تتجذر في مفاصل الأنظمة العالمية كراهية بنيوية صامتة وتمييز مؤسسي عابر للحدود، يستهدف المثليات ومزدوجات الميل الجنسي والنساء من أحرار الهوية الجنسانية، في تكريسٍ لتبعية هيكلية تتجاوز السلوكيات الفردية لتصبح انعكاساً مباشراً للأطر الأبوية العميقة.
وتجد هؤلاء النساء أنفسهن في “منطقة ظل” حقوقية وبياناتية، حيث يُسحب منهن الاعتراف القانوني وتُصادر حقوقهن الأساسية في الاستقلالية الجسدية، والملكية، والرعاية الصحية، والأمان، بجعلها مشروطة بمدى امتثالهن للأدوار الإنجابية التقليدية والمعايير الجندرية النمطية.
وفي هذا السياق، يأتي تقرير الخبير المستقل المعني بالحماية من العنف والتمييز القائمين على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية، غرايمي ريد، المقدم في الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان 2026.
وتستعرض وثيقة الأمم المتحدة، تحليلاً دقيقاً يهدف إلى تفكيك آليات العنف والتمييز الممنهج الذي يواجه هذه الفئات على مستوى العالم، كاشفاً عن الالتزامات الدولية الواجبة لإرساء العدالة والمساواة.
فخ القانون والأرقام الصادمة
تكشف البيانات الرسمية الصادرة في الأطر الدولية عن واقع مأساوي يحيط بالنساء على مستوى العالم، حيث تعيش أقل من 5 في المئة فقط من النساء في بلدان توفر ما يمكن اعتباره قريباً من المساواة القانونية الكاملة، في حين لا يتيح أي اقتصاد عالمي فرصاً اقتصادية متكافئة للمرأة حتى الآن.
وتمتد أشكال التبعية الهيكلية وكراهية النساء المستمرة عبر مختلف المؤسسات لتصوغ تشريعات تفرض قيوداً صارمة على الحريات الأساسية؛ إذ تقيد ثلث دول العالم حرية تنقل النساء بشكل مباشر.
وفي سياقات أسرية وقانونية بالغة الإجحاف، تفرض 19 دولة نصاً قانونياً يُلزم النساء بطاعة أزواجهن، وتتبنى 65 دولة قوانين تمنح حقوقاً غير متكافئة في ما يتعلق بالحق في الزواج مرة أخرى، بينما تمنع 14 دولة النساء تماماً من مغادرة منزل الزوجية أو السفر بحرية داخل حدود بلادهن على قدم المساواة مع الرجال، فضلاً عن حرمان المرأة في دول عديدة من حق نقل الجنسية التلقائي إلى أطفالها أو زوجها.
وتتكامل هذه المنظومة التمييزية لتضع شروطاً صارمة للاعتراف القانوني الكامل بالمرأة، جاعلة من الزواج التقليدي من رجل والالتزام التام بالمعايير الأدوار الإنجابية المتوقعة صكاً وحيداً للحصول على الصفة الفاعلة والشرعية في التحليل السياسي والاجتماعي والمجال العام.
ونتيجة لهذا التفضيل البنيوي الحاد لأشكال الأسرة التقليدية المبنية على العلاقة بين الجنسين، فإن المساواة للنساء غير المتزوجات أو العازبات نادراً ما تؤخذ في الاعتبار أو تدرج ضمن خطط الحماية، ناهيك عن ضمانها أو توفير آليات لتطبيقها.
ويؤدي هذا التداخل المؤسسي الأبوي إلى تنظيم السلوك البشري عبر إنتاج تشريعات مموهة تعيد صياغة الإقصاء الجنساني باعتباره منهجية محايدة، مما يترتب عليه معاقبة النساء اللواتي يتحدين هذه الهياكل عبر تعريضهن بشكل مستمر للإساءة اللفظية، التحرش عبر الإنترنت، الاعتداءات الجسدية، والعنف الجنسي الفج بهدف المساس بسلامتهن واستقلاليتهن.
السقوط في الفجوة الحقوقية
على الرغم من الحماية الواضحة والمباشرة التي يوفرها القانون الدولي لحقوق الإنسان لجميع النساء، بما يضمن حقوقهن في المساواة، وعدم التمييز، والاستقلالية الجسدية، والصحة، والحياة الأسرية، فإن المثليات ومزدوجات الميل الجنسي والنساء من أحرار الهوية الجنسانية يقعن ضحية فجوة عميقة ودورية بين الأطر الحقوقية المختلفة.
