منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة صحية ممتدة.. التهاب الكبد الوبائي يتوسع في سوريا

24 مايو 2026
سوريا
سوريا

في المخيمات المكتظة ومناطق النزوح، حيث تختلط هشاشة السكن بشحّ المياه وضعف خدمات الصرف الصحي وتراجع الرعاية الطبية، لا تظهر الأمراض المعدية في سوريا كأزمات صحية منفصلة، بل كنتاجٍ مباشرٍ لسنوات طويلة من تآكل البنية التحتية وانهيار منظومات الوقاية والعلاج.

وفي هذا السياق، يعود التهاب الكبد الوبائي ليكشف جانبًا من الأزمة الأوسع التي يعيشها المدنيون، خاصة في البيئات الأكثر هشاشة، حيث يصبح الحصول على مياه نظيفة أو تشخيص مبكر أو علاج مناسب تحديًا يوميًا.

ومع استمرار تداعيات الحرب اقتصاديًا وإنسانيًا، لم تعد الإصابة بالمرض مسألة طبية فقط، بل مؤشرًا على تراجع الحق في الصحة والمياه الآمنة والعيش الكريم.تصاعد الإصابات وتحذيرات من اتساع الأزمة.

وأعلنت وزارة الصحة السورية تسجيل 2207 إصابات بالتهاب الكبد الوبائي خلال شهر تشرين الأول 2025 فقط ، مع تصدّر محافظة درعا قائمة المحافظات الأكثر إصابة بـ434 حالة، أي ما يقارب 20% من إجمالي الإصابات المسجلة في البلاد.

وأكدت الوزارة أنها بدأت إجراءات مراقبة وتتبع للحالات بالتنسيق مع المخابر ومؤسسات المياه، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي تراجعا كبيرا في قدرته على الاستجابة للأوبئة، نتيجة نقص الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات الأساسية، إضافة إلى تضرر البنية التحتية للمشافي ومحطات المياه.

مخيمات النزوح في قلب الخطر

تحذّر منظمة الصحة العالمية من أن الظروف الإنسانية الحالية في سوريا تخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، وعلى رأسها التهاب الكبد الوبائي المرتبط بتلوث المياه وسوء خدمات الصرف الصحي.

وتوضح المنظمة أن المرض ينتقل بصورة رئيسية عبر المياه الملوثة وضعف النظافة العامة، وهي ظروف باتت منتشرة على نطاق واسع نتيجة الحرب والنزوح وتدهور الخدمات.

وفي المخيمات ومراكز الإيواء، تتضاعف خطورة العدوى بسبب الاكتظاظ ونقص المياه النظيفة وغياب الرقابة الصحية المنتظمة، فيما أثّر انقطاع الكهرباء ونقص الوقود بصورة مباشرة على تشغيل محطات ضخ المياه وأنظمة التعقيم.

نظام صحي يواجه الانهيار

بحسب تحليل الوضع الصحي الصادر عن منظمة الصحة العالمية في يوليو 2025، لا تزال سوريا تعيش واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في العالم، نتيجة استمرار النزاع والانهيار الاقتصادي وتكرار موجات النزوح وانتشار الأمراض المعدية.

وأشار التقرير إلى أن استمرار الاضطرابات الأمنية وصعوبة الوصول الإنساني يعيقان الاستجابة الصحية الفعالة في عدة مناطق سورية، بينما يؤدي ضعف برامج التلقيح والكشف المبكر إلى زيادة خطر انتشار الأمراض الفيروسية، خاصة مع تراجع التمويل الدولي المخصص للقطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 304 ملايين شخص حول العالم كانوا يعيشون مع التهاب الكبد الوبائي حتى عام 2022، بينما تسبب المرض بوفاة نحو 1.3 مليون شخص خلال العام نفسه، معظمهم بسبب سرطان الكبد وتليف الكبد.

وتحذر الهيئات الصحية الدولية من أن الدول التي تعاني من النزاعات المسلحة والانهيار الخدمي، مثل سوريا، تبقى الأكثر عرضة لتفاقم هذه الأمراض وانتشارها بصمت داخل المجتمعات الفقيرة والنازحة.

وتواجه المنظمات الطبية العاملة في سوريا تحديات كبيرة تشمل نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق وضعف قدرات التشخيص المخبري.

كما أن ارتفاع تكاليف العلاج وتراجع القدرة الشرائية للسكان يمنعان كثيرا من المرضى من الحصول على الفحوصات أو العلاج المناسب، ما يفاقم خطر انتقال العدوى وتأخر التشخيص.

الصحة حق أساسي

أكد الدكتور معاذ أبو دلو، أستاذ القانون العام الدستوري المتخصص في حقوق الإنسان، أن القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية يعتبران الحق في الصحة والرعاية الطبية من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها، سواء في أوقات السلم أو أثناء النزاعات المسلحة.

وأوضح أبو دلو، في حديثه لـ”صفر”، أن المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى جانب المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، شددتا على ضرورة مكافحة الأمراض والأوبئة وتوفير العلاج والخدمات الصحية واللقاحات للسكان دون تمييز.

وأشار إلى أن اتفاقيات جنيف الرابعة تُلزم الجهات المسيطرة على مناطق النزاع بحماية المدنيين وضمان وصولهم إلى الرعاية الصحية، وعدم استخدام العلاج أو الدواء كأداة ضغط سياسي.

الشفافية جزء من الحقوق الأساسية

من الناحية الحقوقية، يرى أبو دلو أن إخفاء المعلومات المتعلقة بانتشار الأوبئة أو التقليل من حجمها يُعد انتهاكا لحق الإنسان في المعرفة والصحة والسلامة العامة.

ويؤكد أن الشفافية الصحية والإفصاح عن أعداد المصابين والإجراءات المتخذة لمواجهة الأمراض تمثل مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق السلطات والجهات القائمة على إدارة المناطق المتضررة.

ويضيف أن الحق في الصحة لا يقتصر على العلاج فقط، بل يشمل أيضا إتاحة الدواء والخدمات الوقائية والكشف المبكر وضمان وصول المدنيين إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية دون تمييز.