لم يعد شح المياه في العالم العربي أزمة بيئية مرتبطة بتقلبات الطقس فقط، بل أصبح قضية حقوقية وإنسانية تمس الحق في الحياة والصحة والغذاء والكرامة، فالحصول على مياه آمنة وصالحة للشرب -وهو حق أكدته الأمم المتحدة باعتباره من حقوق الإنسان الأساسية- بات صعب المنال لملايين السكان في المنطقة.
وتصنف المنطقة العربية ضمن أكثر مناطق العالم فقراً بالمياه، في ظل تراجع حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة، واتساع الفجوة بين الطلب المتزايد والإمدادات المحدودة.
وتزداد الأزمة تعقيداً بفعل النمو السكاني، والتغير المناخي، وسوء إدارة الموارد، والنزاعات التي تجعل المياه في بعض الحالات أداة ضغط سياسي أو عسكري.
العدالة المائية تحت الضغط
تكشف مؤشرات التنمية المائية أن عدداً كبيراً من سكان المنطقة يعيش تحت مستويات شديدة من الفقر المائي، ما يضع الحكومات أمام مسؤولية مباشرة في ضمان التوزيع العادل للمياه، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من الحرمان.
ولا يمكن التعامل مع المياه بوصفها سلعة تخضع فقط للقدرة على الدفع أو الموقع الجغرافي أو النفوذ المحلي، فغياب العدالة في توزيع المياه يضاعف الفوارق بين المدن والأرياف، وبين الأحياء الغنية والمناطق المهمشة، ويجعل الفقراء يدفعون ثمناً أعلى للحصول على خدمة يفترض أن تكون أساسية ومضمونة للجميع.
ولا تكمن المشكلة في ندرة المياه وحدها، بل في تدهور جودة المتاح منها، فالمخلفات الصناعية، والمياه العادمة غير المعالجة، والتلوث النفطي، كلها عوامل تهدد الأنهار والمياه الجوفية ومصادر الشرب في عدد من الدول العربية.
ويؤدي التلوث إلى ارتفاع مخاطر الأمراض، وتراجع الإنتاج الزراعي، وتدمير النظم البيئية، كما يحول بعض مصادر المياه إلى بؤر صحية خطرة بدلاً من كونها مورداً للحياة.
ويزداد الأمر خطورة في المناطق التي تعاني ضعفاً في الرقابة البيئية أو غياباً للبنية التحتية الخاصة بمعالجة المياه.
الجفاف وتغير المناخ
تفاقم موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار من أزمة المياه في المنطقة العربية. كما يؤدي تملح المياه الجوفية وتدهور الأحواض المائية إلى خروج مساحات زراعية من الخدمة، خصوصاً في مناطق تعتمد بشكل كبير على الزراعة التقليدية والري المكثف.
ويؤثر ذلك مباشرة في الأمن الغذائي وفرص العمل الريفي، ويدفع مزيداً من السكان إلى الهجرة الداخلية أو النزوح نحو المدن، حيث تصبح البنية التحتية والخدمات الأساسية تحت ضغط إضافي.
وفي كثير من المناطق الريفية وأحزمة الفقر ومخيمات النازحين، أصبح الحصول على المياه رحلة يومية تستنزف المال والوقت والجهد، وتضطر أسر عديدة إلى شراء مياه من صهاريج غير مضمونة الجودة، أو دفع مبالغ كبيرة لتشغيل مضخات واستخراج مياه قد تكون ملوثة.
وتتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر في جمع المياه، ما يؤدي إلى ضياع ساعات طويلة يومياً كان يمكن أن تُستخدم في التعليم أو العمل أو الراحة.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل خاص على الفتيات، إذ قد يدفع نقص المياه بعض الأسر إلى إخراجهن من المدارس للمساعدة في جلب المياه أو القيام بأعمال منزلية مرتبطة بها.
الصحة في دائرة الخطر
يرتبط نقص المياه النظيفة وتدهور خدمات الصرف الصحي بانتشار أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والإسهال الحاد وأمراض الكلى، خاصة بين الأطفال وكبار السن والفئات الفقيرة.
ولا تقتصر المخاطر على الأمراض المعدية فقط، فالتلوث الصناعي والكيميائي قد يرفع احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة طويلة الأمد.
ومع ضعف الأنظمة الصحية في بعض الدول المتأثرة بالنزاعات أو الأزمات الاقتصادية، يصبح المرض نتيجة مباشرة لفشل السياسات المائية والبيئية.
