تنعقد الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، خلال الفترة الممتدة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، لتشكل محطة بارزة في تقييم السجلات الحقوقية الدولية.
ويأتي ضمن الوثائق الرسمية والتحضيرات الأساسية المرتبطة بهذه الدورة الاستثنائية، صدور تقرير الفريق العامل المعني بآلية الاستعراض الدوري الشامل الخاص بجمهورية موريتانيا الإسلامية، حيث يعكس هذا التقرير الحقوقي الأممي الرفيع مسار مناقشات ممتدة جرت في وقت سابق، ويسلط الضوء على واقع الحقوق والحريات والجهود والمبادرات التشريعية المبذولة هناك.
ترويكا دولية تقود المراجعة
بدأت أعمال المراجعة الشاملة لملف موريتانيا الحقوقي في إطار أعمال الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل، والتي عُقدت خلال الفترة من 19 إلى 30 يناير 2026، وناقش الخبراء الدوليون الحالة الحقوقية للدولة في الجلسة الثالثة المعقودة بتاريخ 20 يناير 2026، وترأس وفد موريتانيا الرسمي المفوض المعني بحقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني أحمد بنتاه، حيث تولى تقديم الإحاطة الوطنية أمام الآلية الأممية.
واعتمد أعضاء الفريق العامل بالإجماع التقرير النهائي المتعلق بموريتانيا في الجلسة الرابعة عشرة المقامة بتاريخ 30 يناير 2026، وكان مجلس حقوق الإنسان قد شكل في 8 يناير 2026 مجموعة مقرري تيسير الاستعراض، أو ما يُعرف بـ “الترويكا”، والتي ضمت ثلاث دول هي: جزر مارشال، وسلوفينيا، وكوت ديفوار.
واستندت عملية التقييم الشاملة إلى ثلاث وثائق مرجعية رئيسية جرى إعدادها بموجب المقررات الأممية المنظمة، تمثلت في تقرير وطني كتابي قدمته الدولة الموريتانية، وتجميع رسمي وموجز شامل أعدتهما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وتلقى الوفد الموريتاني قائمة أسئلة مسبقة صاغتها دول عدة، منها إسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، وبلجيكا، وسلوفينيا، وكوستاريكا، وليختنشتاين، والمملكة المتحدة.
دفوعات الوفد الموريتاني
أكد أعضاء الوفد الموريتاني أمام مجلس حقوق الإنسان أن العمل الحكومي يستشهد بتوجيهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائمة على الانفتاح على كافة الشركاء الوطنيين وتعزيز السلم المدني.
واستعرض الدبلوماسيون الموريتانيون حزمة الإصلاحات التشريعية المنجزة، وفي مقدمتها إقرار قانون الجمعيات والمؤسسات والنقابات الجديد الذي استبدل نظام الترخيص المسبق بنظام الإخطار، كما تطرق الأعضاء إلى قانون النظام التعليمي الوطني الذي جعل التعليم إلزامياً ومجانياً للأطفال حتى سن الخامسة عشرة.
وأوضح ممثلو الدولة الموريتانية وجود مشاريع قوانين مهمة قيد الدراسة الحالية، أبرزها مشروع القانون المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء والفتيات، وتضمنت الإحاطة الوطنية الإشارة إلى تدشين هيئات ومؤسسات متخصصة جديدة، مثل: المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة، الهيئة الوطنية لمحاربة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، المحاكم المتخصصة في مكافحة الاسترقاق والفساد، سلطة حماية البيانات ذات الطابع الشخصي.
وسلط الوفد الموريتاني الضوء على اعتماد الاستراتيجية الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان (2024-2028)، بوصفها المخطط الشامل الأول من نوعه في البلاد، وأفاد المسؤولون أن المسار الإصلاحي شمل تعزيز المشاركة الديمقراطية عبر اعتماد نظام الاقتراع النسبي في الانتخابات الإقليمية والبلدية، وتمكين الجاليات في الخارج من التصويت المباشر للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
وذكر التقرير أن الانتخابات التشريعية والمحلية لعام 2023 والانتخابات الرئاسية لعامي 2019 و2024 جرت في أجواء اتسمت بالشفافية والنزاهة بشهادة المراقبين الدوليين من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي.
وتحدث المندوبون الموريتانيون عن جهود مكافحة الفقر، إذ أسهمت البرامج والتحويلات الاجتماعية، وفق تقديرات البنك الدولي، في خفض معدلات الفقر بنحو 2%، وأنشأت الحكومة الصندوق الوطني للتضامن الصحي عام 2024، ما سمح بتوسيع التغطية الرعاية الصحية لتشمل قرابة 200 ألف شخص من الفئات الضعيفة، كما أكد الوفد وجود وقف فعلي لتنفيذ عقوبة الإعدام في البلاد، مع تطبيق إجراءات واسعة لتسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين أسفرت عن منح إقامات مجانية لأكثر من 146 ألف مهاجر.
توصيات دولية
شاركت وفود دولية ببيانات ومداخلات مكثفة خلال جلسة الحوار التفاعلي، حيث أعرب مندوبو دول، كالبحرين والإمارات والسعودية ومصر وبنغلاديش، عن تقديرهم لجهود موريتانيا في ترقية البنية المؤسسية ومكافحة الفقر ودعم التنمية المستدامة.
وفي المقابل، أبدت دول أخرى، مثل بلجيكا وألمانيا وبولندا، وكندا، تحفظات وقلقاً إزاء تحديات قائمة، ولا سيما استمرار القيود على المجتمع المدني، وارتفاع معدلات زواج الأطفال، وظاهرة الإفلات من العقاب في حالات العنف ضد النساء.
وخلص التقرير الأممي المرفوع إلى الدورة الثانية والستين للمجلس إلى تقديم مجموعة من التوصيات إلى موريتانيا لتطوير سجلها الحقوقي، حيث حثت دول عدة، منها غانا وكولومبيا، على التصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وسحب التحفظات عليها.
وطالبت دول أخرى، كفرنسا وأستراليا وآيسلندا، بالإلغاء الرسمي التام لعقوبة الإعدام من القانون الجنائي وتعديل المواد التشريعية المتعلقة بجرائم الردة والتجديف.
ودعت التوصيات الدولية الموجهة إلى العاصمة نواكشوط إلى تكثيف الجهود للقضاء على الأشكال المعاصرة للاسترقاق والرق الوراثي، وضمان الملاحقة القضائية الصارمة للمتورطين في جرائم الاتجار بالبشر.
كما شددت المقترحات الدولية على أهمية الإسراع في إقرار مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، وضمان بيئة آمنة للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمدونين عبر مراجعة مواد القانون الجنائي التي تقيد حرية التعبير السلمي.
ومن المقرر أن تقوم الدولة الموريتانية بدراسة هذه الحزمة الواسعة من التوصيات لتقديم ردودها الرسمية عليها قبيل اختتام أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف.
