منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ابني محمد ذو الأعوام التسعة الذي قتله جنود الاحتلال الإسرائيلي.. ليس مجرد رقم آخر

06 يوليو 2026
عالية الحلاق بجوار صورة لابنها الراحل محمد (تسعة أعوام)، الذي قتله الجيش الإسرائيلي في أكتوبر الماضي
عالية الحلاق بجوار صورة لابنها الراحل محمد (تسعة أعوام)، الذي قتله الجيش الإسرائيلي في أكتوبر الماضي

علياء عبد المجيد الحلاق*

أنا أم لخمسة أطفال. ابنتي الكبرى، ميس، تبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، وأصغر أبنائي، إلياس، يبلغ خمس سنوات. وبينهما كان ابني الحبيب محمد الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره.

كنت أعلم دائماً أن الحياة تحت الاحتلال تقوم على العنف والإذلال والخوف. ولا تحتاج أي أم فلسطينية إلى من يشرح لها هذه الحقيقة، ومع ذلك، كنت أحاول أن أحمي أطفالي من ثقلها الكامل. كنت أقنع نفسي بأن الفقر الذي نعيشه هو أقسى ما يمكن أن نواجهه، وأن الصبر سيحملنا إلى أيام فضلى، وأن أطفالنا، رغم كل شيء، ما زال بإمكانهم أن يكبروا سعداء.

لكن في السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، اليوم الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي محمد، سُلب مني حتى هذا الإيمان الهش، عندها أدركت أن الاحتلال لا يسلب الأرض أو الحرية أو الكرامة فحسب، بل ينتزع شيئاً أكثر عمقاً: يقين الأم بأن طفلها سيعود إلى المنزل. إنه يحول كل أم فلسطينية إلى امرأة تعيش كل لحظة وهي تترقب الفقد.

قبل استشهاد محمد، كانت حياتنا تدور حول محاولة حماية أسرتنا وتأمين لقمة العيش لأطفالنا. كان زوجي، بهجت، يعمل في متجر كبير بعيداً عن المنزل، مقابل أجر لا يتجاوز عشرات الشواكل يومياً. ولم يكن يعود إلينا إلا في عطلات نهاية الأسبوع، حاملاً ما يتبقى من راتبه بعد دفع تكاليف الطعام والسكن.

أما أنا، فكنت أعد الحلويات المنزلية وأبيعها، لأخفف بها جوع أطفالي. وبرغم قسوة الحياة، كانوا ما يزالون صغاراً على فهم معنى الظلم أو قسوة الدنيا.

ذات يوم عاد محمد من المدرسة وهو يغمره الفرح، لأنه حصل على حقيبة مدرسية جديدة من منظمة اليونيسف. امتلأ البيت بضحكاته، وشاركه إخوته فرحته. يومها أدركت كيف يمكن لشيء بسيط، كحقيبة مدرسية جديدة، أن يملأ قلب طفل بالسعادة.

كان محمد يعشق كرة القدم. استأذنني أن يذهب ليلعب مع أصدقائه في ملعب المدرسة القريب، فأذنت له.

كانت تلك آخر مرة أراه فيها حياً.

بعد ذلك خرجت مع والدي وأطفالي الآخرين إلى أحد المتاجر. رن هاتف والدي، ومن دون تفكير التقطته. شيء في داخلي أخبرني أن المكالمة لي. سألني الرجل على الطرف الآخر عن محمد، وما إن علم أنني والدته حتى أغلق الخط.

في تلك اللحظة أدركت أن مكروهاً قد وقع.

بعد دقائق، رأيت مقطع فيديو عبر تطبيق “واتساب”. كان شبان يحملون محمد والدماء تنزف من جسده، وقد تحول زيه المدرسي الأزرق إلى اللون الأحمر.

انهرت.

وعندما فتحت عيني، كنت في المستشفى. في البداية قالوا إن إصاباته طفيفة، ثم أخبروني بأنه دخل غرفة العمليات.

وبعد لحظات خرج الجراح، وسمعت تكبيرات “الله أكبر” ممزوجة ببكاء الناس.

أما ما أتذكره بعد ذلك، فهو أنني استيقظت في منزلنا على صرخات زوجي المكلوم، في حين كان الشبان يعيدون جثمان محمد.

كان يبدو هادئاً… كأنه نائم فقط.

لاحقاً أخبرني شهود العيان بما جرى.

كان جنود الاحتلال قد اقتحموا القرية، وعندما اقتربوا من ملعب المدرسة أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع. فرّ محمد وأصدقاؤه، لكنه توقف بعد نحو مئة متر، ووقف مكتوف الذراعين.