وعندما تصبح المياه نادرة أو غير متاحة بعدالة، تتحول إلى مصدر توتر داخل المجتمعات، فقد يؤدي التنافس على الآبار أو صهاريج التوزيع أو مصادر الري إلى نزاعات محلية، خاصة في المناطق التي تعاني هشاشة أمنية أو ضعف مؤسسات الدولة.
وتزيد رحلات جلب المياه في المناطق النائية من تعرض النساء والفتيات لمخاطر أمنية واجتماعية، وهو ما يجعل أزمة المياه مرتبطة أيضاً بالحماية الشخصية والسلامة المجتمعية، وليس بالصحة والاقتصاد فقط.
النزوح المائي
أصبحت أزمة المياه أحد دوافع النزوح الداخلي والهجرة في مناطق عربية عدة، خصوصاً حيث يتقاطع الجفاف مع الفقر وتراجع الزراعة وتملح الأراضي.
وتؤدي هذه الحركة السكانية إلى ضغط إضافي على المدن الكبرى، وتوسع الأحياء العشوائية، وارتفاع الطلب على خدمات المياه والصرف الصحي والعمل.
وبذلك تتحول أزمة المياه من مشكلة بيئية إلى أزمة ديموغرافية واجتماعية، قد تؤثر في استقرار المجتمعات إذا لم تتم معالجتها بسياسات شاملة وعادلة.
وتحتاج المنطقة العربية إلى مقاربة جديدة لإدارة المياه، تقوم على اعتبار المياه حقاً إنسانياً لا مجرد مورد اقتصادي.
وتشمل هذه المقاربة حماية المصادر المائية من التلوث، وتطوير شبكات الصرف والمعالجة، وتقليل الهدر، وتحديث أنظمة الري، وتوسيع استخدام المياه المعاد تدويرها والتحلية بالطاقة المتجددة.
ويتطلب الأمر تعزيز التعاون الإقليمي في الأحواض المشتركة، وتفعيل ما يمكن تسميته بدبلوماسية المياه، حتى لا تتحول الموارد العابرة للحدود إلى مصدر دائم للتوتر، فالأمن المائي في المنطقة لم يعد ملفاً تقنياً، بل شرط أساسي للصحة والتنمية والاستقرار.
العدالة المائية في الوطن العربي
أكد خبير البيئة والتنمية المستدامة، محمود العيسوي، أن مفهوم “العدالة المائية” في الوطن العربي قد تخطى حدود الشعارات النخبوية والمداولات المؤتمرية التنموية، ليتشكل اليوم بوصفه ضرورة حقوقية ملحة ترتبط ارتباطاً عضوياً بحق الإنسان الأساسي في الحياة الكريمة، خصوصاً في ظل تصاعد حدة ندرة المياه ووقوع الجزء الأكبر من الدول العربية تحت خط الفقر المائي الحاد بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي للبيئة.
ونبه العيسوي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن آثار التغير المناخي المستجدة لعامي 2025 و2026 باتت تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن المجتمعي، نتيجة موجات الجفاف الحادة المتكررة، وتراجع معدلات الأمطار، وانخفاض مناسيب الموارد المائية السطحية والجوفية.
وأشار إلى أن العدالة المائية في منظوره المتخصص تعني “ضمان حصول كافة المواطنين على مياه آمنة، ونظيفة، وبكميات كافية، دون تمييز قائم على الموقع الجغرافي أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مع تحقيق التوزيع المتكافئ للموارد بين الحضر والريف وبين الأجيال الحالية والقادمة”.
وفي تفكيكه للموانع الهيكلية التي تحول دون تمتع الساكنة العربية بهذا الحق الإنساني الذي أقرته الأمم المتحدة، أكد الخبير البيئي أن هناك مصفوفة من التحديات الجيوسياسية والطبيعية المتشابكة؛ وجاء في مقدمتها اعتماد دول عربية عدة على مصادر مائية مشتركة أو عابرة للحدود، ما يضع أمنها المائي تحت رحمة التقلبات السياسية والمناخية.
ونبه كذلك إلى التدهور الحاد في البنية التحتية وضبابية خطط التمويل الموجهة لقطاع المياه، ما يتسبب في هدر وفاقد كمي هائل للشبكات القديمة، بالتوازي مع الضغوط الناشئة عن التوسع العمراني والهجرات الداخلية نحو المدن.
