تتداخل في الصومال أزمات الأمن والجفاف وانعدام الغذاء بصورة تجعل الحياة اليومية لملايين السكان معركة مفتوحة من أجل البقاء، بينما تحذّر الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أن استمرار النزاع المسلح وضعف التمويل الإنساني يدفعان البلاد نحو أزمة أعمق تمس الحق في الحياة والغذاء والمياه والصحة والحماية.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، يعيش الصومال تحت وطأة أزمات متراكمة أضعفت مؤسسات الدولة، ووسعت رقعة الهشاشة، وجعلت المدنيين في مواجهة دائمة مع العنف والنزوح والجوع.
ولا تقتصر الأزمة على الهجمات المسلحة التي تنفذها حركة الشباب أو على النزاعات المحلية، بل تتداخل معها موجات جفاف متكررة تضرب الزراعة والرعي ومصادر المياه، لتتشكل ثلاثية قاسية من الإرهاب والنزاع المسلح والجفاف.
وتحذر الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة من أن هذه الأزمات لم تعد منفصلة، بل يغذي بعضها بعضا، بما يهدد حقوقا أساسية مثل الحق في الحياة، والأمن، والغذاء، والمياه، والصحة، والتعليم.
عنف مستمر
تظل حركة الشباب أحد أبرز التحديات الأمنية في الصومال، إذ تواصل تنفيذ هجمات تستهدف المدنيين والمنشآت الحكومية والبنية التحتية الحيوية.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن المدنيين ما زالوا يتحملون العبء الأكبر من الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، سواء من هجمات حركة الشباب أو من الانتهاكات التي تقع في سياق العمليات الأمنية والعسكرية.
ولا تقف آثار العنف عند الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل الخدمات العامة، وتقييد حركة السكان، وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر هشاشة.
وتتسبب الهجمات المسلحة والنزاعات المحلية في موجات متواصلة من النزوح الداخلي، خصوصا في المناطق التي تتداخل فيها الخلافات القبلية والصراع على الموارد والنفوذ السياسي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش إلى أن انعدام الأمن كان سببا رئيسيا في نزوح مئات الآلاف خلال الفترات الأخيرة، بينما يواجه النازحون في المخيمات والمدن أوضاعا معيشية شديدة الصعوبة.
وتفتقر كثير من الأسر النازحة إلى الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، كما تصبح النساء والأطفال أكثر عرضة لمخاطر العنف والاستغلال، في ظل ضعف آليات الحماية والخدمات.
جفاف قاتل في الصومال
يمثل الجفاف أحد أخطر التهديدات في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الزراعة والرعي. فقد أدت مواسم المطر الضعيفة وتدهور مصادر المياه إلى نفوق الماشية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها الأساسية.
وتؤكد وكالات الأمم المتحدة أن الجفاف لم يعد مجرد كارثة بيئية، بل أصبح أزمة حقوق إنسان، لأنه يحرم السكان من الغذاء والمياه والصحة والاستقرار.
ويزداد الخطر عندما يتزامن الجفاف مع النزاع المسلح، إذ تتقلص قدرة المجتمعات على الصمود، وتصبح عمليات الإغاثة أكثر كلفة وتعقيدا.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي والحكومة الصومالية ووكالات أممية في فبراير 2026 من أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال يواجهون مستويات مرتفعة من الجوع، بينما يواجه أكثر من 1.8 مليون طفل خطر سوء التغذية الحاد.
وفي مايو 2026، أشارت نتائج التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 6 ملايين شخص يواجهون انعدام أمن غذائي حادا، وسط تراجع التمويل وارتفاع الاحتياجات.
وتحذّر وكالات الإغاثة من أن نقص التمويل يهدد بتقليص المساعدات الغذائية والعلاجية، في وقت تحتاج فيه الأسر الأكثر هشاشة إلى دعم عاجل للبقاء.
أطفال الصومال مهددون
تؤكد اليونيسف أن ما يقرب من مليوني طفل في الصومال معرضون لخطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، في ظل تداخل الجفاف والنزاع والنزوح وتراجع التمويل الدولي.
ولا تقتصر الأزمة على التغذية، إذ يؤثر الجفاف والنزوح في قدرة الأطفال على الحصول على المياه الآمنة والرعاية الصحية والتعليم، كما يزيد مخاطر الأمراض وسوء الحماية داخل المخيمات والمناطق الهشة.
وتحذّر اليونيسف من أن استمرار هذه الظروف يهدد جيلا كاملا بفقدان فرص النمو والتعليم والحماية.
