شهدت إيران خلال العام الدراسي 2025/ 2026 أزمة تعليمية متصاعدة وصفتها منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية بأنها من أخطر التحديات الاجتماعية في البلاد خلال العقود الأخيرة، بعد تسجيل أكثر من مليون طفل متسرب من المدارس في مختلف المحافظات، في مؤشر يعكس تداخل عوامل اقتصادية وبنيوية واجتماعية دفعت شريحة واسعة من الأطفال إلى مغادرة النظام التعليمي قبل استكمال مراحل التعليم الأساسي، وتضع هذه المؤشرات مستقبل رأس المال البشري في إيران أمام تحديات طويلة الأمد، في ظل تحذيرات رسمية ودولية من اتساع الفجوة التعليمية وتداعياتها على سوق العمل والتنمية.
أرقام رسمية تكشف حجم الأزمة
أعلنت منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية في 26 مايو 2025 أن عدد الأطفال المتسربين من التعليم في إيران تجاوز مليون تلميذ، مع تسجيل 2808 أطفال ضمن فئة المستفيدين من خدمات الرعاية الاجتماعية الرسمية بعد التعرف عليهم داخل منظومة المتابعة الحكومية، وأكد رئيس المنظمة أن السلطات الإيرانية تعمل على خطة لإعادة دمج هؤلاء الأطفال في النظام التعليمي، إلا أن حجم الظاهرة يتجاوز قدرات التدخل المحدود، بحسب ما نشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي سياق متصل، أوضحت وزارة التعليم الإيرانية أن أكثر من 30 بالمئة من المدارس في البلاد تحتاج إلى صيانة أساسية أو إعادة تأهيل شامل، بينما تعمل آلاف المدارس في المناطق الريفية ضمن مبان غير مكتملة أو مؤقتة، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم ويزيد من احتمالات الانقطاع الدراسي، وفق تقرير صادر عن الوزارة ونشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
الفقر الاقتصادي كمحرك رئيسي للتسرب
تربط منظمة العمل الدولية ومركز الإحصاء الإيراني بين تصاعد معدلات الفقر واتساع ظاهرة التسرب المدرسي، حيث تؤكد البيانات أن ارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة دفع آلاف الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس وإدخالهم إلى سوق العمل غير الرسمي.
وتشير منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية إلى أن جزءاً كبيراً من الأطفال المتسربين ينتمي إلى أسر منخفضة الدخل، تعجز عن تغطية تكاليف النقل والكتب والملابس المدرسية، رغم أن التعليم الأساسي مجاني من الناحية القانونية، كما تؤكد تقارير وزارة التعاون والعمل والشؤون الاجتماعية أن عمالة الأطفال تشهد ارتفاعاً في المناطق الحضرية والريفية داخل إيران على حد سواء، نتيجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
ويؤكد مركز الدراسات الاجتماعية الإيراني أن العلاقة بين الفقر والتسرب تتخذ طابعاً دورياً، حيث يؤدي ترك التعليم إلى ضعف فرص العمل مستقبلاً، ما يعيد إنتاج الفقر داخل الأسرة نفسها عبر الأجيال.
تفاوت جغرافي حاد في نسب التسرب
تسجل المحافظات الحدودية في إيران أعلى نسب التسرب المدرسي، حيث تشير بيانات وزارة التعليم الإيرانية وتقارير محلية إلى أن محافظات سيستان وبلوشستان، وخوزستان، وكردستان، وهرمزغان تمثل أكثر المناطق تأثراً بالأزمة.
وتوضح تقارير صادرة عن منظمة اليونيسف أن هذه المناطق تعاني من ضعف البنية التحتية التعليمية ونقص المدارس المؤهلة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يخلق بيئة طاردة للتعليم ويزيد من احتمالات انقطاع الأطفال عن الدراسة في سن مبكرة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في إيران تتسع بشكل ملحوظ في قطاع التعليم، حيث تتمتع المدن الكبرى ببنية تعليمية أفضل نسبياً، بينما تواجه القرى والمناطق النائية نقصاً في المدارس والمعلمين والخدمات الأساسية.
نقص المعلمين وتدهور البنية التعليمية
تشير بيانات وزارة التعليم الإيرانية، إلى جانب تقارير صادرة عن مركز الأبحاث البرلماني الإيراني، إلى أن النظام التعليمي في البلاد يواجه منذ عام 2024 وحتى 2025 أزمة هيكلية تتعلق بنقص الكوادر التعليمية وتهالك البنية التحتية للمدارس، في وقت تتزايد فيه أعداد الطلاب وتتعاظم الضغوط على النظام التعليمي، وتُظهر تقديرات رسمية أن إيران تحتاج إلى ما لا يقل عن 176 ألف معلم إضافي لتغطية العجز القائم في المدارس الحكومية، وهو رقم أكده مركز أبحاث البرلمان الإيراني في تقريره السنوي حول وضع التعليم، مشيراً إلى أن هذا العجز لا يقتصر على المناطق الريفية بل امتد أيضاً إلى العاصمة طهران والمدن الكبرى.
