منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأمم المتحدة: 2025 شهد أعلى حصيلة لانتهاكات الأطفال في النزاعات خلال ثلاثة عقود

18 يونيو 2026
تداعيات الحروب والنزاعات على الأطفال
تداعيات الحروب والنزاعات على الأطفال

كشف تقرير الأمم المتحدة السنوي المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة عن تسجيل عام 2025 أعلى عدد من الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال منذ إنشاء آلية الرصد الأممية قبل ثلاثين عاما، في مؤشر مقلق يعكس التدهور المتواصل في أوضاع الطفولة داخل مناطق الصراع حول العالم.

وثّق التقرير 38 ألفا و558 انتهاكا جسيما استهدفت 24 ألفا و174 طفلا خلال عام 2025، بينما تعرض عدد كبير من الضحايا لأكثر من انتهاك في الوقت نفسه وفقا لما أورده موقع أخبار الأمم المتحدة.

كما أشار التقرير إلى أن الفتيات شكلن نحو ثلث إجمالي الأطفال المتضررين، في وقت وصفته الأمم المتحدة بأنه الأسوأ منذ بدء توثيق هذه الانتهاكات على المستوى الدولي.

تحول خطير في طبيعة الانتهاكات

وسجل التقرير للمرة الأولى تطورا لافتا تمثّل في تجاوز الانتهاكات المرتكبة من قبل القوات الحكومية وتلك التي ترتكبها الجماعات المسلحة غير الحكومية.

وشملت هذه الانتهاكات عمليات القتل والتشويه والهجمات على المدارس والمستشفيات، إضافة إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.

ويأتي هذا التحول في ظل تصاعد العمليات العسكرية في عدد من بؤر التوتر العالمية، إلى جانب التوسع في استخدام الأسلحة المتفجرة داخل المناطق المأهولة بالسكان، فضلا عن تنامي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف العسكري.

وفي هذا السياق، أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، فانيسا فريزر، أن عام 2025 يمثل أحد أكثر الأعوام قتامة في سجل حماية الأطفال منذ بدء عمليات الرصد الأممية، محذرة من أن مساهمة بعض الدول في معاناة الأطفال بدلا من حمايتهم تعكس تراجعا خطيرا في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

القتل والتشويه في الصدارة

وأظهر التقرير أن القتل والتشويه بقيا أكثر الانتهاكات انتشارا خلال العام الماضي، حيث قُتل 6266 طفلا وأصيب 7958 آخرون بإعاقات وإصابات خطيرة.

كما سجلت حالات القتل زيادة بنسبة 34 في المئة مقارنة بالفترات السابقة، فيما ارتفعت حالات التشويه بنسبة 10 في المئة.

وأشار التقرير إلى أن العديد من العمليات العسكرية تجاهلت مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين، الأمر الذي عرض الأطفال لمخاطر كان بالإمكان تجنبها لو جرى الالتزام بالقانون الدولي.

ورصدت الأمم المتحدة أعلى معدلات الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا، وميانمار، والصومال، حيث شهدت هذه المناطق مستويات مرتفعة من العنف المسلح وانعدام الأمن.

العنف الجنسي ومنع الإغاثة

وجاء منع وصول المساعدات الإنسانية في المرتبة الثانية بين أكثر الانتهاكات المسجلة، مع توثيق 8322 حادثة حرمت آلاف الأطفال وأسرهم من الخدمات الأساسية والغذاء والرعاية الصحية.

كما وثّق التقرير تجنيد واستخدام 6607 أطفال في الأعمال القتالية، إضافة إلى اختطاف 5129 طفلا، غالبا بهدف الزج بهم في النزاعات المسلحة أو استغلالهم في أعمال مرتبطة بالعنف الجنسي.

وفي الوقت ذاته، استمرت جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الأطفال بوتيرة مقلقة، مع تسجيل زيادة في حالات الاغتصاب الجماعي التي استخدمت في بعض النزاعات كوسيلة من وسائل الحرب والترهيب.

كما حذّر التقرير من استمرار خطر الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة التي تواصل حصد أرواح الأطفال أو التسبب بإصابات دائمة حتى بعد انتهاء النزاعات، مخلفة آثارا نفسية واجتماعية وتعليمية طويلة الأمد على الناجين.

إعادة الإدماج وبناء المستقبل

وسلّط التقرير الضوء على أوضاع الأطفال المرتبطين بأطراف النزاع، موضحا أن 1667 طفلا تعرضوا للاحتجاز خلال العام الماضي بسبب ارتباطهم الفعلي أو المزعوم بجماعات أو قوات مسلحة.

وأكدت فانيسا فريزر ضرورة التعامل مع هؤلاء الأطفال بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية والدعم، لا كجناة، مشددة على أن الاحتجاز يجب أن يكون الملاذ الأخير فقط. كما اعتبرت أن برامج إعادة الإدماج تمثل خطوة أساسية لإعادة بناء مستقبل الأطفال والمجتمعات المتضررة من الحروب.

وأشادت الأمم المتحدة بالدعم الذي تلقاه أكثر من 13 ألف طفل كانوا مرتبطين سابقا بقوات أو جماعات مسلحة، حيث استفادوا من برامج الحماية وإعادة الإدماج خلال العام الماضي، إلى جانب التوصل إلى عشرات الالتزامات والاتفاقات مع أطراف النزاع في عدد من الدول، بهدف حماية الأطفال ومنع تجنيدهم وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

التزام دولي مطلوب

وفي الذكرى الثلاثين لإنشاء ولاية الأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، شددت المنظمة الدولية على أن حجم الانتهاكات المسجل خلال عام 2025 يتطلب تحركا دوليا عاجلا وأكثر فاعلية لحماية الأطفال في مناطق النزاع.

وأكدت فريزر أن حماية الأطفال ليست هدفا نظريا أو طموحا مستقبليا، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تستوجب إجراءات ملموسة ومستدامة من المجتمع الدولي، داعية جميع أطراف النزاع إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وسريع ودون عوائق إلى المحتاجين.

أنشأت الأمم المتحدة ولاية الأطفال والنزاعات المسلحة عام 1996 بهدف رصد الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأطفال في مناطق الحروب والصراعات المسلحة حول العالم. وتغطي آلية الرصد ستة انتهاكات رئيسية تشمل القتل والتشويه، والتجنيد والاستخدام العسكري، والاختطاف، والعنف الجنسي، والهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية أسهمت هذه الآلية في توثيق الانتهاكات والضغط على أطراف النزاع لاتخاذ تدابير لحماية الأطفال، كما ساعدت في الإفراج عن آلاف الأطفال المجندين وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم. إلا أن تصاعد النزاعات وتعقدها خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادة غير مسبوقة في حجم الانتهاكات، ما جعل حماية الأطفال إحدى أكثر القضايا الإنسانية إلحاحا على أجندة المجتمع الدولي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print