منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد وفاة إيف ساكيلا.. هل تجرؤ أيرلندا على مواجهة سؤال العنصرية الذي تهرب منه منذ سنوات؟

02 يونيو 2026
الزهور خارج المتجر متعدد الأقسام في شارع هنري، دبلن، حيث تم تقييد إيف ساكيلا وأُعلن عن وفاته لاحقاً.
الزهور خارج المتجر متعدد الأقسام في شارع هنري، دبلن، حيث تم تقييد إيف ساكيلا وأُعلن عن وفاته لاحقاً.

شون جالين

عندما شاهدت المشاهد المؤلمة التي وثقت اللحظات الأخيرة من وعي إيف ساكيلا، وجدت نفسي أستعيد على الفور صور وفاة جورج فلويد في الولايات المتحدة. فالرجل الكونغولي المولد، والبالغ من العمر 35 عاماً، توفي في مستشفى بدبلن في 15 مايو الماضي، بعد وقت قصير من تثبيته أرضاً بواسطة عدد من أفراد الأمن خارج متجر “أرنوتس” الشهير وسط العاصمة الأيرلندية.

بحسب الرواية المتداولة، كان ساكيلا مشتبهاً به في حادثة سرقة داخل المتجر قبل أن يحاول الفرار. ولولا مقاطع الفيديو التي صورها المارة في الشارع، لما عرفنا الكثير عما جرى بعد ذلك. تظهر اللقطات مجموعة من رجال الأمن وهم يثبتونه على الأرض لنحو خمس دقائق متواصلة. كان يحاول الاعتراض والصراخ، لكن صوته كان يختنق، في حين بدا أحدهم واضعاً ركبته على مؤخرة عنقه. وعند نهاية التسجيل، كان ساكيلا قد توقف عن الحركة تماماً.

حتى الآن لم يُحسم السبب المباشر للوفاة، كما أن التحقيقات الجارية بشأن استخدام القوة المفرطة قد لا تكشف أبداً ما الذي كان يدور في أذهان الأشخاص المتورطين. لكن السؤال الذي لا أستطيع تجاهله هو: ما الذي يدفع شخصاً يرى رجلاً مثبتاً بالفعل بواسطة عدة أشخاص إلى الضغط على عنقه؟ وهل كان المشهد سيبدو مختلفاً لو أن المشتبه به كان أبيض البشرة؟

قبل ست سنوات خرج آلاف الأشخاص في شوارع أيرلندا تحت شعارات “حياة السود مهمة”. كنا نظن آنذاك أن المجتمع بدأ أخيراً مواجهة مشكلة العنصرية التي جرى تجاهلها طويلاً. لكن بعد أشهر فقط قُتل جورج نكينشو، الشاب الأسود، برصاص الشرطة خارج منزله في دبلن. واليوم نجد أنفسنا أمام مأساة جديدة تفرض الأسئلة نفسها.

نحن السود الذين نعيش في أيرلندا، كثيراً ما يُطلب منا التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حوادث منفصلة لا رابط بينها. لكن وفاة ساكيلا لم تقع في فراغ، إنها جزء من سياق أوسع من التحيزات والعنصرية المتجذرة التي ما زالت حاضرة في المجتمع.

نشأت في دبلن خلال تسعينيات القرن الماضي، واختبرت شخصياً الوجهين المتناقضين لأيرلندا. وجدت الترحيب من البعض، لكنني تعرضت أيضاً للبصق والإهانات والتهديدات بسبب لون بشرتي. وكغيري من الأيرلنديين ذوي الأصول المهاجرة، أعرف جيداً نظرات الشك التي يوجهها أفراد الأمن عند دخول المتاجر الكبرى.

كان ذلك قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت المتطرفين منصة أوسع لنشر الكراهية. وقبل أعمال الشغب في دبلن، والهجمات على المهاجرين، وإحراق مراكز إيواء طالبي اللجوء. أما اليوم، فقد أصبحت تلك الأصوات أعلى وأكثر تأثيراً من أي وقت مضى.

ورغم أن وفاة ساكيلا حظيت باهتمام دولي، فإن رد الفعل الرسمي داخل أيرلندا ما زال محدوداً. رئيس الوزراء ميشيل مارتن قدم تعازيه وأكد ضرورة إجراء تحقيق شامل، لكنه تجنب طرح السؤال الأهم: هل لعبت العنصرية دوراً فيما حدث؟.

إن تجاهل هذا الاحتمال لا يبدد الخطر، بل يسمح له بالنمو. ومن الصعب إقناع الناس بجدية مكافحة العنصرية في وقت يحمّل فيه سياسيون بارزون المهاجرين مسؤولية أزمات السكن والخدمات التي تعود جذورها إلى عقود من الإخفاقات الحكومية.

قبل أسابيع قليلة من وفاة ساكيلا، أثار رئيس الوزراء الأسبق بيرتي أهيرن جدلاً واسعاً عندما أعرب خلال حملة انتخابية عن قلقه من المهاجرين الأفارقة تحديداً، قائلاً إن أيرلندا تستقبل أعداداً كبيرة جداً من القادمين من الكونغو ودول مشابهة، في حين ميز بوضوح بين هؤلاء وبين اللاجئين الأوكرانيين.

ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الأحداث التي سبقت وفاة ساكيلا وقعت على يد أفراد أمن خاصين يعملون لمصلحة واحدة من أبرز الشركات التجارية في البلاد. وقد أعربت إدارة متجر “أرنوتس” عن أسفها للحادث، مؤكدة أن فقدان الحياة ينبغي ألا يكون نتيجة لأي واقعة أمنية داخل متجر.

لكن يبقى شعور مرير يلازم الكثيرين: هل أصبحت زجاجة عطر يُشتبه في سرقتها أكثر قيمة من حياة إنسان؟ وهل ستتحمل الشركة مسؤوليتها الأخلاقية أم ستلقي العبء كله على موظفي الأمن المتعاقدين معها؟.

لقد تناولت وسائل الإعلام الأيرلندية القضية، لكنها فعلت ذلك بلغة حذرة ومخففة إلى حد لافت. فغالباً ما قيل إن ساكيلا “أصبح غير مستجيب”، وكأن ما جرى كان حادثاً غامضاً لا مشهداً موثقاً لرجل يُثبَّت بالقوة أمام أعين المارة.

صحيح أن هناك ضرورة لعدم التأثير في مجريات التحقيق، لكن غياب النقاش الجاد حول العنصرية البنيوية يهدد بتكرار المأساة مستقبلاً. فحين يستخدم سياسيون نافذون خطاباً يحمّل المهاجرين مسؤولية مشكلات المجتمع، فإنهم يوفرون الوقود اللازم لمزيد من الغضب والكراهية.

تتمتع أيرلندا في الخارج بصورة بلد منفتح وودود ومرحب بالجميع. وكثيراً ما يُفاجأ الناس عندما أخبرهم خلال أسفاري بأن العنصرية ما زالت واقعاً يومياً يعيشه عدد كبير من المواطنين الأيرلنديين.

بعد وفاة إيف ساكيلا، لا أبحث فقط عن إجابات حول ما حدث في ذلك الشارع بدبلن. ما أريد معرفته أيضاً هو ما إذا كان الأيرلنديون البيض يطرحون على أنفسهم الأسئلة ذاتها التي يطرحها السود وأبناء الأقليات اليوم: كم من الوقت سيستغرق الأمر قبل أن تتكرر هذه المأساة مرة أخرى؟ وهل نحن مستعدون أخيراً لمواجهة الحقيقة بدلاً من الهروب منها؟.

نقلاً عن الجارديان