ووفق ما نشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن وزارة التعليم الإيرانية تواجه ضغطاً متزايداً نتيجة موجات التقاعد الواسعة بين المعلمين خلال السنوات الأخيرة، دون أن يقابلها تعيينات كافية لسد الفراغ، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع متوسط كثافة الفصول الدراسية في عدد كبير من المدارس إلى أكثر من 35 إلى 45 طالباً في الصف الواحد في بعض المناطق الحضرية، بينما تعاني مدارس ريفية من غياب معلمين متخصصين بشكل كامل في مواد أساسية مثل الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية، وهذا الخلل، بحسب الوزارة، ينعكس مباشرة على جودة التعليم ويؤدي إلى تراجع مستويات التحصيل العلمي وزيادة احتمالات التسرب المبكر من الدراسة.
وتؤكد تقارير صادرة عن مركز الدراسات البرلمانية الإيراني في عام 2025 أن نحو 20 إلى 30 بالمئة من المدارس في إيران تعاني من مشكلات إنشائية خطيرة، تتراوح بين تهالك المباني وغياب معايير السلامة وصولاً إلى الحاجة إلى إعادة بناء كامل، وهو ما يعني أن مئات الآلاف من الطلاب يتلقون تعليمهم في بيئات غير آمنة أو غير مؤهلة تربوياً، كما تشير هذه التقارير إلى أن أكثر من 3 ملايين طالب في البلاد يدرسون في مبانٍ مصنفة ضمن الفئة غير الصالحة أو التي تحتاج إلى صيانة عاجلة، خاصة في المحافظات الطرفية والمناطق ذات الدخل المنخفض.
وتوضح بيانات وزارة التعليم الإيرانية أن الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية تتسع بشكل ملحوظ في ما يتعلق بتوزيع المعلمين والبنية التحتية، حيث تتركز الكوادر التعليمية المؤهلة في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان وشيراز، بينما تعاني محافظات مثل سيستان وبلوشستان وخوزستان وكردستان من نقص حاد في المعلمين يصل في بعض المدارس إلى عدم وجود مدرسين دائمين لبعض المواد طوال العام الدراسي، وفق ما نشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كما تشير منظمة العمل الدولية في تقاريرها حول سوق العمل الإيراني إلى أن ضعف الاستثمار في قطاع التعليم وتراجع الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة ساهم في عزوف الكثير من الخريجين عن الانخراط في مهنة التعليم، ما فاقم أزمة نقص الكوادر.
وتربط المنظمة بين هذا النقص وتراجع جودة التعليم وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، خاصة في الفئات الفقيرة التي لا تجد بيئة تعليمية مستقرة تشجع على الاستمرار في الدراسة.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، تؤكد وزارة التعليم الإيرانية أن آلاف المدارس بحاجة إلى إعادة بناء أو ترميم شامل، نتيجة تقادم المباني وغياب عمليات الصيانة الدورية، مشيرة إلى أن الحكومة أطلقت خلال عام 2025 مشاريع لبناء أو ترميم عدد من المدارس، إلا أن وتيرة التنفيذ ما تزال أقل من الحاجة الفعلية، وتشير بيانات رسمية إلى أن جزءاً كبيراً من المدارس في المناطق الريفية يعتمد على مبانٍ مؤقتة أو غير مجهزة، ما يؤثر على انتظام العملية التعليمية خاصة خلال الظروف المناخية الصعبة.
وتربط تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” بين تدهور البنية التعليمية في إيران وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، موضحة أن ضعف البيئة المدرسية ونقص المعلمين يشكلان أحد أهم العوامل التي تدفع الأطفال إلى ترك التعليم مبكراً، خصوصاً في المناطق الفقيرة والحدودية، كما تؤكد اليونيسف أن ضمان بيئة تعليمية آمنة ومجهزة يعد شرطاً أساسياً لتحقيق أهداف الحق في التعليم المنصوص عليه في اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها إيران.
ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاستثمار في التعليم يمثل أحد أهم أدوات الحد من الفقر، وأن أي تراجع في جودة التعليم أو في قدرة النظام التعليمي على استيعاب الطلاب يؤدي إلى آثار اقتصادية طويلة الأمد، تشمل انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
ويضيف البرنامج أن نقص المعلمين في أي دولة لا يمثل فقط مشكلة تعليمية، بل أزمة تنموية شاملة تؤثر على استقرار المجتمع على المدى البعيد.
وتظهر بيانات وزارة التعليم الإيرانية أن الحكومة تحاول معالجة الأزمة عبر برامج لتوظيف معلمين جدد وإعادة دمج المتقاعدين في النظام التعليمي، إضافة إلى إنشاء مدارس جديدة وإعادة تأهيل آلاف الفصول الدراسية، إلا أن تقارير مركز الأبحاث البرلماني الإيراني تشير إلى أن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية مقارنة بحجم العجز، خاصة مع استمرار تزايد أعداد الطلاب سنوياً وتوسع المدن.
ويحذّر خبراء التعليم في إيران، وفق وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من أن استمرار هذا الوضع دون إصلاح جذري سيؤدي إلى تراجع جودة رأس المال البشري في البلاد خلال العقد القادم، ويزيد من فجوة عدم المساواة بين المناطق المختلفة، ويضعف قدرة النظام التعليمي على تلبية احتياجات سوق العمل الحديث.
وبذلك يتضح أن أزمة نقص المعلمين وتدهور البنية التعليمية في إيران لم تعد مجرد مشكلة إدارية أو مالية، بل تحولت إلى تحدٍ بنيوي يمس مستقبل النظام التعليمي بأكمله، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة وضمان حق التعليم لجميع الأطفال دون استثناء.
أسباب اجتماعية إضافية للتسرب
لا يرتبط التسرب المدرسي في إيران بالعوامل الاقتصادية فقط، بل يمتد ليشمل عوامل اجتماعية وثقافية، بحسب مركز الدراسات الاجتماعية الإيراني، وتشمل هذه العوامل الزواج المبكر للفتيات في بعض المناطق، والتفكك الأسري، وضعف الوعي بأهمية التعليم، إضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن بيئات تعليمية غير مستقرة.
وتشير تقارير وزارة الصحة الإيرانية إلى أن بعض الحالات ترتبط أيضاً بمشكلات نفسية واجتماعية داخل الأسرة، مثل فقدان أحد الوالدين أو النزاعات الأسرية، ما يؤدي إلى انقطاع الأطفال عن الدراسة بشكل نهائي.
تحذيرات أممية من أزمة جيل مفقود
أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في تقاريرها الخاصة بإيران أن استمرار ارتفاع معدلات التسرب المدرسي يشكل تهديداً مباشراً لحقوق الطفل الأساسية، وعلى رأسها الحق في التعليم، المنصوص عليه في اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها إيران.
وأوضحت اليونيسف أن زيادة أعداد الأطفال خارج النظام التعليمي تؤدي إلى ارتفاع مخاطر عمالة الأطفال وزيادة معدلات الفقر على المدى الطويل، إضافة إلى تراجع مستوى المهارات البشرية في سوق العمل.
كما أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التعليم يمثل إحدى أهم أدوات كسر دورة الفقر، محذراً من أن تراجع معدلات الالتحاق بالمدارس يهدد تحقيق أهداف التنمية المستدامة في إيران، خاصة ما يتعلق بالقضاء على الفقر وتعزيز المساواة.
انعكاسات بعيدة المدى
يحذّر خبراء الاقتصاد والتربية في إيران من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى زيادة أعداد العمالة غير الماهرة خلال العقد المقبل، ما ينعكس على الإنتاجية الاقتصادية ويعمق الفجوة بين العرض والطلب في سوق العمل.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الأطفال الذين يغادرون التعليم مبكراً ينضمون غالباً إلى أعمال منخفضة الأجر وغير مستقرة، ما يعزز دورة الفقر ويقلل من فرص الحراك الاجتماعي.
كما يتوقع باحثون في جامعة طهران أن يؤدي استمرار الأزمة إلى اتساع الفجوة الاجتماعية بين المناطق الحضرية والريفية، وزيادة معدلات الانحراف الاجتماعي في بعض المناطق الفقيرة، نتيجة ضعف الفرص التعليمية والاقتصادية.
محاولات حكومية للحد من الأزمة
تعمل الحكومة الإيرانية عبر وزارة التعليم ومنظمة الرعاية الاجتماعية على تنفيذ برامج لإعادة دمج الأطفال المتسربين في النظام التعليمي، تشمل دعم الأسر الفقيرة وتوفير منح تعليمية وتحسين البنية التحتية للمدارس في المناطق النائية.
وتؤكد منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية أنها تمكنت من التعرف على آلاف الأطفال المتسربين وإدراجهم ضمن برامج الدعم، إلا أن حجم الأزمة يفوق قدرات التدخل الحالية، وفق ما أعلنته المنظمة في بياناتها الرسمية.
سياسات إيرانية
اعتمدت إيران منذ عام 1979 سياسة تعميم التعليم الأساسي، وحققت تقدماً كبيراً في معدلات محو الأمية خلال العقود الماضية، إلا أن التحولات الاقتصادية والعقوبات الدولية والتضخم المتصاعد خلال العقد الأخير أثرت بشكل مباشر على جودة النظام التعليمي.
وخلال السنوات الخمس الماضية، سجّلت إيران ارتفاعاً تدريجياً في معدلات التسرب المدرسي، خاصة في المناطق الطرفية، مع تزايد الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة الحياة، ما جعل التعليم المجاني أقل قدرة على ضمان استمرار الأطفال في الدراسة.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن إيران تواجه تحدياً طويل الأمد يتعلق بإعادة بناء منظومتها التعليمية وضمان استدامة الحق في التعليم. وبينما تتوسع جهود الحكومة للحد من الظاهرة، تشير البيانات الرسمية والدولية إلى أن معالجة جذور الأزمة تتطلب إصلاحات اقتصادية وتعليمية واجتماعية متكاملة، تضمن عدم تحول أكثر من مليون طفل متسرب اليوم إلى فجوة بشرية يصعب تعويضها في المستقبل.

