يتعرض الأطفال في لبنان لموجة جديدة من المخاطر مع استمرار التصعيد العسكري رغم إعلان وقف إطلاق النار في منتصف أبريل 2026، فبدل أن يكون الاتفاق فرصة لعودة تدريجية إلى المدارس والمنازل والحياة الطبيعية، تحوّل بالنسبة لكثير من الأطفال إلى هدنة هشة لا تمنع الغارات ولا توقف النزوح ولا تحميهم من الخوف اليومي.
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، اليوم الخميس، أن ما لا يقل عن 59 طفلاً قُتلوا أو أُصيبوا في لبنان خلال الأيام السبعة الماضية وحدها، رغم سريان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ ليل 16 – 17 أبريل 2026.
وأوضحت المنظمة أن بين الضحايا طفلين من عائلة واحدة قُتلا مع والدتهما في ضربة استهدفت سيارة، في واقعة تعكس استمرار تعرض الأطفال للعنف المباشر حتى بعد إعلان التهدئة.
هدنة لا تحمي الأطفال
وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية التي نقلتها اليونيسف، قُتل 23 طفلاً وأُصيب 93 آخرون منذ بدء وقف إطلاق النار، لترتفع الحصيلة الإجمالية منذ 2 مارس 2026 إلى 200 طفل قتيل و806 أطفال جرحى.
وتقول اليونيسف إن ذلك يعادل ما يقارب 14 طفلاً يُقتلون أو يُصابون يومياً منذ اندلاع التصعيد الأخير.
هذه الأرقام تكشف أن الأزمة لم تعد مجرد استمرار محدود للعنف بعد وقف إطلاق النار، بل نمط متكرر من الانتهاكات التي تطول المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال، فالحصيلة المسجلة بعد الهدنة وحدها تشير إلى أن الأطفال ما زالوا في قلب الخطر، سواء داخل المنازل أو أثناء التنقل أو في مناطق يُفترض أن تكون بعيدة عن خطوط الاشتباك.
وشهدت الأيام الأخيرة تصعيداً جديداً في مناطق لبنانية عدة. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن ضربات إسرائيلية بطائرات مسيّرة استهدفت، يوم الأربعاء، عدة سيارات في لبنان، ما أدى إلى مقتل 12 شخصاً بينهم امرأة وطفلاها، وفق وزارة الصحة اللبنانية، ووقع بعض الضربات على طريق رئيسي جنوب بيروت، في حين طالت أخرى مناطق قرب صيدا وداخل جنوب لبنان.
وذكرت رويترز أن الضربات جاءت قبيل جولة جديدة من محادثات بوساطة أمريكية، وأن حصيلة القتلى في لبنان منذ بداية التصعيد في 2 مارس 2026 تجاوزت 2800 شخص، في حين نزح أكثر من 1.2 مليون شخص، وتشير هذه المعطيات إلى أن الوضع الأمني لا يزال قابلاً للانفجار، رغم المساعي الدبلوماسية.
وفي 9 مايو 2026 أفادت رويترز بأن غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية في جنوب لبنان قتلت ما لا يقل عن 7 أشخاص بينهم طفل، وأصابت 15 آخرين، في حين قال الجيش الإسرائيلي إن الضربة استهدفت عناصر من حزب الله وإنه يراجع سقوط ضحايا مدنيين.
صدمة نفسية واسعة
لا تتوقف آثار الحرب عند القتل والإصابة. فبحسب اليونيسف، يدفع استمرار العنف والنزوح أكثر من 770 ألف طفل في لبنان نحو اضطرابات نفسية مزمنة أو أعراض مرتبطة بالصدمة، بينها القلق، والكوابيس، واضطرابات النوم، والخوف الشديد، والحزن والاكتئاب.
وتشير تقارير محلية ناقلة عن اليونيسف إلى أن معدلات القلق بين الأطفال المتضررين بلغت نحو 72%، في حين وصلت مؤشرات الاكتئاب إلى 62%، وحتى عندما لا يصاب الطفل جسدياً، فإن تكرار سماع الانفجارات، وفقدان الأقارب، والنزوح، ومشاهدة الدمار، كلها عوامل يمكن أن تترك آثاراً طويلة المدى في النمو النفسي والسلوكي والتعليمي.
وقال المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إدوارد بيغبيدير، إن الأطفال “يُقتلون ويُصابون في وقت يفترض أن يعودوا فيه إلى الفصول الدراسية ويلعبوا مع أصدقائهم ويتعافوا من شهور الخوف والاضطراب”، محذراً من أن استمرار الهجمات والصدمة المتكررة قد يخلّف آثاراً مدى الحياة.
وأدى التصعيد إلى موجات نزوح واسعة أثرت في الأطفال بصورة خاصة. فالطفل النازح لا يفقد المنزل فقط، بل يفقد الروتين اليومي، والمدرسة، والرعاية الصحية، وشبكة الأمان العائلية والمجتمعية، كما تزداد مخاطر الانفصال الأسري، والعنف، والاستغلال، والتسرب من التعليم، خصوصاً في الملاجئ المكتظة أو المناطق التي تعاني أصلاً من نقص الخدمات.
وتؤكد اليونيسف في ملف الطوارئ الخاص بلبنان أن الحرب فاقمت سنوات من الأزمات التي كانت تضغط بالفعل على الأطفال والأسر، ومنها الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر، وبحسب المنظمة، فإن العنف لم يخلّف جروحاً جسدية فقط، بل ترك “ندوباً عاطفية عميقة” لدى الأطفال والمجتمعات الهشة.
حماية الأطفال أولاً
من منظور القانون الدولي الإنساني، يتمتع الأطفال بحماية خاصة في النزاعات المسلحة، ويجب على أطراف القتال التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتجنب إيقاع الأذى بالمدنيين، واستمرار سقوط الأطفال قتلى وجرحى بعد وقف إطلاق النار يطرح أسئلة جدية حول مدى احترام هذه الالتزامات، وحول فعالية آليات التهدئة والرقابة والمساءلة.
ودعت اليونيسف إلى تحرك عاجل لتوسيع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال، وضمان وصول المساعدات، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وتثبيت وقف إطلاق النار بشكل فعلي يحمي المدنيين.
وتشدد المنظمة على أن الاحتياجات الحالية تتجاوز الإمكانات المتاحة، خاصة مع تزايد الإصابات والنزوح والضغط على الأسر ومؤسسات الرعاية.