وتواجه الاستجابة الإنسانية في الصومال فجوة تمويلية خطيرة؛ فقد أعلنت وكالات الأمم المتحدة أن خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 لم تحصل إلا على نسبة محدودة من التمويل المطلوب.
وتقول منظمة “أطباء بلا حدود” إن تقليص الدعم الإنساني أدى إلى خفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية بصورة حادة، بينما لا يحصل كثير من المحتاجين إلا على دعم محدود أو لا يحصلون على دعم إطلاقا.
ويعني ذلك أن الأزمة لا ترتبط فقط بحجم الاحتياجات، بل أيضا بعجز المجتمع الدولي عن تمويل الاستجابة بالسرعة والكفاية اللازمتين.
أزمة مركبة في الصومال
تكمن خطورة الوضع في الصومال في أن الإرهاب والنزاع والجفاف لا تعمل كأزمات منفصلة؛ فالعنف يدفع السكان إلى النزوح، والنزوح يضعف سبل العيش، والجفاف يفاقم الجوع، والجوع يزيد هشاشة الأسر أمام الاستغلال والعنف.
وفي هذه الدائرة، تصبح المجتمعات الأكثر فقرا هي الأكثر تعرضا للخطر، وعلى رأسهم النساء والأطفال والرعاة والمزارعون والنازحون.
ولهذا تؤكد وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الاستجابة الغذائية الطارئة، بل يجب أن تشمل الحماية، والمياه، والصحة، والتعليم، وبناء القدرة على الصمود.
وتظهر أزمة الصومال أن الحق في الحياة لا ينفصل عن الحق في الغذاء والمياه والأمن والحماية؛ فالجوع الناتج عن الجفاف، والنزوح الناتج عن العنف، وغياب الخدمات الأساسية، كلها تشكل انتهاكات مركبة تمس كرامة الإنسان وقدرته على البقاء.
وفي ظل استمرار الهجمات المسلحة وتكرار الصدمات المناخية، يحتاج الصومال إلى استجابة دولية ومحلية أكثر شمولية، لا تكتفي بإدارة الطوارئ، بل تضع حقوق الإنسان في صميم جهود التعافي والاستقرار.
فالملايين في الصومال لا يواجهون أزمة واحدة، بل سلسلة أزمات متداخلة، تجعل كل يوم اختبارا جديدا للقدرة على النجاة.
ثلاثية ضاغطة
وفي مستهل حديثه لـ”صفر”، يرى المحلل السياسي الصومالي الدكتور علي كلني، أن التحديات الأمنية الناجمة عن هجمات حركة الشباب، والتجاذبات السياسية التي اتخذ بعضها طابعا مسلحا، إلى جانب موجات الجفاف المتكررة وما تخلفه من أزمات إنسانية، تشكل ثلاثية ضاغطة تهدد مسار التعافي والاستقرار في الصومال.
ويؤكد كلني أنه رغم الجهود التي تبذلها الحكومة الصومالية وشركاؤها الدوليون لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار، فإن البلاد لا تزال تواجه واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في منطقة القرن الإفريقي، إذ تكشف المؤشرات الإنسانية وتقارير الأمم المتحدة أن الصومال يواجه شبكة متداخلة من الأزمات المتشابكة التي يغذي بعضها بعضا.
ويوضح أن انعدام الأمن يحد من وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، فيما يؤدي الجفاف إلى تفاقم النزوح والفقر، ويخلق بيئة أكثر هشاشة يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، كما أن الخلافات السياسية المتكررة تستنزف قدرات الدولة وتضعف قدرتها على إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية بكفاءة.
ورغم خطورة المشهد، لا يعتقد كلني أن الصومال سيبقى رهينة لهذه التحديات إلى ما لا نهاية، مشددا على أن تجاوزها يتطلب معالجة جذورها العميقة بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها، خاصة في ما يتعلق باستمرار الانقسامات السياسية التي تضعف مؤسسات الدولة وتؤخر بناء توافق وطني شامل، في وقت بات فيه الجفاف تحديا هيكليا يتجاوز كونه أزمة موسمية عابرة.
ويؤكد كلني أن الاستجابة الإنسانية الطارئة لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة، موضحا أن الأمر يتطلب مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية والحكم الرشيد وحماية الحقوق الأساسية، لا سيما مع ضرورة تحسين فرص التعليم والرعاية الصحية، وضمان الوصول إلى المياه، وتعزيز سبل العيش المستدامة، ما يمثل ركائز أساسية للحد من تكرار الأزمات الإنسانية.
