في الساعات الأولى من صباح أحد أيام يونيو 2026، استيقظت ولاية زامفارا شمال غربي نيجيريا على حادثة اختطاف جديدة بعدما داهم مسلحون مسكناً للطلاب خارج الحرم المدرسي في منطقة كاورا نامودا واختطفوا سبعة طلاب، قبل أن يتمكن أحدهم من الفرار، وأكد المتحدث باسم الشرطة النيجيرية يزيد أبو بكر أن عمليات البحث والإنقاذ لا تزال جارية لتحرير الطلاب الستة الآخرين، وبدت الحادثة، للوهلة الأولى، امتداداً لسلسلة طويلة من عمليات الخطف التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في أجزاء واسعة من البلاد، لكنها في الواقع تعكس أزمة إنسانية وأمنية عميقة باتت تهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال والشباب في أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان.
أزمة تتجاوز الأبعاد الأمنية
وفق منظمة العفو الدولية في نيجيريا، فإن البلاد تواجه تصاعداً خطيراً في عمليات الاختطاف الجماعي التي تستهدف القرى والمدارس والنازحين داخلياً، حيث تم تسجيل ما لا يقل عن 1100 حالة اختطاف خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 فقط، وأكد مدير منظمة العفو الدولية في نيجيريا عيسى سنوسي أن المختطفين يتعرضون في كثير من الحالات للتعذيب والتجويع والعنف الجنسي والإجبار على مشاهدة أو ارتكاب انتهاكات ضد الآخرين، ما يجعل الأزمة تتجاوز بُعدها الأمني لتتحول إلى أزمة حقوق إنسان واسعة النطاق.
تمثل عملية اختطاف 276 تلميذة من مدرسة شيبوك بولاية بورنو في أبريل 2014 نقطة التحول الأبرز في تاريخ الأزمة، فبحسب منظمة العفو الدولية، لم تتوقف عمليات الخطف الجماعي للطلاب بعد تلك الحادثة، بل توسّعت وتحوّلت إلى نمط متكرر استهدف المدارس في ولايات عدة، وتشير المنظمة إلى توثيق ما لا يقل عن 15 عملية اختطاف جماعي للطلاب منذ عام 2014، فيما تؤكد بيانات إعلامية وحقوقية أن ما لا يقل عن 1900 طالب وطالبة تعرضوا للاختطاف من نحو 20 مدرسة خلال العقد الماضي.
اقتصاد الجريمة والفدية
توضح البيانات الصادرة عن مؤسسة إس بي إم إنتليجنس النيجيرية المتخصصة في الدراسات الأمنية أن جرائم الخطف في نيجيريا تحوّلت إلى نشاط اقتصادي منظم، فقد سجلت المؤسسة 4722 حالة اختطاف خلال الفترة بين يوليو 2024 ويونيو 2025، موزعة على 997 حادثة منفصلة، بينما قُتل 762 شخصاً في سياق هذه الهجمات، كما طالبت الجماعات المسلحة بفديات تجاوزت 48 مليار نايرا نيجيرية، (ما يعادل نحو 30 مليون دولار أمريكي)، في حين دفعت الأسر والمجتمعات المحلية ما لا يقل عن 2.57 مليار نايرا، (ما يقارب نحو 1.6 مليون دولار أمريكي)، لتحرير أقاربها، وتشير هذه الأرقام إلى أن الفدية أصبحت أحد أهم مصادر تمويل الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية في البلاد، ما حوّل عمليات الخطف من جرائم متفرقة إلى اقتصاد موازٍ قائم على الابتزاز والعنف واستهداف الفئات الأكثر هشاشة.
تتركز النسبة الأكبر من عمليات الخطف في الولايات الشمالية الغربية، وعلى رأسها زامفارا وكادونا وكاتسينا وسوكوتو.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن العديد من المجتمعات الريفية تعيش تحت تهديد دائم من العصابات المسلحة التي تهاجم القرى وتحرق المنازل وتختطف السكان مقابل الفدية، كما أكدت المنظمة أن بعض الحوادث شملت اختطاف مئات الأشخاص دفعة واحدة، بما في ذلك نساء وأطفال ومسنون.
جيل مهدد بالحرمان من التعليم
أصبحت المؤسسات التعليمية من أكثر الأهداف هشاشة في نيجيريا، ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، فإن عمليات اختطاف الطلاب والمعلمين تمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الطفل واعتداءً مباشراً على الحق في التعليم، وفي نوفمبر 2025 تعرّضت مدرسة للبنات في ولاية كيبي لهجوم أدى إلى اختطاف أكثر من 25 طالبة، بينما شهدت ولاية النيجر بعد أيام عملية اختطاف جماعي طالت مئات الطلاب والمعلمين من مدرسة كاثوليكية.
تكشف منظمة العفو الدولية عن جانب آخر أكثر خطورة يتمثل في الانعكاسات التعليمية للأزمة.. فقد أدى تصاعد الهجمات إلى إغلاق 20468 مدرسة في سبع ولايات شمالية بعد موجة الاختطافات الأخيرة، وترى المنظمة أن استمرار استهداف المدارس يهدد بحرمان جيل كامل من الأطفال من حقه في التعليم، ويقوض سنوات من الجهود الرامية إلى رفع معدلات الالتحاق بالمدارس في المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً.