عندها أطلق أحد الجنود النار عليه، فأصابه في منطقة الحوض.

لم يكن قد فعل شيئاً.

وحتى اليوم، لا أستطيع أن أفهم لماذا ضغط ذلك الجندي على الزناد. هل كان هناك سبب أصلاً؟ أم إن كونه طفلاً فلسطينياً كان سبباً كافياً في نظره؟

ويؤكد الشهود أن الجنود، حتى بعد إصابة محمد ونزفه بغزارة، واصلوا إطلاق النار، ومنعوا كل من حاول الوصول إليه أو إسعافه ونقله إلى مكان آمن.

أمضيت شهوراً أبحث عن تفسير.

واليوم لم أعد أؤمن بوجود تفسير.

لم يبقَ سوى سؤال يلاحقني كل يوم: كيف يمكن لأم أن تضطر إلى السؤال عن سبب إطلاق جندي النار على طفلها ذي الأعوام التسعة؟

في البداية تظن أن مأساتك لا تشبه أي مأساة أخرى.

ثم تكتشف أن عائلتك أصبحت مجرد اسم جديد في قائمة تكبر باستمرار.

أمهات كثيرات يحملن في ذاكرتهن اللحظة التي انقسمت عندها حياتهن إلى ما قبل وما بعد.

أما أنا، فقد وجدت نفسي واحدة من بين أربع وخمسين عائلة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة فقدت أطفالها برصاص إسرائيل خلال عام 2025 وحده.

عندما يحدث الأمر مرة واحدة، يمكن أن نسميه مأساة.

لكن عندما يتكرر بهذا الشكل، يصبح السؤال: ما الذي يسمح باستمراره؟

كيف يمكن أن يُقتل هذا العدد من الأطفال الفلسطينيين، ولا يُحاسب أحد؟

فحتى اليوم، لم يُوجَّه الاتهام إلى أي جندي بسبب قتل ابني الذي خرج فقط ليلعب كرة القدم.

اليوم أفهم الاحتلال بطريقة مختلفة.

نعم، كان هناك جندي ضغط على الزناد وقتل محمد.

لكن هناك أيضاً منظومة كاملة تحمي المسؤولين، وتخفي الحقيقة، ونادراً ما تحاسب أحداً.

وهناك أيضاً عالم اختار الصمت.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يفعل العالم شيئاً ليمنع إسرائيل من قتل أكثر من 21 ألفاً و500 طفل وفتى فلسطيني في غزة.

كما وقف متفرجاً عندما قتلت إسرائيل 248 قاصراً فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة خلال الفترة نفسها.

ولم يمنع العالم مقتل ابني.

ولم يضمن أيضاً محاسبة إسرائيل على أفعالها.

منذ استشهاد محمد، تبدلت حياتنا بالكامل.

كل يوم أصبح معركة جديدة من أجل البقاء.

فقد زوجي عمله، وما زال يعاني آثار الصدمة النفسية.

أما أنا، فأعيش بين قبر محمد، وصورته، وحقيبته المدرسية الجديدة التي لا تزال معلقة على جدار غرفته.

امتزج الفقر والجوع بحزن لا يحتمل، وبألم يفوق الوصف.

وكل يوم أحاول أن أخفي دموعي عن أطفالي، وأن أخفي ذلك الخوف الذي استقر داخلي، وإحساسي بأن الأمان اختفى إلى الأبد، والأسئلة التي لا تجد جواباً.

أكتب هذه الكلمات لأنني أرفض أن يتحول محمد إلى مجرد رقم آخر.

أريد للناس أن يتذكروا أنه كان طفلاً في الصف الرابع الابتدائي.

كان يحب كرة القدم.

وكان يحب أن يمسك الطيور، لا ليؤذيها، بل ليطلقها حرة.

وكان يحلم بأن يصبح طبيباً، حتى يناديه الجميع ذات يوم: “الدكتور محمد”.

أريدهم أن يتذكروا أنه عاد إلى المنزل يوماً مفعماً بالسعادة لأنه حصل على حقيبة مدرسية جديدة، ثم خرج ليلعب كرة القدم… ولم يعد قط.

برحيل محمد، لم أفقد ابني فقط.

فقدت أيضاً إيماني بأن الطفولة وحدها قادرة على حماية الأطفال.

رصاصة واحدة أنهت أحلامه، وتركت خلفها أماً تسأل نفسها كل يوم:

كم طفلاً آخر يجب أن يموت قبل أن يدرك العالم أن الطفل الفلسطيني يستحق الحياة، تماماً كما يستحقها أي طفل آخر؟

نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print