منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دور العبادة في مرمى الكراهية.. الإسلاموفوبيا الأمريكية تواجه اتهامات بصناعة العنف

20 مايو 2026
الهجوم على مسجد في سان دييغو

حذّر قادة دينيون ومسلمون في الولايات المتحدة من أن الهجوم الدامي الذي استهدف المركز الإسلامي في سان دييغو لم يكن حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لتصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين، في وقت تتزايد فيه المخاوف الحقوقية بشأن أمن الأقليات الدينية وحقها في ممارسة شعائرها بأمان.

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن الهجوم، الذي نفذه مراهقان مسلحان داخل أكبر مسجد في سان دييغو وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص قبل انتحارهما، أثار موجة غضب واسعة داخل الأوساط الدينية والحقوقية، وسط تحذيرات من أن التحريض العلني ضد المسلمين بات يتحول إلى عنف مباشر يستهدف دور العبادة.

وقال المجلس الإسلامي الأمريكي الهندي، في بيان، إن المأساة تمثل “تذكيرًا مؤلمًا بأن الإسلاموفوبيا والتعصب الديني ما زالا يهددان الأرواح ويقوضان أمن وحقوق الأقليات”، داعيًا القادة السياسيين وأجهزة إنفاذ القانون والمجتمع المدني إلى مواجهة الكراهية ضد المسلمين “بالجدية التي تستحقها”، وضمان قدرة جميع الطوائف على ممارسة شعائرها “في سلام وأمان”.

وسلّط الهجوم الضوء على تنامي المخاوف المتعلقة بحق الأقليات الدينية في الأمن والحماية، خصوصًا بعد سلسلة هجمات استهدفت دور عبادة لطوائف مختلفة خلال العام الماضي، بينها كنائس ومعابد يهودية.

وقال إمام المركز الإسلامي في سان دييغو، طه حسان، إن ما جرى يعكس نتائج “تجريد مجتمع ما من إنسانيته”، مضيفًا: “عندما يحاول المسؤولون المنتخبون، وعندما تحاول وسائل الإعلام تجريد مجتمع ما من إنسانيته، تكون هذه هي النتيجة”.

أوضح حسان أن الجالية المسلمة في سان دييغو، التي يبلغ عددها نحو 100 ألف شخص، تضم مهاجرين ولاجئين فر كثير منهم من الحروب والعنف، مضيفًا أن المسجد تعرض مرارًا لرسائل كراهية وتهديدات وأعمال تخريب قبل وقوع الهجوم.

وأشار إلى أن أفراد المجتمع المسلم “اعتادوا سماع الشتائم ورسائل الكراهية”، لكنهم “لم يتوقعوا أبدًا جريمة بهذا الحجم”.

واتهم قادة مسلمون المناخ السياسي الأمريكي بالمساهمة في تطبيع الكراهية ضد المسلمين، معتبرين أن الهجوم “لم يقع في فراغ”، بل جاء في سياق “خطاب وسياسات” ساهم فيها مسؤولون منتخبون وشخصيات عامة.

ونشر عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين خلال الأشهر الماضية تصريحات معادية للمسلمين، من بينها ما كتبه النائب أندرو أوغليس بأن “لا مكان للمسلمين في المجتمع الأمريكي”، بينما قال النائب راندي فاين إن الاختيار “بين الكلاب والمسلمين لن يكون صعبًا”، فيما صرح السيناتور تومي توبرفيل بأن “مسلمين متطرفين” يأتون إلى الولايات المتحدة بهدف “تدمير الغرب”.

وقال قادة مسلمون إن “خطاب الكراهية الصادر من أروقة الكونغرس لا يبقى حبيس واشنطن، بل ينتشر”، معتبرين أن التحريض العلني يخلق بيئة خصبة للعنف ضد الأقليات الدينية.

استهداف دور العبادة

أفادت صحيفة “سان دييغو يونيون – تريبيون” الأمريكية بأن المشتبه بهما التقيا عبر الإنترنت، حيث جرى استقطابهما فكريًا بدافع الكراهية والتطرف.

وأوضح العميل الخاص المسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي في سان دييغو، مارك ريميلي، أن المحققين عثروا داخل السيارة التي استخدمها المراهقان على “كتابات وأيديولوجيات مختلفة” تعكس معتقدات دينية وعرقية متطرفة.

وكشفت التحقيقات عن بيانات مكونة من 75 صفحة تضمنت رموزًا نازية جديدة وخطابات تحريضية تدعو إلى ارتكاب مذابح بحق جماعات دينية وعرقية متعددة، إضافة إلى إشارات إلى أفكار تفوق العرق الأبيض.