وفي هذا السياق، يشدد كلني على أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع الدولي في مواجهة هذه الثلاثية القاتلة، قائلا: “يتعين على المجتمع الدولي خلال هذه المرحلة الحساسة، دعم الصومال ليس فقط عبر تمويل الاستجابة الإنسانية العاجلة، وإنما أيضا من خلال الاستثمار في مشاريع التكيف المناخي والتنمية طويلة الأمد، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، إلى جانب دعم جهود المصالحة السياسية، وبناء المؤسسات الأمنية، وتوسيع برامج التنمية المحلية”.
الخروج من النفق
بدوره حذّر المحلل المتخصص في الشأن الصومالي، عبد الشكور عبد الصمد، في حديثه لـ”صفر”، من استمرار الصومال تحت وطأة الإرهاب والنزاعات المسلحة والجفاف، مؤكدا أن تواصل تأثير هذه الثلاثية الكارثية يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار والتنمية في البلاد.
وأشار عبد الصمد إلى أن الخروج من هذه الدائرة المعقدة يتطلب إرادة سياسية صلبة من مختلف القوى الصومالية، تقوم على ترسيخ الوحدة الوطنية وتغليب المصلحة العليا للدولة على الحسابات الضيقة، فضلا عن تجاوز الخلافات التي أفرزت تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة.
وفي ما يتعلق بمسارات الحل، يرى عبد الصمد أن تجاوز هذه التحديات يستدعي تحركا مسؤولا من قبل العقلاء والحكماء في المشهد السياسي الصومالي، عبر الاستجابة للاستحقاقات الدستورية والالتزام بالشرعية القانونية، وصولا إلى إجراء انتخابات تفضي إلى تشكيل حكومة قادرة على استكمال متطلبات الإجماع الوطني وقيادة البلاد نحو مرحلة أكثر استقرارا واستعادة عافيتها السياسية والمؤسسية.
وشدد على أن تحقيق هذا المسار يظل رهنا بتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى مختلف الأطراف الصومالية، إلى جانب دور داعم من المجتمع الدولي، لا سيما دول الجوار، من خلال تقديم المشورة والمساندة اللازمة بما يسهم في تعزيز فرص التوافق الوطني وترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في البلاد.
التجاذبات السياسية
من جانبه، يرى المحلل السياسي الصومالي حسن نور، في حديثه لـ”صفر”، أن الدولة الصومالية بذلت خلال السنوات الأخيرة جهودا أمنية مكثفة ومتواصلة لمواجهة التحديات الأمنية، وهو ما انعكس بشكل واضح على الأوضاع الأمنية، لا سيما في العاصمة مقديشو.
وفي تعليقه على المواجهة الأخيرة بين قوى المعارضة وقوات الشرطة في مقديشو، نفى نور صحة الاتهامات التي يوجّهها بعض أنصار المعارضة للرئيس الصومالي، بشأن استغلال نفوذه أو استخدام أدوات الدولة للضغط على خصومه السياسيين، معتبرا أن هذه الاتهامات تفتقر إلى الأدلة الموضوعية، إذ يرى أن جزءا من الخلاف القائم يرتبط بالنقاش الدائر حول مستقبل العملية السياسية وآليات اختيار القيادة في البلاد.
ويشير إلى أن بعض أطراف المعارضة تسعى إلى عرقلة المقترحات المتعلقة بتوسيع المشاركة الشعبية في الانتخابات، حفاظا على الصيغ التقليدية التي تمنح نفوذا أكبر للنخب والاصطفافات القبلية في عملية اختيار رئيس الدولة.
وعن تأثير الخلافات السياسية على جهود مكافحة الإرهاب، أكد نور أن استمرار الانقسام السياسي ينعكس سلبا على المعركة ضد حركة “الشباب”، موضحا أن توحيد جهود المعارضة ومؤسسات الدولة كان من شأنه تعزيز فرص القضاء على التنظيم المتطرف وتقليص قدرته على إعادة تنظيم صفوفه.
وأضاف أن تشتيت الجهود الوطنية يصب في نهاية المطاف في مصلحة الجماعات المتطرفة التي تسعى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإرباك المشهد السياسي، محذرا من أن تصاعد الصراع بين الحكومة والمعارضة حول السلطة والمناصب قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، بما يفتح المجال أمام عودة التهديدات الأمنية وتجدد الهجمات والتفجيرات في العاصمة ومناطق أخرى من البلاد.

