سونيا شو
تريد العائلات في كاليفورنيا مدارس تُعلّم أبناءها القراءة والكتابة والتفكير النقدي، لكن ما يحدث في بعض المؤسسات التعليمية يسير في اتجاه مختلف تماماً.
ففي منطقة سان فرانسيسكو التعليمية الموحّدة، جرى تنظيم ورش عمل تُصوّر المعلمين باعتبارهم جزءاً من منظومة قمعية، وتصف سلطة المعلم داخل الفصل الدراسي بأنها شكل من أشكال «هيمنة البالغين» على الطلاب.
قد يبدو الأمر أقرب إلى السخرية، لكنه حدث بالفعل. ففي أبريل الماضي نظّمت منظمة «المعلمون من أجل العدالة الاجتماعية» تدريباً داخل مدرسة جون أوكونيل الثانوية، انطلق من فرضية أن العلاقة بين المعلم والطالب علاقة قمعية بطبيعتها بسبب ما سمّاه المنظمون «اختلال موازين القوة داخل النظام».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى التشكيك في المعايير الأكاديمية التقليدية ووصمها بأنها ذات جذور أوروبية وتفتقر إلى البعد الإنساني.
من حق أولياء الأمور أن يشعروا بالغضب. فبينما لا يزال أكثر من نصف طلاب كاليفورنيا غير قادرين على القراءة بالمستوى المناسب لأعمارهم الدراسية، تنشغل بعض الإدارات التعليمية بالترويج لنظريات أيديولوجية تعد السلطة التربوية مشكلة، وتُصوّر الانضباط والتوقعات الأكاديمية باعتبارها شكلاً من أشكال الاضطهاد.
في رأيي، هذه ليست مجرد برامج توعية أو تدريبات حساسة، بل إخفاق تربوي حقيقي.
عندما يُطلب من الطلاب النظر إلى السلطة والانضباط والمعايير المرتفعة باعتبارها أدوات للهيمنة، فإن الرسالة التي تصل إليهم واضحة: السياسة أهم من الإنجاز، والشعارات أهم من التحصيل العلمي.
وقد بدأت نتائج هذا النهج تظهر بالفعل داخل الجامعات.
فمئات أعضاء هيئة التدريس في جامعة كاليفورنيا، بينهم رؤساء سبعة من أصل تسعة أقسام للرياضيات، وقعوا مؤخراً رسالة مفتوحة يطالبون فيها بإعادة اختبارات الرياضيات المعيارية بوصفها جزءاً من شروط القبول في التخصصات العلمية والهندسية.
والسبب بسيط من وجهة نظرهم: منذ أن تخلت الجامعة عن اختبارات «SAT» و«ACT»، شهد مستوى الطلاب في الرياضيات تراجعاً حاداً.
وفي إحدى الجامعات، ارتفع عدد الطلاب الذين يحتاجون إلى برامج تقوية في الرياضيات الأساسية بمعدل يقترب من ثلاثين ضعفاً. وأصبح الأساتذة يقضون جزءاً من وقتهم في تدريس العمليات الحسابية الأولية داخل مقررات أُعدت أساساً لتأهيل مهندسين وعلماء رياضيات وباحثين مستقبليين.
هذا ما يحدث عندما تفقد منظومة التعليم المدرسي بوصلتها الأساسية.

فالنهج السائد اليوم يقوم على التشكيك في دور المعلم، وخفض المعايير، وإضعاف المتطلبات الأكاديمية، ثم إبداء الدهشة عندما يصل الطلاب إلى الجامعة وهم غير مستعدين لمواصلة تعليمهم.
المدارس الناجحة لم تُبنَ يوماً على هذه الأفكار. لقد قامت دائماً على معادلة واضحة: معلمون أكفاء، ومعايير مرتفعة، وتركيز كامل على التعلم.
المعلمون ليسوا مضطهِدين، بل هم الأشخاص الذين يساعدون الأطفال على اكتشاف قدراتهم وتحقيق إمكاناتهم.
وعلى مدى أجيال، شكّل المعلمون الجسر الذي عبر من خلاله ملايين الطلاب من الطفولة إلى فرص التعليم والعمل والحياة الفضلى. لقد علموهم القراءة والكتابة والحساب والتفكير، وفتحوا أمامهم أبواب الجامعات والمهن والمستقبل.
هذا هو الدور الحقيقي للمدرسة، لكن بعض النقابات والإدارات الناشطة سياسياً باتت تتعامل مع الفصول الدراسية باعتبارها مختبرات لتجربة نظريات اجتماعية راديكالية، بدلاً من كونها أماكن لاكتساب المهارات الأساسية. وفي النهاية يدفع الطلاب الثمن.

ما يحدث اليوم يجب أن يكون جرس إنذار ليس لكاليفورنيا وحدها، بل للولايات المتحدة بأكملها.
فعندما تحل الأيديولوجيا محل الأساسيات، تتراجع مستويات القراءة والرياضيات، ويتخرج الطلاب بمهارات أقل، وتضطر الجامعات إلى خفض توقعاتها، في حين يواجه أصحاب الأعمال صعوبة متزايدة في العثور على كوادر مؤهلة.
العائلات في كاليفورنيا لا تطالب بندوات حول «ديناميكيات القوة» أو بنظريات سياسية داخل الفصول الدراسية. ما تريده ببساطة هو مدارس تركز على القراءة والكتابة والرياضيات والمهارات التي يحتاجها الأبناء للنجاح في حياتهم.
لقد حان الوقت للتوقف عن الانشغال بمن يُفترض أنه يضطهد من، والعودة إلى جوهر العملية التعليمية.. أطفالنا يستحقون أفضل من ذلك.
نقلاً عن نيويورك بوست