منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

تقرير أممي يحذر من “المراقبة الشاملة”.. التكنولوجيا الرقمية تهدد الحريات المدنية

10 يونيو 2026
قلق حقوقي من المراقبة ومخاطر التكنولوجيا الحديثة
قلق حقوقي من المراقبة ومخاطر التكنولوجيا الحديثة

أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات أن التطور المتسارع في تقنيات المراقبة الرقمية بات يفرض تحديات غير مسبوقة أمام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، محذرة من أن استخدام أدوات الرصد والتتبع الحديثة لم يعد يقتصر على جمع المعلومات أو تعزيز الأمن، بل تحول في كثير من الحالات إلى عامل مؤثر في سلوك الأفراد والجماعات، ما يحد من قدرتهم على التعبير والتنظيم والمشاركة في الحياة العامة.

وأشار التقرير الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تعقد خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن منظومات المراقبة الرقمية الحديثة أصبحت تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في الحقوق المرتبطة بحرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، نتيجة الانتشار الواسع للأدوات التكنولوجية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنيات التعرف إلى الوجوه، وأنظمة التتبع وجمع البيانات الشخصية.

ويحمل التقرير عنوان “كشف الآثار المثبطة لمنظومة المراقبة الرقمية على الحق في التجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات”، ويقدم قراءة موسعة للتداعيات الحقوقية المترتبة على توسع الحكومات والمؤسسات الخاصة في استخدام تقنيات المراقبة الرقمية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وما يترتب على ذلك من آثار تمس الحيز المدني والعمل الحقوقي والسياسي والاجتماعي.

تحول في طبيعة المراقبة

وأوضح التقرير أن العالم يشهد تحولاً جذرياً في طبيعة المراقبة، إذ لم تعد مقتصرة على الوسائل التقليدية المعروفة، بل أصبحت تعتمد على منظومات معقدة ومترابطة تجمع كميات هائلة من البيانات الشخصية، وتحللها وتربط بينها باستخدام خوارزميات متقدمة قادرة على رسم صورة تفصيلية عن الأفراد وسلوكهم وعلاقاتهم وأنشطتهم المختلفة.

ولفت إلى أن هذه المنظومة المتكاملة تتيح تتبع الأشخاص عبر هواتفهم المحمولة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والكاميرات الذكية، وقواعد البيانات الحكومية والخاصة، ما يجعل المراقبة أكثر شمولاً واستمرارية من أي وقت مضى.

وبحسب التقرير، فإن أخطر ما يترتب على هذه الممارسات يتمثل فيما يعرف بـ”الأثر المثبط”، وهو التأثير النفسي والسلوكي الذي يدفع الأفراد إلى تغيير تصرفاتهم أو الامتناع عن بعض الأنشطة خشية التعرض للرصد أو الملاحقة أو التصنيف، حتى في الحالات التي لا تكون فيها المراقبة مؤكدة أو مثبتة بشكل مباشر.

وأشار إلى أن مجرد الاعتقاد بوجود مراقبة أو احتمال التعرض لها قد يكون كافياً لإحداث هذا التأثير، حيث يبدأ الأفراد في ممارسة رقابة ذاتية على آرائهم واتصالاتهم وتحركاتهم ومشاركتهم في الأنشطة العامة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على المشاركة المدنية والسياسية.

المخاطر المرتبطة بالمراقبة

أكد التقرير أن هذه الآثار لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى المنظمات والجمعيات والحركات الاجتماعية التي قد تلجأ إلى تعديل أنشطتها أو الحد من تحركاتها أو تغيير أساليب عملها تفادياً للمخاطر المرتبطة بالمراقبة.

وأوضح أن بعض المنظمات أصبحت أكثر حذراً في التواصل مع أعضائها أو شركائها، في حين تلجأ أخرى إلى تقليص أنشطتها العامة أو تجنب بعض الملفات الحساسة، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى إضعاف المجال المدني وتراجع فرص المشاركة المجتمعية الفاعلة.

وأشار التقرير إلى أن التأثيرات الناتجة عن المراقبة الرقمية لا تتوزع بالتساوي بين جميع فئات المجتمع، بل تتحمل الجماعات المهمشة والفئات المستضعفة النصيب الأكبر منها. وتشمل هذه الفئات المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء السياسيين والنقابيين وأفراد الأقليات العرقية والدينية، إضافة إلى الفئات التي تنتقد السياسات الحكومية أو تطالب بالإصلاح والمساءلة.

وأوضح أن هذه الفئات غالباً ما تكون أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف، الأمر الذي يضاعف من مشاعر الخوف وعدم الأمان لديها ويحد من قدرتها على ممارسة حقوقها بصورة طبيعية.

مخاطر الذكاء الاصطناعي

توقف التقرير عند المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال المراقبة، مشيراً إلى أن العديد من الأنظمة الحديثة تعتمد على خوارزميات قادرة على تحليل السلوك والتنبؤ بالأنشطة المحتملة للأفراد، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن الشفافية والمساءلة وإمكانية وقوع أخطاء أو ممارسات تمييزية.

وحذر من أن تقنيات التعرف إلى الوجوه والأنظمة البيومترية أثبتت في العديد من الحالات وجود معدلات عليا من الأخطاء والانحياز عند التعامل مع بعض الفئات العرقية والإثنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج تمييزية تمس حقوق تلك الفئات بصورة غير متناسبة.

وأشار التقرير إلى أن الدراسات والتجارب المتراكمة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج قرارات أو تصنيفات متحيزة نتيجة اعتمادها على بيانات غير متوازنة أو مشوبة بالتمييز، وهو ما يفاقم المخاوف المتعلقة باستخدام هذه التقنيات في المجالات الأمنية والرقابية.

وأكد التقرير أن الدول والشركات تتحمل مسؤولية مشتركة في ضمان احترام حقوق الإنسان عند تطوير أو استخدام تقنيات المراقبة الرقمية، داعياً إلى اعتماد مبدأ “العناية الواجبة” في مجال حقوق الإنسان عند تصميم أو تشغيل هذه الأنظمة.

وشدد على ضرورة إجراء تقييمات شاملة ومستقلة لتأثيرات تقنيات المراقبة في الحقوق والحريات قبل اعتمادها أو نشرها، بحيث لا تقتصر هذه التقييمات على الحق في الخصوصية فقط، وإنما تشمل أيضاً الحقوق المرتبطة بحرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمشاركة العامة.

وأوضح أن تقييمات الأثر يجب أن تأخذ في الاعتبار الأضرار المباشرة وغير المباشرة، وكذلك الآثار التراكمية طويلة الأمد التي قد تنشأ عن استخدام هذه التقنيات، خصوصاً في ظل التطور المستمر للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.

ولفت التقرير إلى أن الغموض الذي يحيط غالباً بعمليات المراقبة يمثل أحد أهم أسباب تنامي الآثار المثبطة، إذ إن الأفراد لا يعرفون في كثير من الأحيان ما إذا كانوا خاضعين للمراقبة بالفعل، أو ما الجهات التي تجمع بياناتهم، أو كيفية استخدام تلك البيانات والاحتفاظ بها.

وأضاف أن ضعف الشفافية، وغياب المعلومات الكافية، واتساع صلاحيات بعض الجهات المشغلة لأنظمة المراقبة، كلها عوامل تعزز الشعور بعدم اليقين وتدفع الأفراد إلى افتراض أنهم مراقبون بصورة دائمة، حتى في غياب أدلة واضحة على ذلك.

آليات للمساءلة والانتصاف

أشار التقرير إلى أن الآثار الناجمة عن المراقبة لا تتوقف عند الأشخاص المستهدفين مباشرة، بل تمتد إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي والمهني، وقد تستمر لفترات طويلة تتجاوز الحدث الأصلي المرتبط بالمراقبة، بل ويمكن أن تؤثر في أجيال لاحقة في بعض الحالات.

وأكد أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يضع مجموعة من الضوابط والمعايير التي ينبغي أن تحكم أي نشاط رقابي، وفي مقدمتها الشرعية والضرورة والتناسب، إضافة إلى وجود رقابة مستقلة وآليات فعالة للمساءلة والانتصاف.

ودعت المقررة الخاصة إلى إعادة النظر في السياسات والممارسات المرتبطة بالمراقبة الرقمية، والعمل على تطوير أطر قانونية ومؤسسية أكثر قدرة على مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، ما يضمن حماية الحقوق والحريات الأساسية.

وخلص التقرير إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم لا يتمثل فقط في امتلاك أدوات تكنولوجية أكثر تطوراً، بل في ضمان عدم تحول هذه الأدوات إلى وسيلة لإضعاف المشاركة المدنية وتقويض الحقوق الديمقراطية.

ومع توسع قدرات المراقبة الرقمية وتزايد اعتماد المجتمعات على التكنولوجيا، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إيجاد توازن بين المتطلبات الأمنية من جهة، وصون الحقوق والحريات الأساسية من جهة أخرى، ما يحافظ على المجال العام مفتوحاً أمام المشاركة والتعبير والتنظيم السلمي.