منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لماذا يفشل الساسة في فهم الرأي العام بشأن الهجرة؟

19 مايو 2026
عملاء إدارة الهجرة والجمارك ومتظاهرون في كاليفورنيا عام ٢٠٢٥. في السنوات الأخيرة، برزت السياسات "المحايدة" بشكل خاص في مجال سياسة الهجرة.
عملاء إدارة الهجرة والجمارك ومتظاهرون في كاليفورنيا عام ٢٠٢٥. في السنوات الأخيرة، برزت السياسات "المحايدة" بشكل خاص في مجال سياسة الهجرة.

حدث أمر لافت قبل عام ونصف تقريباً؛ فما إن انتخب الأمريكيون دونالد ترامب رئيساً على أساس برنامج انتخابي معادٍ للهجرة بشكل واضح، حتى بدأ الرأي العام الأمريكي يتحول تدريجياً نحو موقف أكثر إيجابية تجاه الهجرة.

ولم يتوقف هذا التحول مع بدء ترامب تنفيذ حملته المتشددة ضد المهاجرين، بل استمر واتسع. ووفقاً لبيانات “يوغوف”، لم يكن سوى 28% من الأمريكيين يرون في منتصف عام 2024 أن الهجرة تجعل الولايات المتحدة أفضل حالاً، لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 46% بحلول يناير الماضي.

ورغم أن الديمقراطيين ما زالوا أكثر تأييداً للهجرة من الجمهوريين، فإن التغير طال المحافظين أيضاً؛ إذ قال ربع الجمهوريين تقريباً بحلول يناير إن الهجرة تفيد البلاد، بعدما كانت النسبة لا تتجاوز عُشرهم في منتصف 2024.

قد يتعامل البعض مع هذه الأرقام بكثير من الضجر والتساؤل: ألا يستطيع الناخب الأمريكي أن يحسم موقفه؟ وماذا كان يتوقع أصلاً عندما صوّت لترامب؟

لكن بالنسبة لعلماء السياسة الذين يدرسون ما يُعرف بـ”السياسة الحرارية” أو “التفاعلية”، فإن ما يحدث ليس مفاجئاً إطلاقاً. فالرأي العام يميل غالباً إلى التحرك في الاتجاه المعاكس للحزب الحاكم، خصوصاً عندما يشعر الناس أن الحكومة ذهبت بعيداً أكثر من اللازم في اتجاه معين. وقد جرى رصد هذه الظاهرة لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي في سياق السياسات المالية، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة في ملف الهجرة تحديداً.

ورغم أن هذه التقلبات في استطلاعات الرأي قد توحي بأن الناس لا يعرفون ما يريدون، فإنها تؤدي في الواقع وظيفة ديمقراطية مهمة، إذ تعمل بمكانة إشارات تحذير قوية عندما تتجاوز السياسات الحكومية حدود ما يعده الرأي العام مقبولاً أو مريحاً.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يسيء السياسيون قراءة تلك الإشارات. فعندما يقول الناس إنهم يريدون هجرة أقل، أو يرون أن الهجرة تضر بالبلاد -أو العكس- فإنهم غالباً لا يعبّرون عن تحول جذري في قناعاتهم، بل عن تقييمهم لما يحدث في تلك اللحظة مقارنة بما يرونه مناسباً.

ويرى ألكسندر كوستوف المتخصص في العلوم السياسية أن معظم الأمريكيين يمتلكون مواقف مستقرة ومعتدلة تجاه الهجرة؛ فهم يؤيدون الهجرة المنظمة التي تخدم المصلحة الوطنية، ويرفضون التدفقات الفوضوية أو غير الخاضعة للرقابة الكافية.

ومن وجهة نظره، فإن إدارة ترامب بالغت في تفسير الغضب الشعبي من ارتفاع معدلات الهجرة خلال عهد جو بايدن، وذهبت إلى سياسات متشددة تجاوزت ما يريده كثير من الناخبين. وقال لي: “الناس لا يغيرون بالضرورة فكرتهم الأساسية عن سياسة الهجرة المثالية، لكنهم يتفاعلون مع ما تفعله الحكومة حالياً. وكثيرون غير راضين عما تقوم به إدارة ترامب الآن؛ لأن الحديث لم يعد فقط عن حماية الحدود، بل عن أشخاص يتعرضون للمضايقات، بل وحتى للقتل”.

لكن كوستوف يحذر أيضاً من خطأ معاكس قد يقع فيه المدافعون عن الهجرة، وهو اعتبار التحسن الأخير في النظرة الشعبية للهجرة تحولاً أيديولوجياً عميقاً ودائماً.

أما في بريطانيا، فتقدم تجربة السنوات الأخيرة درساً آخر لا يقل أهمية. فبعد استفتاء “بريكست” عام 2016، تراجع القلق الشعبي تجاه الهجرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى انخفاض أرقام الهجرة الصافية، لكن أيضاً لأن الناس شعروا بنوع من “التنفيس” واستعادة السيطرة، بحسب سوندر كاتوالا، مدير مركز “بريتيش فيوتشر”.

وبحلول عام 2019، أصبحت الهجرة القضية التاسعة فقط في قائمة اهتمامات البريطانيين وفق استطلاعات “إبسوس”. لكن عندما قامت حكومة المحافظين بين 2019 و2022 بتوسيع مسارات التأشيرات للطلاب والعاملين في قطاع الرعاية، ارتفعت أعداد المهاجرين مجدداً، وعاد معها القلق الشعبي بقوة. واليوم، تتبنى حكومة العمال نهجاً أكثر تشدداً في ملف الهجرة.

ويجادل كوستوف والباحثة كايتلين ييتس بأن الرأي العام “التفاعلي” كان يفترض أن يشكل أداة تصحيح للسياسيين، لكنه تحول عملياً إلى عامل يضخم التأرجح الحاد في السياسات. فالحكومات تبالغ في تفسير تغير المزاج الشعبي، ثم تبالغ في رد الفعل، ما يدفع الرأي العام لاحقاً إلى التحرك في الاتجاه المعاكس مرة أخرى.

وهذه التغيرات الحادة والمتكررة في سياسات الهجرة تضر بأصحاب الأعمال والمهاجرين والاقتصاد عموماً؛ لأنها تخلق حالة دائمة من عدم اليقين وتصعّب التخطيط طويل الأمد. كما أنها تقوض الثقة بين السياسيين والجمهور.

وأحياناً ينتابني شعور بأن الناخبين لم يعودوا وحدهم الغاضبين من النخب السياسية، بل إن النخب نفسها بدأت تضيق ذرعاً بالناخبين، إلى درجة وصفتهم فيها بأنهم “غير قابلين للحكم”.

لكن المفارقة الحقيقية هنا أن الأزمة لا تبدو ناجمة عن تجاهل السياسيين للرأي العام في ملف الهجرة، بل ربما لأنهم يصغون إليه أكثر مما ينبغي.

نقلاً عن فاينانشيال تايمز