وبينت التحقيقات أن منفذي الهجوم عبّرا عن إعجابهما بمنفذ مجزرة المسجدين في كرايستشيرش بنيوزيلندا عام 2019، والتي أسفرت عن مقتل 51 شخصًا.

وأعلن المحققون العثور على أكثر من 30 قطعة سلاح ناري وذخائر ومعدات تكتيكية خلال مداهمات لمنازل مرتبطة بالمشتبه بهما.

وروت السلطات تفاصيل الهجوم الذي بدأ قبل الظهر بقليل، عندما وصل المراهقان إلى المركز الإسلامي واشتبكا مع حارس الأمن في موقف السيارات.

وأوضح قائد شرطة سان دييغو، سكوت وال، أن حارس الأمن استخدم جهاز اللاسلكي لتحذير الموجودين داخل المسجد وتفعيل بروتوكول الإغلاق، ما ساعد على حماية نحو 140 طفلًا كانوا داخل المدرسة التابعة للمركز وعلى بعد أمتار قليلة من المهاجمين.

وأكد وال أن تصرفات الحارس “أخرت وشتتت انتباه المهاجمين”، ومنعت وصولهما إلى أجزاء أوسع من المبنى.

وأسفر الهجوم عن مقتل حارس الأمن أمين عبد الله، البالغ من العمر 51 عامًا، إضافة إلى منصور كازيها، 78 عامًا، ونادر عوض، 57 عامًا.

وقال إمام المركز، طه حسان، إن الضحايا “ضحوا بحياتهم من أجل الآخرين”، موضحًا أن عبد الله حال دون وقوع “كارثة أشد”.

وأضاف: “لو لم يفعل ما فعله، لولا ضحى بحياته، لكان بإمكان المشتبه بهما الوصول بسهولة إلى جميع الفصول الدراسية”.

وأوضح حسان أن كازيها كان من أوائل أعضاء المركز الإسلامي منذ تأسيسه قبل نحو 40 عامًا، وكان أول من اتصل بخدمات الطوارئ عند بدء إطلاق النار، بينما كان عوض يتردد يوميًا على المسجد للصلاة، وكانت زوجته تعمل معلمة في مدرسة المركز.

خوف يتجاوز المسلمين

أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الهجوم أعاد فتح النقاش في الولايات المتحدة حول أمن دور العبادة وتصاعد جرائم الكراهية ضد الجماعات الدينية المختلفة، خاصة في ظل تكرار الهجمات على الكنائس والمعابد اليهودية والمساجد.

وأكد اتحاد الجالية اليهودية في أمريكا الشمالية أن “التهديد الذي يواجه الجاليات الدينية في أمريكا حقيقي وملح ومتزايد”، مشددًا على أنه “لا ينبغي لأحد أن يخشى على سلامته أثناء التجمع للصلاة أو العبادة”.

ودفع الهجوم مئات رجال الدين للتجمع في مبنى الكابيتول دعمًا لمشروع قانون يهدف إلى توفير مليار دولار إضافية لتمويل أمن المؤسسات الدينية، إلى جانب 750 مليون دولار سبق أن طالب بها مشرعون من الحزبين.

وجاءت الإدانات من جهات دينية وسياسية ودولية متعددة، إذ وصف نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الهجوم بأنه “مشين”، مؤكدًا أن احترام الحرية الدينية يمثل أحد “الحقوق الأمريكية الأساسية”.

كما شدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عبر المتحدث باسمه ستيفان دوغاريك، على “الحاجة الملحة لمواجهة الكراهية والتعصب بشتى أشكالهما”، داعيًا إلى إجراء تحقيق شامل في الهجوم.

ووصف أسقف سان دييغو، مايكل فام، المركز الإسلامي بأنه “شريك طويل الأمد في العمل من أجل العدالة”، خاصة في دعم المهاجرين، مؤكدًا أن “أي هجوم على طائفة دينية واحدة هو هجوم على كرامة الإنسان المقدسة”.

وأظهرت الساعات التي أعقبت الهجوم مظاهر تضامن واسعة من سكان المدينة وقادة الأديان المختلفة، حيث تجمع مئات الأشخاص في وقفة قرب المركز الإسلامي، ووضعت الزهور عند بوابته.

وقالت قسيسة الكنيسة الميثودية المتحدة في ليندا فيستا، جيري نيويل-ديفيس، إن قادة الأديان “عائلة واحدة”، مضيفة: “جميعنا نصلي من أجل السلام”.

وأكد الرئيس التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في كاليفورنيا، حسام عيلوش، أن هدف هذه الهجمات هو “بث الخوف والعزلة داخل المجتمعات”.

وأضاف عيلوش: “نقف معًا هذه الليلة، ونحزن معًا، ونبكي معًا… لكننا سننهض معًا غدًا”.