منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

استراتيجية أمريكية جديدة تضع “الإخوان” على خط واحد مع التنظيمات المتطرفة

08 مايو 2026
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تطرح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب التي أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحولاً لافتاً في طريقة تعريف واشنطن للتهديدات الإرهابية، فبينما ظلت مكافحة الإرهاب الأمريكية، منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، مركزة بصورة أساسية على القاعدة وداعش وفروعهما، تعيد الوثيقة الجديدة ترتيب الأولويات لتضع الكارتلات وشبكات الجريمة العابرة للحدود في نصف الكرة الغربي في المقدمة، ثم التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، ثم ما تسميه الإدارة “التطرف اليساري العنيف” داخلياً.

لكن النقطة الأكثر حساسية في الوثيقة هي إدراج جماعة الإخوان ضمن تصور أوسع للتهديدات المرتبطة بالإرهاب، ليس فقط باعتبار بعض فروعها متهمة بدعم جماعات مسلحة، بل باعتبارها، وفق خطاب الإدارة، جزءاً من البنية الفكرية والمالية التي تغذي الحركات الجهادية العابرة للحدود.

ويعد إدراج الجماعة بأنه “تحول رسمي” في المقاربة الأمريكية تجاه تنظيم ظل لعقود محل انقسام داخل المؤسسات الأمريكية بين من يراه حركة سياسية ذات امتدادات اجتماعية، ومن يراه مظلة فكرية خرجت منها جماعات عنف حديثة.

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

الوثيقة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض تحمل عنوان 2026 United States Counterterrorism Strategy، وتتكون من 16 صفحة، وهي تقدم مكافحة الإرهاب باعتبارها جزءاً أساسياً من مهمة الأمن القومي، لكنها تنقل مركز الثقل من الشرق الأوسط وحده إلى “حماية الوطن الأمريكي” من تهديدات أقرب جغرافياً وسياسياً، خصوصاً الكارتلات وشبكات تهريب المخدرات والبشر.

وتحدد الاستراتيجية ثلاثة أنواع رئيسية من التهديدات.. إرهاب المخدرات والعصابات العابرة للحدود، والإرهاب الإسلامي التقليدي، والتطرف اليساري العنيف، ومنه الأناركيون ومناهضو الفاشية.

وتؤكد أن أولوية واشنطن الأولى هي “تحييد التهديدات الإرهابية في نصف الكرة الغربي” عبر شل عمليات الكارتلات، ثم استهداف أبرز الجماعات الإسلامية المسلحة القادرة على تنفيذ عمليات خارجية ضد الولايات المتحدة، وفي مقدمتها القاعدة، خصوصاً فرعها في اليمن، وداعش، وتحديداً داعش خراسان.

وفي موضع مباشر من الوثيقة، تربط الإدارة بين تصنيف الإخوان المسلمين وبين الضغط على “الحركة الجهادية العالمية”، إذ تقول إنه مع تصنيف الجماعة ستواصل واشنطن الضغط حتى تعجز “المؤسسات العالمية للإخوان” عن التجنيد وتمويل الإرهاب ضد الولايات المتحدة.

تسلسل القرارات الأمريكية

لم يبدأ التحول مع وثيقة مايو 2026، ففي 24 نوفمبر 2025، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يطلق مساراً لمراجعة تصنيف “فروع أو أقسام” معينة من جماعة الإخوان منظمات إرهابية أجنبية وكيانات إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص.

وحدد الأمر فروعاً في لبنان والأردن ومصر ضمن نطاق المراجعة، وألزم وزارتي الخارجية والخزانة، بالتشاور مع وزارة العدل ومدير الاستخبارات الوطنية، بتقديم تقرير خلال 30 يوماً، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة خلال 45 يوماً من تقديم التقرير.

وفي 13 يناير 2026 انتقلت الإدارة من مرحلة المراجعة إلى التنفيذ، أعلنت وزارة الخزانة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، تصنيف الفرعين المصري والأردني للإخوان كيانين إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص SDGT بسبب ما قالت إنه دعم مادي لحماس.