ولم يغفل العيسوي الإشارة الحثيثة إلى الممارسات الناتجة عن الصراعات والحروب وظروف الاحتلال في عدد من النطاقات العربية، حيث أكد أنها تؤدي مباشرة إلى تحوير قسري لمسارات الأنهار والمجاري المائية، والتدمير الممنهج للبنية التحتية للصرف الصحي وشبكات الإمداد، ما يحرم ملايين النازحين والسكان من الوصول المنتظم للمياه الآمنة.
وعلى الصعيد الصحي والمعيشي، حذر خبير التنمية المستدامة من الكلفة الباهظة الناتجة عن ثنائية التلوث الكيميائي والجفاف، مؤكداً أن إلقاء المخلفات الصناعية والمواد الكيميائية غير المعالجة في الأنهار والبحيرات يتسبب في نقل سموم المعادن الثقيلة إلى الإنسان عبر مياه الشرب والمحاصيل الغذائية والأسماك، الأمر الذي أدى إلى قفزة في انتشار الأمراض المعوية المزمنة والأورام السرطانية، فضلاً عن مضاعفة الفاتورة العلاجية المرهقة على كاهل الأسر والحكومات.
وأشار إلى أن الجفاف يضاعف هذه الكارثة؛ حيث يؤدي انخفاض المنسوب المائي إلى رفع تركيز الأملاح والملوثات في المياه المتبقية، ما يجعل عمليات المعالجة التقنية معقدة وعالية التكلفة، ويدفع الفئات الهشة للجوء إلى مصادر ملوثة وغير خاضعة للرقابة الصحية.
وفي أبعادها الإنسانية والسوسيولوجية، نبه محمود العيسوي إلى أن “رحلة البحث اليومية عن قطرة ماء” في المناطق النائية وأحزمة الفقر تُشكل استنزافاً مدمراً لطاقة المجتمعات؛ حيث أشار إلى أن العبء الأكبر لهذه الرحلة الشاقة يقع على عاتق النساء والأطفال، ما يتسبب في ضياع آلاف الساعات الإنتاجية التي كان يمكن استثمارها في العمل والتنمية، ويرتبط مباشرة بارتفاع مؤشرات التسرب المدرسي وبخاصة لدى الفتيات.
واختتم خبير البيئة والتنمية المستدامة تصريحه بتأكيد أن الانعكاسات الاقتصادية لنقص المياه تؤدي إلى تقليص الحركية الإنتاجية في المجتمعات الريفية والزراعية وتعميق بؤر الفقر نتيجة التكاليف الإضافية التي تنفقها الأسر لشراء صهاريج مياه غير مأمونة، مشدداً على أن القضية تتجاوز البُعد البيئي لتطول كرامة الإنسان وعدالة الخدمات، ومؤكداً أن ضمان الأمن المائي المستدام ليس مجرد خدمة عامة، بل هو الاستثمار الحقيقي والأوحد لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وأهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية.
معركة السيادة المائية
من جانبه، أكد الباحث المغربي، لحسن العسبي، أن الحق في الماء الشروب الصحي والنظيف يعد ركيزة دستورية ثابثة وأولوية استراتيجية للمملكة المغربية، مفنداً في الوقت ذاته شائعات وجود “أزمة عطش” بالمفهوم المطلق والداهم في البلاد، بالرغم من موجات الجفاف التاريخية المتلاحقة التي تضرب المنطقة العربية.
ونبه العسبي، في تصريح خاص لـ”صفر”، إلى خطورة الهبوط المتسارع في حصة الفرد المائية؛ حيث أشار استناداً إلى دراسة علمية رصينة للدكتور عبد الله العوينة، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، تحت عنوان “الماء في المغرب”، إلى أن مصادر المياه للفرد الواحد تراجعت من 1200 متر مكعب في تسعينات القرن الماضي إلى 950 متراً مكعباً في عام 2000.
وحذر العسبي من أن هذه الحصة ستنخفض في أفق عام 2030 لتصل إلى 632 متراً مكعباً سنوياً بفعل التغير المناخي، وهو مؤشر يقترب بشدة من عتبة “الخطر العالمي الحاد للندرة المائية” المحددة بـ 500 متر مكعب؛ مبيناً أن هذه الأرقام تأتي بعد أن كان سقف حصة الفرد يتجاوز 3 آلاف متر مكعب قبل أربعة عقود فقط. ومع ذلك، أشار إلى أن المغرب يظل في وضع تدبيري وبيئي أفضل بكثير مقارنة بباقي دول الفضاء المغاربي.