تشير بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن نيجيريا تضم واحدة من أكبر مجموعات الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في العالم.
وترتبط أزمة الخطف بصورة مباشرة بهذا الواقع، إذ تؤكد منظمة العفو الدولية أن الخوف من الاختطاف يدفع آلاف الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل، بينما تلجأ بعض العائلات إلى تزويج الفتيات في سن مبكرة اعتقاداً بأن ذلك يوفر لهن الحماية من خطر الاختطاف أثناء الذهاب إلى المدارس.
النساء والفتيات في دائرة الخطر
تمثل الفتيات إحدى أكثر الفئات عرضة للانتهاكات خلال عمليات الاختطاف، فبحسب منظمة العفو الدولية وتقارير سابقة للأمم المتحدة، تعرضت فتيات مختطفات في حوادث متعددة للعنف الجنسي والزواج القسري وسوء المعاملة، كما تواجه الناجيات بعد الإفراج عنهن تحديات اجتماعية ونفسية معقدة تشمل الوصمة المجتمعية وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية والتعليم.
لا تنتهي معاناة الضحايا عند لحظة الإفراج عنهم؛ فوفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” فإن الأطفال الذين يتعرضون للاختطاف أو يشهدون أعمال العنف يواجهون مخاطر مرتفعة للإصابة باضطرابات نفسية طويلة الأمد، تشمل القلق المزمن واضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والخوف من العودة إلى المدارس، كما تتأثر أسرهم ومجتمعاتهم المحلية بحالة مستمرة من التوتر وانعدام الثقة بالمستقبل.
أزمة نزوح متفاقمة
ترتبط عمليات الخطف ارتباطاً وثيقاً بحركة النزوح الداخلي في شمال نيجيريا، فبحسب منظمة العفو الدولية، أجبرت الهجمات المتكررة آلاف الأسر على مغادرة قراها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، وتؤدي هذه التنقلات القسرية إلى تفاقم الفقر وتعطيل التعليم وتقليص فرص الحصول على الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية والمياه والغذاء.
ووجهت منظمة العفو الدولية انتقادات متكررة للسلطات النيجيرية بسبب ما وصفته بالإخفاق المستمر في حماية المدارس والمجتمعات الريفية، وأكدت المنظمة أن غياب المساءلة عن كثير من الجرائم السابقة شجع العصابات المسلحة على مواصلة نشاطها. كما طالبت بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع حوادث الاختطاف الجماعي منذ عام 2014 وضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
موقف الأمم المتحدة
شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” على أن المدارس يجب أن تبقى أماكن آمنة للتعلم، وأن الأطفال لا يجوز أن يكونوا أهدافاً للعنف تحت أي ظرف، ودعت المنظمة إلى الإفراج الفوري والآمن عن جميع الطلاب والمعلمين المختطفين، مؤكدة أن استهداف المؤسسات التعليمية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللالتزامات الدولية التي تعهدت بها نيجيريا.
تخالف عمليات اختطاف الأطفال واستهداف المدارس جملة من الالتزامات الدولية التي صادقت عليها نيجيريا، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل والميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل، كما تؤكد منظمة العفو الدولية أن السلطات النيجيرية تتحمل مسؤولية قانونية في ضمان الحق في التعليم والحماية من العنف وتأمين سبل الانتصاف للضحايا وعائلاتهم.
دائرة العنف المغلقة
تكشف الأزمة عن حلقة مترابطة من الفقر والعنف وانعدام الأمن، فالعصابات تستغل ضعف التنمية وغياب الفرص الاقتصادية لتجنيد عناصر جديدة، بينما تؤدي عمليات الخطف إلى تعطيل التعليم وتوسيع دائرة الفقر والنزوح. ومع كل مدرسة تغلق أبوابها وكل طفل ينقطع عن الدراسة، تتعمق الأسباب التي تسمح باستمرار الأزمة.
وبعد أكثر من عقد على اختطاف تلميذات شيبوك، لا تزال نيجيريا تواجه واحدة من أعقد أزمات حماية الأطفال في إفريقيا، وبينما تتواصل عمليات الخطف من زامفارا إلى كادونا ومن كيبي إلى النيجر، تبدو القضية أبعد من كونها ملفاً أمنياً أو جنائياً، إنها أزمة تمس الحق في الحياة والتعليم والأمان والتنمية في آن واحد، وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية أن إنهاء هذه المأساة يتطلب أكثر من العمليات العسكرية، عبر بناء منظومة متكاملة لحماية المدارس، وتعزيز سيادة القانون، ومحاسبة الجناة، والاستثمار في التعليم والتنمية المحلية، وحتى يتحقق ذلك، سيظل ملايين الأطفال في شمال نيجيريا يعيشون تحت ظل الخوف من أن يتحول طريقهم إلى المدرسة في أي لحظة إلى طريق نحو المجهول.

