكي مستقل، قدمت تقييما مختلفا لنتائج الانتشار العسكري.
وأظهرت الدراسة أن وجود الحرس الوطني لم يؤد إلى انخفاض ملموس في جرائم العنف داخل العاصمة، رغم أن الحكومة تنفق نحو 1.65 مليون دولار يوميا على عمليات الانتشار.
ورصد الباحثون انخفاضا بنسبة 24 في المئة في بعض جرائم الممتلكات ذات الطابع الانتهازي خلال الأشهر الستة الأولى، إلا أنهم أكدوا أن جرائم العنف واصلت مسارها التنازلي الذي بدأ قبل نشر القوات، ما يعني أن الانتشار العسكري لم يكن العامل الحاسم في هذا التراجع.
ويرى معدو الدراسة أن النتائج لا تبرر التكلفة المالية المرتفعة ولا استمرار الوجود العسكري بهذه الكثافة.
مخاطر تطول الجنود أيضاً
لم تقتصر تداعيات الانتشار على السكان، بل امتدت إلى أفراد الحرس الوطني أنفسهم، ففي نوفمبر الماضي تعرض جنديان لإطلاق نار خلال كمين بمحطة مترو في العاصمة، ما أدى إلى مقتل الجندية سارة بيكستروم وإصابة الرقيب أندرو وولف بجروح خطيرة، بحسب مكتب المدعي العام الأمريكي لمقاطعة كولومبيا.
وأعادت هذه الحادثة النقاش حول طبيعة المهام التي يؤديها الحرس الوطني، ومدى ملاءمة وجود قوات عسكرية في بيئة مدنية تتطلب في الأساس أدوات شرطية ومجتمعية.
منظمات المجتمع المدني ترفض النهج الأمني
ترى منظمات مدنية عديدة أن الحكومة الفيدرالية تبالغ في الاعتماد على الحلول الأمنية، وتقول كيا تشاتيرجي، المديرة التنفيذية لتحالف مجتمعي يعارض سياسات إدارة ترامب في واشنطن، إن أخطر ما حدث خلال العام الماضي هو اعتياد المواطنين على رؤية الجيش في الشوارع، محذرة من أن هذا الواقع قد يمتد إلى فئات أخرى من المجتمع، وليس فقط إلى المهاجرين.
كما وثّقت منظمات أهلية عشرات المواجهات بين السكان وقوات الحرس الوطني، ونشرت تسجيلات مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس حجم التوتر الذي خلفه الانتشار العسكري.
حلول مجتمعية بدلا من العسكرة
يقدم ناشطون ومسؤولون في مؤسسات المجتمع المدني بالولايات المتحدة رؤية مختلفة لمعالجة الجريمة، ويؤكد داريوس باكستر، المسؤول في منظمة جود بروجكتس دي سي، أن قوات الحرس الوطني لا تنتشر غالبا في المناطق الأكثر تضررا من العنف، بل تتركز في مواقع تجارية وسياحية، بينما تحتاج الأحياء الفقيرة إلى برامج اجتماعية وشبابية أكثر من حاجتها إلى الدوريات العسكرية.
ويضيف أن فرق منظمته تعتمد على التواصل المباشر مع الشباب المعرضين لخطر الانخراط في الجريمة أو الوقوع ضحايا لها، وتعمل على ربطهم ببرامج التعليم والتدريب والدعم الاجتماعي.
ويرى باكستر أن معالجة الجريمة تبدأ من الاستثمار في التعليم وفرص العمل والرعاية الاجتماعية، وليس من خلال زيادة عدد الجنود في الشوارع.
جدل مستمر حول مستقبل العاصمة
يبدو أن الخلاف حول وجود الحرس الوطني في واشنطن لن ينتهي قريبا، خاصة بعد قرار تمديد الانتشار حتى نهاية ولاية الرئيس ترامب.
وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الأمن يمثل الأولوية القصوى، يواصل معارضو الخطة التحذير من تداعياتها على الحريات المدنية وطبيعة العاصمة التي تضم مؤسسات الحكم الفيدرالي وتستقبل ملايين الزوار سنويا.
ويرى مراقبون أن التجربة الحالية تمثل اختبارا مهما للعلاقة بين السلطة الفيدرالية والإدارة المحلية، كما تفتح نقاشا أوسع حول حدود استخدام القوات العسكرية في المدن الأمريكية، ومدى قدرة السياسات الأمنية وحدها على معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالجريمة.
يختلف وضع واشنطن عن بقية الولايات الأمريكية، إذ تخضع العاصمة لإدارة خاصة ينظمها الدستور الأمريكي وقانون الحكم الذاتي الصادر عام 1973، ولا تمتلك حكومة العاصمة السيطرة الكاملة على الحرس الوطني، إذ يحتفظ الرئيس الأمريكي بسلطة استدعائه ونشره داخل المدينة، بخلاف حكام الولايات الذين يشرفون على قوات الحرس الوطني التابعة لولاياتهم.
وشهدت واشنطن في محطات مختلفة انتشارا للقوات الفيدرالية، أبرزها خلال اضطرابات عام 1968، واحتجاجات عام 2020، وأحداث اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، إلا أن الانتشار الحالي يعد من أطول عمليات الوجود العسكري المستمر في العاصمة، وهو ما جعله محورا لنقاش سياسي وحقوقي واسع داخل الولايات المتحدة حول التوازن بين متطلبات الأمن والحفاظ على الحريات المدنية.

