منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تحت حرارة قاربت 40 درجة.. ملايين الحجاج يقفون على صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم

26 مايو 2026
حجاج بيت الله الحرام على مشعر عرفات
حجاج بيت الله الحرام على مشعر عرفات

تدفقت جموع الحجاج منذ فجر الثلاثاء إلى صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم من مناسك الحج، في مشهد إيماني مهيب امتزجت فيه الروحانيات بمشقة الأجواء المناخية القاسية، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قاربت 40 درجة مئوية، فيما سجّلت مكة المكرمة خلال الأيام الماضية درجات وصلت إلى 44 مئوية تحت أشعة شمس حارقة.

وبحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، توافد مئات الآلاف من الحجاج منذ ساعات الصباح الأولى إلى جبل عرفات والمناطق المحيطة به، حيث علت أصوات التلبية وقراءة القرآن والدعاء، بينما كثفت السلطات السعودية إجراءاتها الميدانية لمواجهة تأثير الحرارة المرتفعة على ضيوف الرحمن خلال أداء المناسك التي تقام بمعظمها في الهواء الطلق.

مشهد إيماني تحت الشمس

وامتلأت ساحة عرفات بالحجاج الذين ارتدوا ملابس الإحرام البيضاء، في صورة تعكس المساواة والتجرد من الفوارق الاجتماعية والقومية، فيما شوهد كثير من الحجاج وهم يحملون المظلات الواقية من الشمس، بينما انتشر متطوعون لتوزيع عبوات المياه الباردة والطعام والمظلات بهدف تخفيف آثار الطقس الحار.

ومنذ ساعات الفجر، تلا آلاف الحجاج آيات من القرآن الكريم فوق جبل عرفات الذي يبلغ ارتفاعه نحو 70 متراً شرق مكة المكرمة، في وقت بدت فيه درجات الحرارة المرتفعة حاضرة بقوة في المشهد، مع حرص الحجاج على البحث عن الظل وشرب المياه بشكل مستمر لتجنب الإجهاد الحراري وضربات الشمس.

وقال أحمد أبو العز، وهو مهندس مصري يبلغ من العمر 35 عاماً، أثناء توجهه إلى عرفات، إن المشاعر التي يعيشها الحجاج في هذا اليوم لا يمكن وصفها بالكلمات، مؤكداً أن التعب والمشقة يختفيان أمام رهبة الموقف وقدسية المكان.

ومع دخول وقت الظهر، استمع الحجيج إلى خطبة يوم عرفة التي تتناول التوجيه والإرشاد والتذكير بفضائل هذا اليوم العظيم، ثم أدى الحجاج صلاتي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تحذيرات من الإجهاد الحراري

وفي ظل الأجواء المناخية القاسية، دعت السلطات السعودية الحجاج إلى الالتزام بالإرشادات الصحية وعدم التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، كما طالبت وزارة الحج والعمرة ضيوف الرحمن بالبقاء داخل المخيمات في مشعر عرفات حتى الساعة الرابعة عصراً حفاظاً على سلامتهم وتقليل مخاطر الإجهاد الحراري.

وذكرت وكالة الأنباء السعودية “واس” أن الجهات المختصة كثّفت استعداداتها الطبية والإسعافية في المشاعر المقدسة، مع توفير نقاط مياه إضافية ومراكز تبريد متنقلة وخدمات صحية ميدانية لمساعدة الحجاج على مواجهة الحرارة المرتفعة.

وتتصف أرض عرفات باستوائها، وتحيط بها سلسلة جبال يوجد في شمالها جبل الرحمة الذي يتكون من أكمة صغيرة مستوية السطح وواسعة المساحة مشكلة من حجارةٍ صلدةٍ ذات لون أسود كبير الحجم، ويقع إلى الناحية الشرقية من جبل عرفات بطولٍ يبلغ 300 متر، ومحيطه 640 متراً، وترتفع قاعدته عن الأرض المحيطة به بمقدار 65 متراً، ويوجد على قمته شاخصٌ يبلغ ارتفاعه 7 أمتار.

أعداد كبيرة رغم التوترات

وشهد موسم الحج هذا العام مشاركة أكثر من مليون ونصف المليون حاج، بحسب الأرقام الرسمية، وذلك رغم التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

وأكد مسؤولون سعوديون أن أعداد الحجاج القادمين من الخارج هذا العام تجاوزت أعداد العام الماضي، في مؤشر على استمرار تدفق المسلمين إلى الأراضي المقدسة رغم الظروف الإقليمية المعقدة.

وفي السياق ذاته، استقبلت المملكة أكثر من 30 ألف حاج إيراني، رغم التصعيد والتوترات الأخيرة بين طهران والرياض، وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” بأن “ظروف الحرب” والتطورات الأمنية في المنطقة كانت من أبرز أسباب تراجع أعداد الحجاج الإيرانيين مقارنة بالعدد المتوقع سابقاً والبالغ نحو 86 ألف حاج.

رمزية المشهد 

ويمثل الوقوف بعرفة ذروة مناسك الحج وأعظم أركانه، حيث يتجمع المسلمون من مختلف الجنسيات والثقافات في مكان واحد يرتدون لباساً موحداً، في صورة تعكس معاني المساواة والوحدة الإنسانية.

وقال الحاج التونسي كريم حيزم، البالغ من العمر 40 عاماً، إن يوم عرفة يجسد معنى اجتماع الأمة الإسلامية رغم اختلاف الشعوب واللغات والثقافات، مضيفاً أن هذا المشهد يمنح الحجاج شعوراً عميقاً بالأخوّة والترابط الروحي.

ليلة مزدلفة ورمي الجمرات

ومع غروب شمس يوم عرفة، يبدأ الحجاج التوجه إلى مزدلفة للمبيت فيها وجمع الحصى استعداداً لرمي الجمرات في مشعر منى اعتباراً من صباح الأربعاء، ضمن بقية مناسك الحج التي تستمر عدة أيام.

وتواصل السلطات السعودية تنفيذ خطط تنظيمية وصحية مكثفة لإدارة الحشود وضمان سلامة الحجاج، خاصة في ظل التحديات المناخية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الحج الحالي.

يُعد يوم عرفة أهم أيام الحج وأعظم أركانه، اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويقع جبل عرفات على بعد نحو 20 كيلومتراً شرق مكة المكرمة، ويشهد سنوياً تجمع ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم، وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السعودية استثماراتها في البنية التحتية للمشاعر المقدسة، مع التركيز على خطط التبريد والرعاية الصحية وإدارة الحشود، خاصة بعد تزايد المخاوف المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية، والتي باتت تشكل تحدياً رئيسياً خلال مواسم الحج الصيفية.