جورج مونبيو
لم نعد نُقنع الناس بجدوى التحول الأخضر، ولا نشرح لهم حجمه وخطورته، ولا حتى نصغي إلى مخاوفهم. الحكومة البريطانية تتصرف وكأنها وحدها تملك الحقيقة، وكأن المطلوب من المواطنين ليس المشاركة بل الامتثال. وهذه، في رأيي، أسوأ طريقة ممكنة لبناء سياسة مناخية ناجحة؛ لأنه لا شيء ينفّر الناس من قضية عادلة بقدر ما يفعل الاستعلاء والفرض القسري.
ثلاثة أمور مدهشة تحدث في الوقت نفسه.. أولها الفشل الحكومي الكامل في مخاطبة الناس بشأن أخطر أزمة وجودية نواجهها. أين الرسائل التوعوية الرسمية؟ أين الإحاطات الطارئة المتلفزة عن الانهيار المناخي كما حدث خلال جائحة كورونا؟ لماذا تُترك مهمة شرح الكارثة القادمة للعلماء والنشطاء والصحفيين وحدهم، في حين تلتزم الدولة الصمت؟
الحملة المعروفة باسم “الإحاطة الوطنية الطارئة” تطالب بشيء بديهي للغاية: أن تتعامل الحكومة مع أزمة المناخ باعتبارها طارئاً وطنياً. وقد نجح فيلم الحملة في الوصول إلى أكثر من ألف دار عرض وموقع داخل بريطانيا، وهو إنجاز استثنائي. لكن الغريب أن الحكومات المتعاقبة ما زالت تتصرف وكأن المجتمع لا يحتاج إلى تعبئة عامة، وكأن التحول البيئي مجرد قضية تقنية تُحل خلف الأبواب المغلقة.
ما حدث خلال جائحة كورونا يثبت العكس تماماً.. فعندما خاطبت الدولة الناس باعتبارهم شركاء في المواجهة، تجاوب المجتمع وتحمل المسؤولية، رغم انعدام الثقة بحكومة بوريس جونسون آنذاك. والأمر نفسه حدث خلال الحرب العالمية الثانية عندما جرى حشد المجتمع في مواجهة الخطر النازي. أما اليوم، فالحكومة تتعامل مع أزمة المناخ بمنطق إداري بارد، لا بمنطق التعبئة الوطنية.
ثم تأتي المرحلة الثانية: الإكراه.. فالحكومة اقترحت مؤخراً تقليص حق المواطنين القانوني في الاعتراض على مشاريع البنية التحتية للطاقة التي تصنفها “حاسمة”. وإذا تم تمرير هذا التوجه، فإن قرارات التخطيط الخاصة بهذه المشاريع ستصبح عملياً فوق الطعن القانوني، إلا في حالات نادرة جداً تتعلق بحقوق الإنسان.
بمعنى آخر، نحن ننتقل من نظام تخطيط يقوم على موافقة المجتمع، إلى نظام يقوم على الأوامر الفوقية.
أنصار الحكومة يبررون ذلك بالحاجة إلى تجاوز ما يسميه كير ستارمر بـ”المعرقلين” و”المهووسين” و”مضيعي الوقت”. لكن القضية التي يستشهدون بها دائماً، والمتعلقة بتأخير مشروع مزرعة الرياح العملاقة “فانغارد” في بحر الشمال، لم تكن عبثية كما يدّعون.
الاعتراض القانوني الذي قاده المواطن ريموند بيرس لم يكن موقفاً ضد طاقة الرياح، بل اعتراض على تجاهل الحكومة للأضرار التراكمية التي ستسببها محطات التحويل والكابلات البرية على البيئة والمناظر الطبيعية في نورفولك. والمحكمة نفسها وصفت مبررات الحكومة بأنها “سطحية” و”معيبة” و”عبثية”.
المفارقة أن شركة “فاتنفول” المطورة للمشروع عادت لاحقاً وأوقفت المشروع الثاني المرتبط به بسبب ارتفاع تكلفته الناتج أساساً عن غياب شبكة بحرية مشتركة لنقل الطاقة… وهي الفكرة نفسها التي طالب بها المعترضون منذ البداية.
المشاركة الشعبية لا تعطل القرارات، بل تجعلها أفضل.
وفي المقابل، إذا خرج المواطنون للاحتجاج مطالبين الحكومة برفع طموحها المناخي، فإن الدولة تتعامل معهم بوصفهم خطراً أمنياً. سلسلة القوانين المقيدة للاحتجاجات أنتجت جيلاً جديداً من السجناء السياسيين: أشخاص يُسجنون لأشهر وربما سنوات فقط لأنهم يطالبون بالتعامل الجاد مع أزمة وجودية.
كل شيء اليوم قائم على الإكراه، لا الإقناع. الحكومة تقول لنا: “دعوا الأمر لنا، نحن نعرف مصلحتكم، ولا نحتاج مشاركتكم”. لكنها بذلك تخلق الغضب والمقاومة والاحتقان، وتمنح شركات الوقود الأحفوري هدية سياسية مجانية.
التحول الأخضر لا يمكن أن ينجح بالقوة أو بالتجاهل، إنه يحتاج إلى شراكة مجتمعية حقيقية، تماماً كما حدث في الحروب أو الأزمات الكبرى. المطلوب أن يحدث هذا التحول معنا، لا أن يُفرض علينا. لكن يبدو أن الحكومة الحالية لا تفهم حتى الآن معنى عبارة “معاً”.
- نقلاً عن الجارديان
