منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط تحذيرات أممية من كارثة إنسانية متفاقمة.. لاجئون يروون فظائع الحرب في مالي

26 مايو 2026
قوات حكومية في مالي
قوات حكومية في مالي

في مخيمات اللجوء الممتدة على أطراف الصحراء شرق موريتانيا، لا يحمل آلاف الفارين من مالي سوى ما تبقى من ذاكرتهم المثقلة بالخوف، داخل خيام متواضعة تحاصرها الحرارة والرمال، تتكرر روايات القتل والتعذيب والعنف الجنسي، بينما يحاول اللاجئون استيعاب ما حدث لقراهم وأقاربهم بعد سنوات من الحرب المتصاعدة في شمال ووسط مالي، وبين هؤلاء، تجلس شريفة، وهي امرأة ستينية فقدت ابنها قرب الحدود المالية، لتروي بصوت متقطع كيف عاد إليها خبر مقتله على يد عناصر من الجيش المالي ومقاتلين روس كانوا ينفذون عملية عسكرية في المنطقة.

وتكشف شهادات لاجئين ماليين نقلتها مؤخراً وكالة فرانس برس، إلى جانب تقارير صادرة خلال عامي 2024 و2025 عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، عن تصاعد خطير في الانتهاكات ضد المدنيين في مالي، تشمل الإعدامات الميدانية والتعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري، وسط اتهامات متكررة للجيش المالي وعناصر روس ينشطون ضمن تشكيل يعرف باسم “الفيلق الإفريقي”، الذي خلف مجموعة فاغنر الروسية بعد إعادة تنظيمها تحت إشراف وزارة الدفاع الروسية.

نزاع يتوسع منذ أكثر من عقد

تشهد مالي منذ عام 2012 واحدة من أكثر الأزمات الأمنية تعقيدا في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تحوّلت انتفاضة الطوارق في الشمال إلى نزاع متعدد الأطراف تشارك فيه جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى القوات الحكومية ومجموعات مسلحة محلية.

ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، أدى النزاع خلال السنوات الماضية إلى مقتل آلاف المدنيين وتشريد أعداد هائلة من السكان، بينما تدهورت الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق.

وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025 إلى أن أكثر من 7.1 مليون شخص داخل مالي يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينهم ملايين الأطفال والنساء.

وفي عام 2020 استولى المجلس العسكري بقيادة الجنرال أسيمي غويتا على السلطة بعد انقلاب عسكري، متعهدا باستعادة الأمن ومحاربة الجماعات المسلحة، لكن الحكومة العسكرية اتجهت تدريجيا نحو روسيا بعد تدهور العلاقات مع فرنسا، لتبدأ بالاعتماد على مقاتلين روس من مجموعة فاغنر، التي أعيد تنظيمها لاحقا تحت اسم “أفريكا كوربس” أو “الفيلق الإفريقي”.

وتقول منظمة “أكليد” المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة إن العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الحكومية المالية منذ عام 2020 وحتى مطلع 2025 تسببت في مقتل أكثر من 8500 شخص، بينهم آلاف المدنيين، وتشير المنظمة إلى أن المدنيين يشكلون نحو نصف الضحايا في العمليات المشتركة بين الجيش المالي والقوات الروسية، بينما ترتفع النسبة إلى أكثر من 90 بالمئة عندما تنفذ العناصر الروسية العمليات بشكل منفرد.

اتهامات بقتل المدنيين

في أحد مخيمات اللاجئين بمنطقة الحوض الشرقي في موريتانيا، تستعيد شريفة تفاصيل مقتل ابنها وخمسة رجال آخرين أثناء رحلة تجارية قرب الحدود.. وتقول إن رعاة كانوا يختبئون في المنطقة شاهدوا عناصر من الجيش المالي ومقاتلين روس يوقفون الرجال ويقيدونهم قبل قتلهم وإحراق بضائعهم.

وتضيف أن الجثث بقيت لساعات طويلة دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفا من كمائن أو عبوات ناسفة، مؤكدة أن ابنها لم يكن يحمل سلاحا ولم يَنتمِ لأي جماعة مسلحة.

وتتكرر هذه الروايات في شهادات لاجئين آخرين تحدثوا عن عمليات إعدام ميدانية واعتقالات تعسفية بحق مدنيين من الطوارق والفولاني، وهما جماعتان تتهم السلطات بعض أبنائهما بدعم الجماعات الجهادية أو الانفصالية.

وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2025 إلى القوات المالية ومقاتلين روس متحالفين معها ارتكبوا انتهاكات خطيرة ضد المدنيين، من بينها القتل خارج القانون والتعذيب والاختفاء القسري، داعية السلطات إلى فتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين.

تعذيب ممنهج داخل مراكز الاحتجاز

يحمل نيدون، وهو لاجئ من الطوارق في الخمسينيات من عمره، آثار التعذيب على جسده حتى اليوم، ويروي أنه تعرض للاحتجاز قرب تمبكتو من قبل عناصر روس أثناء توجهه لجلب المياه، قبل أن ينقل إلى معسكر احتجاز تعرض فيه للضرب والصعق الكهربائي خلال استجوابه بشأن الجماعات المسلحة.