ويعود هذا السقوط الحقوقي إلى تغييبهن شبه الكامل عن البيانات الرسمية المعتمدة، وهو الإقصاء الذي تدعمه تحيزات منهجية داخل آليات الرصد والمؤسسات السياساتية، حيث تُوصف تجارب هذه الفئات تارة بأنها “معقدة للغاية” وتارة أخرى بأنها “خاصة” أو “غير مدعومة بأدلة كافية لتوثيقها”، ما يعيد إنتاج الأنماط الهيكلية السائدة التي تتجاهل البحوث المتعلقة بالمرأة كلياً.
وتتجلى ثنائية الإقصاء عند فحص الأطر الحقوقية الموازية؛ فمن ناحية، ركزت آليات حقوق المرأة والمنظمات النسوية تاريخياً على مكافحة التمييز داخل الهياكل الأسرية التقليدية فحسب، بينما ركزت الأطر المتعلقة بمجتمع الميم والمثليين بشكل كبير على الحياة الجنسية للرجال وصحتهم والاعتراف القانوني بهم.
هذا الخلل البنيوي جعل قضايا النساء المثليات ومزدوجات الميل الجنسي غائبة تماماً عن البرامج والتشريعات المخصصة لحماية العمال، وخدمات مكافحة العنف الجنساني، واللجوء.
ولا يقتصر التهميش على المؤسسات الرسمية للدول، بل يمتد ليشمل شروط وأولويات التمويل الدولي؛ حيث تشير المنظمات المعنية بقضايا المثليات ومزدوجات الميل الجنسي والنساء من أحرار الهوية الجنسانية إلى أن الحصول على الموارد المالية والتمويل اللازم لتطوير أنشطة دعوية مستدامة ومستقلة يظل مشروطاً بالتوافق التام مع أولويات مجتمع الميم التي تركز بالأساس على الرجال، مما يعمق أزمة الموارد ويحد من الأعمال الخاصة بهن.
الإقامة الجبرية والحرمان
تمثل الحقوق الاقتصادية، وفي مقدمتها حرية التنقل وحق امتلاك الممتلكات والأراضي، ساحة رئيسية لفرض التبعية وتجريد المثليات ومزدوجات الميل الجنسي والنساء من أحرار الهوية الجنسانية من استقلاليتهن؛ حيث تقيد أحكام أنظمة الوصاية الذكورية حرية حركتهن وسفرهن أو عملهن ودراستهن.
وتأخذ هذه القيود طابعاً عقابياً صارماً داخل الأسر عند اكتشاف علاقات بين أفراد من نفس الجنس أو الاشتباه فيها؛ إذ تعمد العائلات إلى مصادرة الهواتف ومراقبة الاتصالات لمنع التواصل مع الشركاء، مما يجعل الزواج من رجل هو السبيل الوحيد المتاح للهروب من هذه الرقابة اللصيقة.
وفي قطاع الأراضي والإسكان، يفرض خمس دول العالم قيوداً صريحة على حقوق الملكية للمرأة، وهي القوانين التمييزية التي نشأ معظمها إبان عهد الحكم الاستعماري، وظلت سارية لتعيد إنتاج نماذج الأسرة الأبوية التي تحرم النساء غير المتزوجات من الميراث عائلاتهن كعقوبة، أو تقصيهن من التعاونيات النسائية وبرامج التمويل الأصغر التي تشترط التحقق من الحالة الاجتماعية.
ويمتد هذا الإقصاء إلى سوق العقارات الخاص، حيث توثق التقارير حالات طرد جماعي من المنازل وفقدان الحق في الوصول إلى الممتلكات المشتركة، فضلاً عن رفض الملاك تأجير الشقق للنساء العازبات أو المثليات ذوات الإعاقة ما لم يُدرج اسم ولي أمر ذكر في عقد الإيجار.
ويتفاقم هذا التمييز في السياقات التي لا تعترف قانونياً بالعلاقات بين أفراد من نفس الجنس، مما يحرم النساء من حق التملك المشترك، أو إبرام عقود إيجار موحدة، أو المطالبة بحقوق الميراث التلقائية عند وفاة الشريكة، وهو ما يتحول إلى مأساة حقيقية في أوقات الأزمات والحروب والصراعات.
وعند مقتل إحدى الشريكتين، يُحرم الطرف الباقي على قيد الحياة من الاعتراف العائلي، ويُستبعد تماماً من اتخاذ قرارات الجنازة أو رؤية الجثمان، مع حرمانه الكامل من التعويضات واستحقاقات الورثة.