وفي الوقت نفسه، صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني المعروف باسم الجماعة الإسلامية منظمة إرهابية أجنبية FTO وكياناً إرهابياً عالمياً، كما صنفت أمينه العام محمد فوزي طقوش فرداً إرهابياً عالمياً.

وتترتب على هذه التصنيفات آثار قانونية ومالية واسعة.. تجميد الممتلكات والمصالح الواقعة داخل الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، وحظر المعاملات، وفرض مخاطر عقوبات على المؤسسات المالية أو الأشخاص الذين يتعاملون مع الكيانات المصنفة.

الموقف الرسمي الأمريكي

تقدم الإدارة الأمريكية الخطوة باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لحرمان الجماعات المصنفة من التمويل والتجنيد والغطاء المؤسسي، وزارة الخزانة قالت إن فروعاً من الإخوان “تزعم أنها منظمات مدنية مشروعة”، في حين تدعم، بحسب اتهامها، جماعات مثل حماس.

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن واشنطن ستعمل على قطع هذه الفروع عن النظام المالي، في حين اعتبر مسؤول الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون هيرلي أن الجماعة “ألهمت ورعت ومولت” جماعات مثل حماس.

كما تؤكد الاستراتيجية أن أدوات المواجهة لن تكون عسكرية فقط، بل تشمل التصنيفات القانونية، العقوبات، العمليات السيبرانية، العمل الاستخباراتي، التعاون مع الحلفاء، واستهداف شبكات التمويل والتجنيد.

الوثيقة الرسمية تلخص أهدافها في ثلاث وظائف، هي تحديد الفاعلين والمخططات قبل وقوعها، قطع التمويل والتجنيد والسلاح، ثم تدمير الجماعات ذات التهديد الثابت.

البعد الداخلي في الولايات المتحدة

داخلياً، لا يمكن فصل الاستراتيجية عن المناخ السياسي الأمريكي، حيث تحمل الاستراتيجية أبعاداً سياسية مع اقتراب الانتخابات النصفية وتصاعد خطاب المحافظين حول الهجرة والأمن والهوية، كما تربط بين عودة ترامب إلى البيت الأبيض وإحياء طرح قديم لتصنيف الإخوان، بدعم من فريق أمني أكثر تشدداً يقوده سيباستيان غوركا.

هذا البعد يظهر أيضاً في انتقال بعض الولايات الجمهورية إلى اتخاذ إجراءات موازية أو أشد رمزية، ففي نوفمبر 2025 صنف حاكم تكساس غريغ أبوت جماعة الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR “منظمتين إرهابيتين أجنبيتين” و“منظمتين إجراميتين عابرتين للحدود”، رغم أن سلطة التصنيف الإرهابي الأجنبي اتحادية بالأساس.

ثم اتخذت فلوريدا خطوة مشابهة في ديسمبر 2025 ضد CAIR والإخوان، ووصفت صحيفة الغارديان أمر فلوريدا بأنه “مشكيك قانونياً”، مشيرة إلى أن الحكومة الفيدرالية وحدها تملك صلاحية التصنيف الرسمي للمنظمات الإرهابية الأجنبية.

وفي مارس 2026 أوقف قاضٍ فيدرالي تنفيذ أمر فلوريدا مؤقتاً، معتبراً أن التعديل الأول للدستور يمنع الحاكم من استخدام منصبه التنفيذي لإصدار موقف سياسي على حساب الحقوق الدستورية للآخرين.

وقالت وكالة أسوشيتد برس إن الدعوى التي أقامتها CAIR ومنظمات حقوقية اعتبرت أن الحاكم تجاوز السلطة الحصرية للحكومة الفيدرالية في تحديد التنظيمات الإرهابية.

الخلط بين السياسة والإرهاب

تتركز الاعتراضات الحقوقية على ثلاثة مخاوف رئيسية، الأول هو توسيع تعريف الإرهاب، ما قد يخلط بين النشاط السياسي أو الديني أو الخيري وبين الدعم الفعلي للعنف، وهناك مخاوف حقوقية من أن التصنيفات الواسعة قد تخلط بين النشاط السياسي والعمل المسلح، وقد تنعكس على الجاليات المسلمة والمؤسسات المدنية الإسلامية في الغرب.