وأوضح الباحث المغربي أن الإطار التشريعي المنظم للمياه مر بمراحل تراكمية متلاحقة منذ نهاية الستينيات وحتى صدور القانون المدقق رقم 36.15 والفصل 31 من دستور 2011، لمواجهة تحديين رئيسيين: الأول مناخي متمثل في توالي سنوات الجفاف منذ عام 1981، حيث سجلت المرحلة بين 2019 و2025 واحدة من أطول وأقسى فترات الجفاف المتوالية التي لم يشهد المغرب مثيلاً لها منذ عام 1876 (أي منذ أكثر من 149 عاماً)، والثاني بشري وفلاحي، يكمن في النمو السكاني السريع واتساع المساحات المزروعة بملايين الهكتارات.
وفي استعراضه للمقاربة الجغرافية الحاكمة لحركة الأمطار، أشار العسبي تنويراً للرأي العام في المشرق العربي، إلى أن “خط المطر” المغربي (فوق خط عرض 30) يختلف كلياً عن باقي دول شمال إفريقيا والمشرق العربي؛ لارتباطه العضوي بالمجال الهوائي للمرتفع الآصوري الذي يتحكم في سيرة المطر للمغرب، والبرتغال، وإسبانيا بالتزامن.
ونبه إلى أن جبال الأطلس المغربية الشاهقة وجبال “سييرا نيفادا” الإسبانية تشكل حواجز طبيعية ضخمة تصد التيارات الجافة وتدعم تياراً بحرياً رطباً وخاصاً، يرفع معدل التساقطات السنوية في الأوقات المطيرة إلى ما بين 400 و600 ملمتر.
وحول حقيقة انقطاع المياه، أكد العسبي أنه من التجني الحكم بإطلاقية على وجود أزمة عطش قائمة، بدليل استمرارية تدفق المياه الصالحة للشرب دون انقطاع في كافة الحواضر والمجمعات الصناعية.
وأوضح أن الإجراءات التدبيرية المؤقتة خلال مواسم الجفاف لا تتعدى انقطاعات ظرفية في المناطق الصحراوية والمتاخمة لها المتميزة بضعف كثافتها السكانية؛ في حين تتمتع المناطق الجبلية (الخزان الطبيعي للمملكة) بوفرة مائية مستدامة بفضل الثلوج والعيون الجارية، ما حال دون تسجيل أي حالات نفوق للماشية أو أزمات عطش للساكنة، رغم أن البنية التقنية للدولة لم تستكمل إيصال الشبكات لكل القرى بنسبة 100% مقارنة بنجاح تعميم الكهربة القروية التي بلغت 97%.
واختتم العسبي تصريحه بتسليط الضوء على الركائز الثلاث للاستراتيجية المائية المغربية لعام 2026، والتي تضمن السيادة المائية؛ وتتمثل في: مواصلة تشييد السدود الكبرى والمتوسطة حيث يمتلك المغرب 156 سداً كبيراً و149 سداً متوسطاً (متصدراً القارة الإفريقية) باحتياطي بلغ 12.52 مليار متر مكعب حتى 22 مارس 2026 من أصل قدرة استيعابية تبلغ 22 ملياراً.
وقال إن الركيزة الثانية هي التوسع الضخم في محطات تحلية مياه البحر مستغلين 3500 كم من الشواطئ، لتتوج بمحطة الدار البيضاء الكبرى إفريقياً بنهاية 2026، والركيزة الثالثة هي إنجاز “الطريق السيار للمياه” منذ 2023 لربط الأحواض الشمالية بالجنوبية، مانعاً ضياع 2.7 مليار متر مكعب من مياه السماء في البحر سنوياً.
وأشاد في الوقت نفسه بالتقنيات الوطنية الرائدة التي برزت في نهائيات كأس إفريقيا للأمم نهاية عام 2025 لتصريف وحفظ المياه وعمليات الري بالتنقيط الفلاحي، مدعومة بإرث اجتماعي وتطوعي وتجربة عمل تعاوني للأهالي والمجتمع المدني، والتي حظيت برعاية مؤسساتية ومالية ملموسة عبر “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” المستمرة منذ عام 2005.

