منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الفجوة الهيكلية في المدن العربية.. عندما تتفوق التطبيقات وتتخلف الخدمات عن ذوي الإعاقة

24 أغسطس 2026
أداء المدن يشمل البنية المادية والمؤسسات والحوكمة والخدمات
أداء المدن يشمل البنية المادية والمؤسسات والحوكمة والخدمات

يقدم مؤشر المعهد الدولي للتنمية الإدارية IMD للمدن الذكية لعام 2026 صورة معقّدة عن واقع المدن في شمال إفريقيا والمشرق العربي، حيث تظهر نتائجه فجوة عميقة بين الاستثمار في الحلول الرقمية وجودة البنية التحتية المادية والمؤسسية، وهي الفجوة التي تنعكس مباشرة على حياة الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يجدون أنفسهم غالباً بين وعد التطبيقات الذكية وعقبات الطرق والمباني والخدمات غير المهيئة.

وحلّت مدينة الرباط في المركز الـ124 عالمياً، متقدمة بفارق ضئيل على القاهرة التي جاءت في المركز الـ125، بينما جاءت الجزائر في 128 وعمّان في 130، فيما تراجعت بيروت إلى 145 وتونس إلى 146 من أصل 148 مدينة مشمولة في التصنيف.

والأكثر دلالة من هذه الأرقام هو القراءة التحليلية لمكونات المؤشر، حيث بلغ متوسط درجة “التقنيات” في القاهرة 61.0، وهو أعلى من متوسط المجموعة المقارنة البالغ 52.4، في حين بلغ متوسط درجة “البنى التحتية” 45.7، بالكاد فوق متوسط المجموعة البالغ 44.2، مما يكشف عن فجوة داخلية مقدارها 15.3 نقطة هي الأكبر في المنطقة.

وتشير إلى أن التقدم الرقمي لا يصاحبه تحسن ملموس في الخدمات اليومية والمرافق التي يحتاجها الجميع، وعلى رأسهم الأشخاص ذوو الإعاقة الذين يعتمدون على تكامل بين التصميم الرقمي والبيئة المادية.

تقديم الخدمات الهيكلية

في هذا السياق، يؤكد المجلس الوطني المصري للتنافسية أن نتيجة القاهرة ينبغي قراءتها كتحدٍ في تقديم الخدمات الهيكلية وليس تحديًا في الوصول الرقمي، محدداً الازدحام وتكاليف السكن ونقص الوظائف وجودة الخدمات الصحية وتلوث الهواء كأكثر إشارات الضغط وضوحاً التي يعبر عنها السكان.

ويتماشى هذا التحليل مع الرؤية التي يطرحها خبراء IMD، وفي مقدمتهم أرتورو بريس مدير مركز التنافسية العالمية، الذي يرى أن المراكز الحضرية الأكثر تقدماً لا تتميز بالضرورة بآفاقها الطوباوية أو شبكات الاستشعار المرئية، بل بمدى فعالية محاذاة هياكل الحوكمة وقرارات الاستثمار العام والأهم من ذلك تنمية ثقة المواطنين.

ويضيف بريس أن أداء المدن في ركيزة البنى التحتية التي تشمل البنية المادية والمؤسسات والحوكمة والخدمات العامة هو مؤشر أقوى وأكثر اتساقاً للتنبؤ بالأداء الذكي الشامل من أدائها في ركيزة التقنيات، وهو ما يفسر لماذا تتفوق مدن مثل زيورخ وأوسلو وجنيف في البنى التحتية على التقنيات.

وتتفوق التقنيات على البنى التحتية في مدن مثل روما وأثينا ومعظم المدن العربية المذكورة، مما يعكس أن الاستثمار الرقمي دون تحسين جودة الخدمات والحوكمة لا يترجم إلى تحسن في حياة المواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة مثل الأشخاص ذوي الإعاقة.

توفير قاعدة بيانات دقيقة

على صعيد السياسات الوطنية، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي في المغرب البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لعام 2026، وهو مسح استراتيجي يهدف إلى توفير قاعدة بيانات دقيقة عن أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة في المدن المغربية، تمهيداً لتطوير سياسات عمومية دامجة مبنية على معطيات واقعية تعزز الدولة الاجتماعية.

غير أن هذا الجهد، رغم أهميته، يبقى خطوة أولية في مسار طويل لتحويل المدن المغربية إلى فضاءات ذكية وشاملة، خاصة أن الرباط نفسها شهدت تراجعاً في ترتيبها العالمي رغم استمرارها كأفضل المدن العربية غير الخليجية أداءً في مؤشر البنى التحتية.

ويمكن القول إن تحديات الشمولية في مدن شمال إفريقيا والمشرق لا تنحصر في غياب التطبيقات الذكية أو ضعف التغطية الرقمية، بل هي مرتبطة أساساً بجودة الحوكمة والبنية التحتية والاستجابة المؤسسية، وهي عوامل لا يمكن تعويضها بالتقنيات وحدها.

نحو مدن ذكية وشاملة

لتحقيق تحول حقيقي نحو مدن ذكية وشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، توصي الدراسات المتخصصة بضرورة سد الفجوة الهيكلية عبر تحسين الخدمات الأساسية كالنقل والصحة والإسكان كأولوية قبل تعميم الحلول الرقمية، وضمان أن تكون المنصات الرقمية مدعومة ببنية مادية ومؤسسية تتيح الوصول الفعلي.

إلى جانب تتبع مؤشرات الشمولية والثقة من خلال رصد إمكانية الوصول إلى الخدمات وتكلفتها وخصوصيتها، والاستناد إلى أدلة مدركة من السكان كأداة تشخيصية لرصد الفجوات بين السياسات وواقع الخدمات، لضمان عدم تخلف أي فئة عن ركب التحول الحضري.