المنظومة الصحية كأداة للانتهاك
يتعرض الحق في الصحة لانتهاكات جسيمة وممنهجة تحول المؤسسات الطبية من ملاذ آمن إلى أدوات لفرض الرقابة والعقاب على المثليات ومزدوجات الميل الجنسي والنساء من أحرار الهوية الجنسانية؛ حيث تشمل الممارسات الشائعة منع الإجهاض، رفض تقديم علاجات الخصوبة، وصف وسائل منع الحمل دون أي دواعٍ طبية، انتهاك السرية، واشتراط إذن الزوج أو الأسرة قبل تقديم الرعاية الأساسية.
وتُحرم هذه الفئات روتينياً من إجراء الفحوصات الوقائية العادية مثل مسحة عنق الرحم وفحوصات الكشف عن السرطان والأمراض المنقولة جنسياً بناءً على معلومات طبية خاطئة ومضللة يروجها مقدمو الرعاية، كادعاء أن “النساء المثليات لا يصبن بسرطان الرحم”.
ويترافق هذا التمييز مع غياب شبه كامل لتدريب المهنيين الصحيين وفشل البحوث العلمية في تصنيف البيانات الصحية حسب الميل الجنسي. وتؤدي هذه البيئة الطاردة وسوء المعاملة إلى لجوء النساء لإدارة حالاتهن الصحية بأنفسهن أو تجنب الرعاية كلياً، مما يسفر عن تباينات ملموسة وتأخر تشخيص الأورام.
وعلى الصعيد النفسي، تسجل معدلات المعاناة النفسية والقلق والاكتئاب والأفكار الانتحارية بين المثليات ومزدوجات الميل الجنسي أكثر من ضعف المعدلات المسجلة لدى عموم النساء، نتيجة للخوف المستمر من العنف والعزلة الاجتماعية.
وتواجه المثليات المتحولات جنسياً وعوائق مضاعفة تشمل الإساءة والحرمان من الرعاية المراعية للهوية الجنسانية مثل العلاج الهرموني، وإخضاعهن لفحوصات طبية جراحية وتقييمات نفسية قسرية، مما يدفعهن للجوء إلى إجراءات وتدخلات طبية غير آمنة وغير خاضعة للرقابة كاستخدام السيليكون الصناعي، الذي يترتب عليه تلف الأنسجة والإصابة بالعدوى الخطيرة.
آليات السيطرة الجسدية
تظل القوانين الجنائية والتشريعات التمييزية السلاح الأبرز لفرض التسلسلات الهرمية وتجريم العلاقات بين أفراد من نفس الجنس؛ حيث تطبق أكثر من 40 دولة عقوبات تشمل الغرامات الباهظة والعقوبات البدنية والسجن، وتستند هذه المنظومة العقابية إلى قوانين فضفاضة مثل “مكافحة البغاء” و”جرائم الآداب العامة والنظام العام”، فضلاً عن فرض قيود مشددة على حريات التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. وتستغل قوات الأمن هذه البيئة القانونية لممارسة العنف والترهيب الممنهج عبر المداهمات، والاحتجاز التعسفي، والابتزاز المالي.
وداخل مراكز الاحتجاز والسجون، يواجه المحتجزون والمحتجزات أشكالاً مروعة من سوء المعاملة، بما في ذلك الحرمان من الاتصال بالشركاء، وإخضاعهن لفحوصات شرجية قسرية مهينة، واختبارات فيروس نقص المناعة البشرية الإلزامية.
وفي بعض الحالات، تعمد سلطات السجون إلى تحريض السجناء الآخرين للاعتداء جسدياً وجنسياً على أحرار الهوية الجنسانية كأداة عقاب إضافية، ولمواجهة هذا الإقصاء الهيكلي والعنف المنظم.
ويختتم الخبير المستقل تقريره بتوجيه توصيات حاسمة إلى الجهات الفاعلة غير الحكومية والمنظمات المتعددة الأطراف والآليات الوطنية؛ مشدداً على ضرورة تعزيز جمع البيانات المصنفة المتعلقة بالعنف والتمييز، والتحليل الدقيق للاحتياجات الإنسانية والتنموية وبرامج بناء السلام لضمان إدراج كامل لهذه الفئات.
ويدعو التقرير المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان إلى تفعيل آليات مراقبة الانتهاكات التي تتعرض لها المثليات ومزدوجات الميل الجنسي، وتلقي الشكاوى وتقديم التقارير الدورية عنها لضمان تلبية الالتزامات الدولية والوصول الفعلي إلى العدالة الناجزة.
