تصاعدت التحذيرات الحقوقية والدولية من تدهور أوضاع النساء والفتيات في أفغانستان بعد إقرار طالبان لائحة جديدة تتعلق بالتفريق بين الزوجين والأحوال الأسرية، اعتبرتها منظمات أممية وحقوقية خطوة إضافية نحو “مأسسة التمييز القائم على النوع الاجتماعي” وترسيخ السيطرة على حياة النساء.
وأثارت اللائحة التي تتكون من 31 صفحة وتتضمن أحكاماً تتعلق بزواج القاصرات وشروط فسخ الزواج والحضانة، موجة انتقادات واسعة، خاصة بعد المخاوف المرتبطة بالأمر رقم 18 الصادر عن طالبان، والذي اعتبرت فيه بعض البنود أن “صمت الفتاة يمكن أن يعد موافقة على الزواج”.
وهو ما وصفته منظمات حقوقية منها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، بأنه تهديد مباشر لحقوق الفتيات وفتح الباب أمام تكريس الزواج القسري وزواج القاصرات.
التمييز أصبح مؤسساتياً
وانتقدت مؤسسة ملالة اللائحة الجديدة، معتبرة أنها تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التي فرضتها طالبان منذ عودتها إلى الحكم عام 2021، والتي استهدفت تعليم النساء وعملهن وحريتهن الشخصية واستقلاليتهن القانونية والاجتماعية.
وقالت المؤسسة الحقوقية إن تحويل الإقصاء والتمييز إلى نصوص قانونية يعني أن الانتهاكات لم تعد مجرد ممارسات فردية أو مؤقتة، بل أصبحت “هيمنة مؤسساتية” قائمة على النوع الاجتماعي.
كما حذرت المؤسسة من أن البنود المتعلقة بزواج القاصرات تمثل انتهاكاً واضحاً للمعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل وحقوق المرأة، مشيرة إلى أن النساء الأفغانيات يواصلن النضال من أجل المساءلة ووقف سياسات التمييز.
الأمم المتحدة تحذر
وكانت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان قد أكدت أن اللائحة الجديدة تشكل “خطوة أخرى في تقويض حقوق النساء والفتيات”، محذرة من أنها قد تشرعن زواج الأطفال وتضعف الحماية القانونية للفتيات.
وأوضحت البعثة أن بعض البنود المتعلقة بالفصل بين الفتيات بعد البلوغ والزواج قد تسهم في تكريس الزواج المبكر، خاصة مع اعتبار الصمت نوعاً من القبول الضمني بالزواج.
كما أعربت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن قلقها من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى جعل الانفصال بين الزوجين أكثر صعوبة بالنسبة للنساء، ما يزيد من هشاشتهن القانونية والاجتماعية داخل المجتمع الأفغاني.
قيود متراكمة منذ 2021
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، فرضت الحركة سلسلة واسعة من القيود على النساء والفتيات، شملت منع التعليم الثانوي والجامعي للفتيات، وتقييد عمل النساء في المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، إضافة إلى فرض قيود على السفر والتنقل والظهور في الأماكن العامة.
وبحسب تقارير أممية حتى عام 2026، أصبحت أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي تُحرم فيها الفتيات رسمياً من التعليم فوق المرحلة الابتدائية، في حين تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن ملايين الفتيات ما زلن خارج المدارس نتيجة السياسات المفروضة من طالبان.
كما أكدت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن القيود المفروضة على النساء في أفغانستان ترقى إلى “اضطهاد قائم على النوع الاجتماعي”، مع تصاعد الدعوات الدولية للاعتراف القانوني بمفهوم “الفصل القائم على النوع الاجتماعي” بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
تدهور اقتصادي واجتماعي
ويرى خبراء حقوقيون أن القيود المفروضة على النساء لا تقتصر آثارها على الحريات الفردية فقط، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، في ظل اعتماد ملايين الأسر الأفغانية على دخل النساء أو مشاركتهن في سوق العمل.
وتشير بيانات منظمة العفو الدولية إلى أن معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانية في أفغانستان ارتفعت بصورة كبيرة منذ عودة طالبان، في حين تواجه النساء تحديات مضاعفة في الوصول إلى الرعاية الصحية وفرص العمل والتعليم.
كما حذرت هيومن رايتس ووتش من أن استمرار القيود على تعليم الفتيات سيؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد تشمل ارتفاع معدلات الزواج المبكر، وزيادة الفقر، وتراجع فرص التنمية والاستقرار داخل البلاد.
دعوات للمحاسبة الدولية
وفي ظل تصاعد القيود، تتزايد الدعوات داخل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية لاتخاذ خطوات دولية أكثر حزماً تجاه طالبان، تشمل فرض ضغوط دبلوماسية وربط أي انفتاح سياسي أو اقتصادي باحترام حقوق النساء والفتيات.
كما طالبت منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي بعدم التعامل مع الانتهاكات في أفغانستان باعتبارها “شأناً ثقافياً أو داخلياً”، بل باعتبارها قضية حقوق إنسان عالمية تمس الحق في التعليم والعمل والكرامة والمشاركة العامة.
ويرى مراقبون أن مستقبل النساء في أفغانستان بات يمثل أحد أبرز الاختبارات أمام المجتمع الدولي فيما يتعلق بحماية الحقوق الأساسية ومنع تحويل التمييز القائم على النوع الاجتماعي إلى منظومة قانونية دائمة.