ويقول إن المحتجزين كانوا يتلقون كميات محدودة جدا من الطعام والمياه، بينما كان المحققون يكررون الأسئلة نفسها حول الجهاديين وتحركاتهم، ويضيف أنه شاهد خلال احتجازه عمليات قتل بحق مدنيين آخرين، قبل الإفراج عنه مقابل مبلغ مالي كبير.

وتؤكد منظمة العفو الدولية أن التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي باتت من الانتهاكات المتكررة في مناطق النزاع بمالي، وسط غياب آليات قضائية فعالة لمحاسبة المسؤولين.

العنف الجنسي كسلاح حرب

من أكثر الملفات حساسية في الأزمة المالية تصاعد العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، ففي مخيمات اللاجئين شرق موريتانيا، تتعامل منظمة “أطباء بلا حدود” مع ناجين وناجيات من الاغتصاب والتعذيب والانتهاكات الجنسية التي وقعت خلال العمليات العسكرية أو أثناء الفرار من مناطق القتال.

وأكدت مايوري سافان، منسقة المنظمة في منطقة الحوض الشرقي، أن الفرق الطبية وثّقت حالات لنساء ورجال تعرضوا للعنف الجنسي، إضافة إلى ناجين تحدثوا عن دفن أشخاص أحياء وتعذيب شديد خلال الاحتجاز.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة غالبا ما يستخدم كوسيلة للترهيب والسيطرة الجماعية، بينما تواجه الضحايا في المجتمعات المحافظة صعوبات هائلة في الإبلاغ أو الحصول على الدعم النفسي والقانوني.

ووفقا لتقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025، تعاني النساء والفتيات في مناطق النزاع بالساحل الإفريقي من ارتفاع مخاطر العنف الجنسي والاستغلال، في ظل انهيار الخدمات الصحية والحماية القانونية.

أزمة نزوح تتفاقم

تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن موريتانيا تستضيف أكثر من 300 ألف لاجئ مالي حتى عام 2025، معظمهم في منطقة الحوض الشرقي قرب الحدود، كما تشير المنظمة إلى أن أعداد الوافدين ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة بسبب تصاعد العمليات العسكرية والهجمات المسلحة.

وتوضح المفوضية أن المخيمات تعاني من ضغط متزايد على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، بينما يواجه الأطفال مخاطر سوء التغذية والانقطاع عن الدراسة.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف إلى أن آلاف الأطفال الماليين فقدوا فرص التعليم بسبب النزوح والعنف، بينما ارتفعت معدلات الصدمات النفسية بين الأطفال الفارين من مناطق القتال.

أزمة غذاء ومناخ

لا تنفصل الحرب في مالي عن الأزمة الاقتصادية والمناخية التي تضرب منطقة الساحل.

فبحسب برنامج الأغذية العالمي، يعاني أكثر من 1.5 مليون شخص في مالي من مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2025، نتيجة النزوح والعنف والجفاف وارتفاع أسعار الغذاء.

كما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن تغير المناخ وتراجع الأمطار فاقما الصراع على الموارد الطبيعية بين المجتمعات المحلية، خصوصا في المناطق الرعوية التي تعتمد على المياه والمراعي.

تحركات حقوقية وقانونية

في ظل تصاعد الاتهامات، تقدمت منظمات حقوقية بينها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بشكوى أمام المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ضد السلطات المالية ومقاتلين روس، متهمة إياهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

كما دعت الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن الجرائم المبلغ عنها، مع التأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني خلال العمليات العسكرية.

وتنص اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على حظر استهداف المدنيين والتعذيب والعنف الجنسي والإعدامات خارج القانون، كما تصنف هذه الانتهاكات ضمن جرائم الحرب إذا ارتكبت بشكل واسع أو ممنهج.

النفوذ الروسي في الساحل

يمثل الوجود الروسي المتزايد في مالي جزءا من توسع أوسع للنفوذ الروسي في إفريقيا، خصوصا بعد تراجع الدور الفرنسي في منطقة الساحل.

وتشير تقارير دولية إلى أن عناصر فاغنر، ثم “أفريكا كوربس”، شاركوا في عمليات عسكرية في دول عدة بينها إفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، وسط اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.

اعتماد المجلس العسكري في مالي على الدعم الروسي جاء في سياق بحثه عن حليف أمني قادر على دعم بقائه في السلطة، لكنه أدى في المقابل إلى تصاعد المخاوف الحقوقية بشأن مصير المدنيين في مناطق النزاع.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية والهجمات المسلحة، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في الحرب الدائرة بمالي، وبين الخوف من الجماعات الجهادية والانتهاكات المنسوبة للقوات الحكومية وحلفائها الروس، يجد مئات الآلاف أنفسهم عالقين في دوامة نزوح وعنف لا تبدو لها نهاية قريبة، بينما تتزايد التحذيرات الحقوقية من أن غياب المحاسبة واستمرار الإفلات من العقاب قد يدفع الأزمة نحو مستويات أكثر دموية وتعقيدا في السنوات المقبلة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية