تتسارع التحذيرات الدولية من اقتراب الصومال مجددا من شبح المجاعة، في ظل تفاقم أزمة الجفاف، وتراجع التمويل الإنساني، واستمرار الصراعات المسلحة، بينما يواجه ملايين السكان مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية أن البلاد تعيش واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا منذ سنوات، مع تصاعد المخاوف من تكرار كارثة 2011 التي أودت بحياة نحو ربع مليون شخص.
وقالت شبكة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعومة من الأمم المتحدة إن نحو 6 ملايين صومالي يواجهون حاليا مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي أو أوضاعا أسوأ خلال 2025، بعدما تسببت الأمطار الضعيفة وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المساعدات في تدهور الأوضاع الإنسانية بصورة متسارعة.
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن الصومال يواجه واحدة من أعقد أزمات الجوع في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن 6.5 مليون شخص معرضون لمستويات خطيرة من الجوع، بينهم نحو مليوني شخص يواجهون مستويات طوارئ غذائية، وهي المرحلة السابقة لإعلان المجاعة رسميا.
أقاليم جنوبية تحت التهديد
تتركز المخاوف الدولية بشكل خاص في مناطق جنوب الصومال، وخاصة أقاليم باي وبكول وجدو، حيث سجلت مؤشرات سوء التغذية والجوع ارتفاعا مقلقا خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضح تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن مدينة بور هكبة في إقليم باي، التي يقطنها نحو 200 ألف نسمة، شهدت مستويات خطيرة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال، إذ يعاني أكثر من 37 بالمئة من الأطفال الصغار من سوء التغذية الحاد، وهو معدل يقترب من عتبة إعلان المجاعة وفقا للمعايير الدولية.
وبحسب المعايير المعتمدة من الأمم المتحدة، تعلن المجاعة عندما يعاني 20 بالمئة على الأقل من السكان من نقص غذائي حاد، ويصاب 30 بالمئة من الأطفال بسوء التغذية الحاد، مع تسجيل حالتي وفاة يوميا من كل عشرة آلاف شخص بسبب الجوع أو الأمراض المرتبطة به.
وقالت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة، وهي هيئة أمريكية مختصة بمراقبة أزمات الغذاء، إن فشل موسم الأمطار المقبل قد يؤدي إلى ظهور المجاعة بسرعة في المناطق الزراعية والرعوية جنوب البلاد، خاصة إذا استمرت خسائر المحاصيل الزراعية وتراجع الدعم الإنساني.
الجفاف والتغير المناخي
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” أن الصومال يعد من أكثر دول العالم هشاشة أمام التغيرات المناخية، رغم مساهمته المحدودة للغاية في الانبعاثات العالمية.
وقالت المنظمة إن البلاد تعرضت خلال السنوات الأخيرة لسلسلة من مواسم الأمطار الفاشلة، ما تسبب في جفاف واسع النطاق أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية وتراجع الإنتاج الزراعي واستنزاف مصادر المياه.
وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن معظم مناطق الصومال شهدت ثلاثة مواسم مطرية ضعيفة، بينما سجلت البلاد أحد أسوأ مواسم الحصاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كما أوضح مسؤولون في منظمة الأغذية والزراعة أن إنتاج الحبوب الرئيسي انخفض بنسبة 83 بالمئة مقارنة بالمتوسط التاريخي بين عامي 1995 و2025.
وتقول الأمم المتحدة إن التغير المناخي بات عاملا رئيسيا في تعميق أزمات الغذاء في القرن الإفريقي، حيث يؤدي تكرار الجفاف والفيضانات إلى تدمير سبل العيش التقليدية للمزارعين والرعاة.
الصراع والنزوح الداخلي
لا ترتبط أزمة المجاعة في الصومال بالعوامل المناخية وحدها، إذ تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات الإغاثة أن استمرار الصراعات المسلحة وانعدام الأمن يلعب دورا أساسيا في تفاقم الكارثة الإنسانية.
وقال برنامج الأغذية العالمي إن الصومال يضم حاليا نحو 3.9 مليون نازح داخلي، فر كثير منهم بسبب الجفاف أو الاشتباكات المسلحة وهجمات حركة الشباب.
وأكدت منظمة “أوكسفام” الدولية أن الصراع يعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق الريفية، كما يدفع آلاف الأسر إلى مغادرة أراضيها الزراعية ومواشيها، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الغذائي وارتفاع الأسعار بصورة أكبر.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النزوح الواسع أدى إلى تضخم مخيمات النازحين التي تعاني أصلا من نقص المياه النظيفة والخدمات الصحية والغذائية، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة.
انهيار التمويل الإنساني
يعد التراجع الحاد في التمويل الدولي أحد أخطر العوامل التي تهدد الاستجابة الإنسانية في الصومال خلال 2025 و2026، وأظهرت بيانات الأمم المتحدة أن حجم التمويل الإنساني المخصص للصومال بلغ نحو 160 مليون دولار فقط خلال 2026، مقارنة بـ531 مليون دولار في العام السابق، بينما وصل التمويل خلال أزمة الجفاف الكبرى في 2022 إلى نحو 2.38 مليار دولار.