أما الاعتراض الثاني فهو أثر التصنيف في المجتمع المدني الإسلامي؛ فشبكة Charity & Security Network، وهي منظمة أمريكية معنية بتأثير قوانين مكافحة الإرهاب في العمل الخيري والمدني، اعتبرت أن الهجمات على CAIR في أواخر 2025 وبدايات 2026 اعتمدت على “اتهامات غير مثبتة” وحرمت منظمات مدنية من ضمانات أساسية مثل الإخطار والإجراءات القانونية الواجبة.

كما قالت إن الخطاب المستخدم ضد CAIR يستهدف speech and association محميين دستورياً، ويستخدم مزاعم الإرهاب لملاحقة منظمة حقوقية مسلمة.

والاعتراض الثالث، هو خطر الإسلاموفوبيا والوصم الجماعي، في سياق أوامر تكساس وفلوريدا، نفت CAIR صلاتها بحماس أو بالإخوان، ووصفت تلك القرارات بأنها تشهيرية وغير دستورية وتستهدف إسكات أمريكيين مسلمين ينتقدون السياسات الإسرائيلية أو يدافعون عن حقوق الفلسطينيين.

كما نقلت الغارديان عن CAIR قولها إن المنظمة عملت لعقود على الدفاع عن حرية التعبير والحرية الدينية والعدالة للجميع.

الموقف الأممي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب السابقة، فيونوالا ني آولين، أكدت أن أي إجراءات لمكافحة الإرهاب يجب أن تكون متوافقة مع حقوق الإنسان وسيادة القانون، وأن ذلك شرط مسبق لفعالية هذه الإجراءات على المدى الطويل.

وحذر آولين، في ورقة أممية قدمتها في 2023، من أن نظم العقوبات الإرهابية، إذا افتقرت إلى الضمانات، قد تخلق انتهاكات واسعة وتمس حقوق الأفراد والكيانات، خصوصًا عندما تكون الإجراءات مبنية على معلومات سرية أو مراجعة قضائية محدودة.

وتشير إلى أن التصنيفات الإرهابية يجب أن تقوم على إجراءات قانونية عادلة وخاضعة للمساءلة، وأن غياب تلك الضمانات قد ينتهك قرينة البراءة بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما تحذر من أن التعريفات الواسعة أو الغامضة للإرهاب هي أحد أبرز العوائق أمام نظام عقوبات متوافق مع حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وبهذا المعنى، فإن الموقف الأممي لا يرفض مكافحة الإرهاب أو العقوبات من حيث المبدأ، لكنه يشترط الوضوح القانوني، التناسب، الضرورة، المراجعة المستقلة، حق الطعن، وعدم تجريم العمل الإنساني أو المدني المشروع.

المواقف الدولية والإقليمية

إقليميًا، رحبت مصر بالتصنيفات الأمريكية في يناير 2026، واعتبرتها، بحسب ما نقلته رويترز، اعترافًا مهمًا بما تصفه القاهرة بأيديولوجية الإخوان المتطرفة وخطرها على الاستقرار الإقليمي والدولي.

أما فروع الجماعة المستهدفة، فقد نفت، بحسب وكالة أسوشيتد برس، الانخراط في الإرهاب ووصفت نفسها ككيانات سياسية أو اجتماعية قانونية، في حين لاحظ باحثون أن الخطوة قد تكون لها آثار على العلاقات الدولية وسياسات الهجرة والعقوبات.

أوروبيًا، لا تزال الصورة أكثر تعقيدًا، بعض الحكومات الأوروبية، خصوصًا فرنسا والنمسا، شددت رقابتها على ما تسميه “الإسلام السياسي” أو “الانفصالية”، لكن الاتحاد الأوروبي لم يتبنَّ تصنيفًا شاملًا للإخوان كمنظمة إرهابية.

ولذلك قد تجد واشنطن صعوبة في تحويل الاستراتيجية إلى إجماع غربي كامل، خصوصًا إذا اعتبرت بعض الدول أن الفروع السياسية أو الاجتماعية للجماعة تختلف قانونيًا عن التنظيمات المسلحة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية