عندما تُستغل جريمة قتل لنشر الأكاذيب حول العرق والامتيازات.. لا بد من المواجهة لا الاستسلام
من السهل النظر إلى أعمال الشغب التي اندلعت عقب إدانة قاتل هنري نوفاك باعتبارها مجرد انفجار غضب من أقلية متطرفة ومستعدة للاشتعال عند أول فرصة. ومن السهل أيضاً تجاهلها على هذا الأساس.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن الفكرة التي غذّت تلك الاضطرابات لم تعد حكراً على الهامش المتطرف. لقد أصبحت جزءاً من الخطاب السائد. إنها الفكرة القائلة إن الأشخاص المنتمين إلى الأقليات العرقية لم يكتفوا بالحصول على المساواة، بل نالوا امتيازات خاصة على حساب البيض، وأصبحوا يتمتعون بنفوذ يتجاوز حقوقهم الطبيعية.
سواء ظهر ذلك في الهجوم على سياسات التنوع والمساواة والشمول، أو في الادعاءات المتكررة حول وجود «شرطة تطبق معايير مزدوجة»، فإن ما نشهده اليوم قد يبدو للوهلة الأولى خليطاً من قضايا متفرقة: الهجرة، أزمة السكن، المخاوف الثقافية، أو حتى الجدل حول العدالة والإنصاف.
لكن جوهر القضية أبسط من ذلك بكثير، هناك اعتقاد متزايد بأن المساواة تجاوزت حدودها، وأن الرجل الأسود أصبح يتمتع بسلطة على الرجل الأبيض.
هذه الفكرة ليست جديدة. إنها تعود بأشكال مختلفة عبر التاريخ، ويعيد اليوم سياسيون مثل نايجل فاراج إنتاجها عندما يزعمون أن بريطانيا تعيش في ظل «ثقافة ذات مستويين»، تقل فيها قيمة حقوق البيض وامتيازاتهم مقارنة بحقوق الأقليات العرقية.
في جوهرها، ليست هذه سوى رد فعل مضاد، ذلك النوع من المقاومة الذي صاحب كل موجة من موجات التقدم في الحقوق المدنية وتوسيع دائرة المشاركة والمواطنة.
لكن ما تغير هو ساحة المعركة.. في الماضي كانت هذه المواجهات تدور حول السياسات والقوانين، مثل حق التصويت أو قوانين الفصل والتمييز. أما اليوم فقد انتقلت إلى المجال الثقافي. أصبحت المعركة تدور حول الحركات الاجتماعية والرموز والرسائل العامة أكثر من النصوص القانونية.
لقد شهدنا حركات مثل “أنا أيضاً” (#MeToo)، ومسيرات النساء، واحتجاجات «حياة السود مهمة». وهي حركات طالبت في معظمها بتغيير الثقافة السائدة أكثر من مطالبتها بتشريعات جذرية.
ولذلك جاءت ردود الفعل المضادة باللغة ذاتها، فظهرت شعارات مثل «ليس كل الرجال» و«حياة البيض مهمة»، لتشكل سياسة هوية مضادة تقوم بدورها على الإحساس بالمظلومية.
لقد سمعت هذه الأفكار في أماكن أكثر هدوءاً بكثير من الشوارع التي شهدت الاضطرابات.. سمعتها في شكاوى أشخاص مقتنعين بأنهم لم يحصلوا على وظيفة لأن صاحب العمل فضل شخصاً من أقلية عرقية. وسمعتها في مخاوف آباء يعتقدون أن أبناءهم لن يتمكنوا من دخول الجامعة التي يرغبون فيها لأن المقاعد ستذهب إلى طلاب سود أو آسيويين لملء «حصص عرقية» مفترضة.
والمثير للاهتمام أن كثيراً من هؤلاء أشخاص عقلانيون في حياتهم اليومية، ولم يتعرضوا يوماً لتمييز فعلي بسبب لون بشرتهم، ومع ذلك يؤمنون بأنهم يعيشون تحت نظام يمارس ضدهم عنصرية ممنهجة.

ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح وفشل حركات المساواة في الوقت نفسه، فعندما يتعلق الأمر بالعدالة العرقية، شهدت السنوات الأخيرة زخماً ثقافياً هائلاً تجسد في رموز وإشارات قوية: الركوع احتجاجاً على العنصرية، إزالة بعض التماثيل التاريخية، إعادة النظر في الإرث الإمبراطوري والمناهج التعليمية، والتوسع في برامج التنوع داخل المؤسسات والشركات ووسائل الإعلام.
وقد خلق كل ذلك انطباعاً بأن الأقليات العرقية أصبحت في موقع متقدم ومهيمن داخل المجال العام، لكن خلف هذه الصورة الرمزية كانت الوقائع مختلفة.
فالأقليات ما زالت تعاني معدلات أعلى من الفقر، ومنها ما يعرف بـ«الفقر المدقع». وما زالت تتعرض لمعدلات أكبر من الرقابة الشرطية والملاحقة القضائية مقارنة بالبيض.
وهنا نشأت المفارقة، فبينما كانت الأقليات تتحدث عن استمرار التفاوتات الحقيقية، كان بعض البيض ينظرون إلى السنوات الأخيرة باعتبارها حقبة من التعويض المفرط، ويتساءلون: ما الذي تشتكون منه بعد كل ما تحقق؟
إلى جانب ذلك، أصبحت العدالة العرقية نفسها لغة وهوية وسردية جامعة، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن السهل أن نفهم كيف يمكن للبعض أن يسعى إلى تقليد هذه السردية وصناعة رواية مضادة خاصة به. فهناك من لا يرغب مطلقاً في أن يكون مكان شخص ينتمي إلى أقلية عرقية، لكنه في الوقت نفسه ينجذب إلى الإحساس بالانتماء الجماعي الذي توفره تلك الهويات.
وهكذا تتحول المظلومية إلى عملة سياسية.
يجري الاستيلاء عليها واستخدامها لحشد الأنصار وتنظيم الاحتجاجات وبناء هوية جماعية جديدة، حتى لو كان ذلك على حساب جماعات أخرى كانت قد خرجت إلى الشوارع أصلاً للمطالبة بالمساواة أو الدفاع عن حقوق النساء أو دعم الفلسطينيين أو مواجهة العنصرية.
لكن هذه الظاهرة ليست معزولة عن سياق أوسع، فهي نتاج تآكل طويل الأمد للمساحات التي كانت تجمع الناس حول مصالح مادية مشتركة بدلاً من الصراعات الهوياتية.
لقد ضعفت الحركة النقابية، وتغيرت طبيعة العمل، وأصبحت الوظائف أكثر هشاشة وأقل استقراراً. كما أدى تراجع الصناعات التقليدية إلى تفكيك المجتمعات العمالية التي كانت توفر شعوراً بالانتماء والتضامن.
ثم جاءت سياسات التقشف لتقوض مزيداً من المساحات العامة، من مراكز الشباب إلى خدمات الدعم الأسري، فازداد انعزال الناس داخل منازلهم، وانتقلوا إلى شاشات هواتفهم، حيث تتشكل تصوراتهم عن العالم من خلال دوائر مغلقة ومشحونة بالاستقطاب.
كل ذلك يحدث في ظل ندرة متزايدة، ندرة في السكن، وضغوط على أنظمة الرعاية الصحية والتعليم، وارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة.
ولا يعني هذا أن العنصرية الصريحة لم تعد موجودة أو أنها ليست عاملاً مؤثراً، بل إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية تجعل من الأسهل تحويل المشاعر العنصرية إلى سلوك سياسي عدواني أو حتى عنيف.
وفي الوقت ذاته، فشلت الحكومات المتعاقبة، سواء كانت محافظة أو عمالية، في تقديم مشروع سياسي جديد قادر على تفسير هذه التحولات.
فبدلاً من بناء سياسة طبقية حديثة توضح للناس أن مشكلاتهم ترتبط بتركيز الثروة والسلطة في أيدي فئات محدودة تستفيد من الخصخصة والاستغلال، تُرك المجال مفتوحاً أمام سرديات أبسط وأكثر إثارة للمشاعر.
وهنا يبرز دور شخصيات مثل نايجل فاراج وإيلون ماسك وغيرهما ممن سارعوا إلى استغلال مقتل هنري نوفاك لتقديمه باعتباره دليلاً على فشل النخب وتغول الهجرة وسياسات التعددية.
إنها روايات قد تبدو عبثية، لكنها تجد صدى لدى أشخاص يشعرون أصلاً بأن النظام تخلى عنهم، ولهذا السبب جرى توظيف هذه الجريمة بهذا القدر من الحماس السياسي.
فالبعض لا يرى فيها مجرد جريمة مأساوية، بل فرصة لتوسيع رقعة الصراع الثقافي، وتصوير الأقليات العرقية وحلفائها باعتبارهم خصوماً يجب مواجهتهم، وتحويل الغضب الشعبي إلى ولاء سياسي لقادة لا يملكون حلولاً حقيقية للمشكلات التي يعانيها الناس.

المؤسف أن جزءاً كبيراً من هذه المعركة خُسر منذ سنوات.. خُسر كلما تهرب قادة التيار الليبرالي من مواجهة حروب الثقافة، أو حاولوا استرضاء الخطابات القومية من خلال الاعتراف بما يسمونه «المخاوف المشروعة» بشأن الهجرة والهوية والحدود.
لكن ضياع الفرص السابقة لا يعني الاستسلام، فالوقت المناسب لبدء المواجهة قد يكون قد مضى، لكن الوقت الثاني الأفضل هو الآن.
إما أن نقبل بأن سياسة المظلومية العرقية ستصبح جزءاً متنامياً من حياتنا السياسية، أو أن نعيد بناء السياسة على أسس مختلفة، عبر مواجهة هذه السرديات المصطنعة التي تُستخدم بوعي كسلاح في معارك النفوذ والاستقطاب.
لن يكون ذلك سهلاً، لكن ما البديل؟.
نقلاً عن الجارديان