وأكد تقرير التصنيف المرحلي المتكامل أن المساعدات الإنسانية الحالية تغطي نحو 12 بالمئة فقط من الأشخاص الذين يواجهون مستويات أزمة أو أوضاعا أشد من انعدام الأمن الغذائي.
وقال برنامج الأغذية العالمي إن خفض المساعدات الدولية أجبره على تقليص نطاق عملياته داخل الصومال، حيث تراجع عدد المناطق التي تصل إليها المساعدات الغذائية من 64 منطقة إلى 42 فقط، بينما انخفض عدد المستفيدين من الدعم الغذائي من 2.2 مليون شخص إلى نحو 600 ألف شخص فقط خلال عام واحد.
ويربط مسؤولون أمميون هذا التراجع بأزمات عالمية متلاحقة، من بينها الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط وتراجع مساهمات بعض الدول المانحة، ما أدى إلى تحويل جزء كبير من التمويل بعيدا عن أفريقيا.
الأطفال في قلب الكارثة
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وبرنامج الأغذية العالمي أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر تضررا من الأزمة الحالية.
وأظهرت بيانات التصنيف المرحلي المتكامل أن نحو 1.8 مليون طفل في الصومال معرضون للإصابة بسوء التغذية الحاد خلال 2025 و2026، بينهم أكثر من 479 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حادا وخطيرا يهدد حياتهم مباشرة.
وقالت منظمة “أنقذوا الأطفال” إن نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة في الصومال قد يواجهون سوء تغذية حادا بحلول منتصف 2026 إذا استمرت أزمة التمويل الحالية، مؤكدة أن معدلات الجوع ارتفعت بنسبة 30 بالمئة في بعض المناطق الجنوبية.
وأضافت المنظمة أن نقص التمويل يهدد بإغلاق مراكز التغذية والعلاج، ما قد يحرم مئات الآلاف من الأطفال من الخدمات المنقذة للحياة.
النساء والفئات الهشة
قال صندوق الأمم المتحدة للسكان إن النساء والفتيات في الصومال يواجهن تداعيات إنسانية مضاعفة بسبب الجوع والنزوح والفقر، مع تزايد مخاطر الزواج المبكر والعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي.
وأكدت الأمم المتحدة أن النساء الحوامل والمرضعات يعانين بشكل خاص من نقص الغذاء والرعاية الصحية، بينما تضطر بعض الأسر إلى تقليص الوجبات الغذائية أو إخراج الأطفال من التعليم من أجل البقاء.
وتقول منظمات إنسانية إن الجوع المتفاقم يدفع بعض العائلات إلى تبني استراتيجيات خطيرة للبقاء، مثل بيع الممتلكات القليلة المتبقية أو النزوح إلى مخيمات مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
تحذيرات أممية وحقوقية
دعت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع تحول الأزمة الحالية إلى مجاعة واسعة النطاق.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن تقليص التمويل الإنساني في وقت يتزايد فيه الجوع يهدد حياة ملايين المدنيين، مطالبة الدول المانحة بزيادة الدعم الإنساني وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
كما حذّرت منظمة العفو الدولية من أن الفشل في التحرك السريع قد يعيد الصومال إلى سيناريوهات المجاعة التي شهدتها البلاد في 2011، عندما توفي نحو 250 ألف شخص بسبب الجوع والأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن التدخل المبكر وتوفير التمويل الكافي يمكن أن يمنعا انزلاق البلاد إلى كارثة إنسانية أوسع.
القانون الدولي والحق في الغذاء
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن الحق في الغذاء حق أساسي من حقوق الإنسان، كما تؤكد الأمم المتحدة أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية لمنع المجاعات والكوارث الإنسانية.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة إن استمرار نقص التمويل يهدد حق ملايين الصوماليين في الغذاء والصحة والحياة، داعية إلى تحييد المساعدات الإنسانية عن التوترات السياسية والأزمات الجيوسياسية الدولية.
أسباب متعددة للأزمة
شهد الصومال خلال العقود الثلاثة الماضية أزمات غذائية متكررة بسبب الحروب الأهلية والجفاف والانهيار الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة. وكانت مجاعة 2011 واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في أفريقيا خلال القرن الحالي، بعدما أودت بحياة نحو 250 ألف شخص، نصفهم تقريبا من الأطفال.
وكادت البلاد أن تشهد مجاعة جديدة خلال عامي 2017 و2022، غير أن التدخلات الإنسانية الدولية الواسعة آنذاك أسهمت في الحد من أعداد الوفيات ومنع الانهيار الكامل.
لكن الأمم المتحدة تحذر اليوم من أن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها بسبب تزامن الجفاف الحاد مع انخفاض التمويل الدولي واستمرار الصراعات، ما يجعل ملايين الصوماليين أكثر عرضة للجوع والمرض والنزوح، بينما يبقى خطر المجاعة قائما بقوة في جنوب البلاد.

