فتح اعتماد دول مجلس أوروبا إعلان كيشيناو فصلاً جديداً في النقاش الأوروبي حول الهجرة واللجوء؛ لأنه لا يكتفي بتأكيد حق الدول في ضبط الحدود، بل يمنح غطاءً سياسياً أوسع لفكرة “الحلول المبتكرة” مثل مراكز الترحيل في دول ثالثة.
بالنسبة إلى الحكومة الإيطالية، يمثّل الإعلان اعترافاً بشرعية النموذج الذي دشّنته روما مع ألبانيا؛ أما بالنسبة إلى منظمات حقوقية، فهو مؤشر مقلق على تحوّل أوروبي متزايد نحو نقل مسؤوليات اللجوء والاحتجاز والإعادة خارج أراضي الاتحاد.
وتبنت الدول الـ46 الأعضاء في مجلس أوروبا إعلاناً سياسياً في كيشيناو يعيد تفسير بعض جوانب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا الهجرة، خصوصاً المادتين 3 و8. المادة 3 تحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، والمادة 8 تحمي الحق في الحياة الخاصة والأسرية.
الإعلان غير ملزم قضائياً، لكنه يبعث برسالة سياسية واضحة إلى المحاكم والسلطات الوطنية بأن الدول تريد مساحة أوسع لاتخاذ قرارات الترحيل، ومنها عبر مراكز خارجية في دول ثالثة.

إعلان كيشيناو
يؤكد إعلان كيشيناو أن حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة يظل مطلقاً، لكنه يضيف أن تقييم الحد الأدنى من جسامة سوء المعاملة “نسبي” ويتوقف على ظروف كل حالة.
كما يوضح، فيما يتعلق بالمادة 8، أن الدول يمكنها ترحيل أجانب رغم تمتعهم بعلاقات أسرية أو حياة خاصة داخل البلاد، إذا وازنت القرار مع هدف مشروع مثل الأمن القومي، وأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ستحتاج إلى “أسباب وجيهة” لتجاوز قرار الدولة.
هذا التفسير أثار قلقاً حقوقياً لأنه يمس مناطق شديدة الحساسية في حماية المهاجرين، فالقضية لا تتعلق بمجرّد إجراءات إدارية، بل بإمكانية ترحيل أشخاص إلى بلدان قد يواجهون فيها خطر التعذيب أو سوء المعاملة أو الحرمان من علاج منقذ للحياة.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن منظمة “بيكوم” الحقوقية، أن الحكومات تحاول عملياً الضغط على محكمة مستقلة لإضعاف حماية راسخة، في حين حذرت منظمة العفو الدولية من نشوء نظام حقوق من مستويين، يتغير فيه مستوى الحماية بحسب وضع الشخص المهاجر.

النموذج الإيطالي الألباني
النموذج الذي تحتفي به حكومة جورجا ميلوني يقوم على اتفاق بين إيطاليا وألبانيا وُقّع في نوفمبر 2023، ويتيح نقل بعض المهاجرين الذين تعترضهم أو تنقذهم سفن إيطالية في البحر إلى مراكز داخل ألبانيا، حيث تُجرى إجراءات فحص وطلب لجوء أو إجراءات عودة خارج الأراضي الإيطالية.
واعتبرت الحكومة الإيطالية هذا النموذج وسيلة لتقليل الوافدين غير النظاميين، وتسريع معالجة الملفات، وإرسال رسالة ردع لشبكات التهريب.
لكن التطبيق العملي واجه صعوبات قانونية كبيرة منذ البداية، فقد أُعيد مهاجرون نُقلوا إلى ألبانيا إلى إيطاليا بعد قرارات قضائية إيطالية رفضت استمرار احتجازهم هناك.
ثم وجّهت محكمة العدل الأوروبية في أغسطس 2025 ضربة إلى الأساس القانوني الذي اعتمدت عليه روما لتصنيف بعض بلدان الأصل باعتبارها “آمنة”، معتبرة أن هذا التصنيف يجب أن يكون قابلًا للمراجعة القضائية الفعالة والشفافة وأن يستند إلى مصادر معلومات يمكن الوصول إليه.

من المعالجة إلى مراكز ترحيل
بعد التعثر القضائي، حاولت إيطاليا تعديل وظيفة المراكز في ألبانيا، ففي مارس 2025 وافقت حكومة ميلوني على تحويل مركز كان مخصصاً لاحتجاز مهاجرين أثناء فحص طلباتهم إلى مركز ترحيل للأشخاص الذين صدرت بحقهم أوامر طرد، في محاولة لاستخدام البنية القائمة رغم القيود القضائية على نقل طالبي اللجوء إليها.
ووصفت وكالة رويترز الخطوة بأنها محاولة لإيجاد مخرج للعقبات القضائية التي أوقفت عمل الخطة بصورتها الأولى.
إعلان كيشيناو يمنح هذه الفكرة شرعية سياسية أوسع، فقد قالت ميلوني إن الإعلان “يعترف بشرعية” استخدام حلول مثل مراكز العودة في دول ثالثة على غرار النموذج الإيطالي في ألبانيا، معتبرة أن ما كان مثيراً للجدل قبل عام أصبح مبدأً مشتركاً بين دول مجلس أوروبا.

حقوق الإنسان تحت الاختبار
القلق الحقوقي الأساسي هو أن نقل إجراءات اللجوء أو الترحيل خارج أراضي الدولة قد يؤدي إلى إضعاف الرقابة القضائية، وتقليل الوصول إلى المحامين، وصعوبة التواصل مع المنظمات، وتراجع الشفافية حول ظروف الاحتجاز.
من الناحية النظرية، تظل إيطاليا مسؤولة قانونياً عن الأشخاص المنقولين إلى المراكز الألبانية، لكن من الناحية العملية، يصبح الوصول إلى الحقوق أكثر تعقيداً عندما يكون الشخص محتجزاً خارج البلد الذي اتخذ القرار بشأنه.
منظمة العفو الدولية وصفت اتفاق إيطاليا وألبانيا بأنه جزء من اتجاه أوسع نحو تصدير مراقبة الحدود ومعالجة اللجوء إلى خارج الاتحاد الأوروبي، وحذرت من أنه قد يخرق التزامات إيطاليا بموجب القانون الدولي والأوروبي، خصوصاً فيما يتعلق بالاحتجاز التعسفي، والحق في طلب اللجوء، والحماية من الإعادة القسرية.
ويتمثل جوهر الإشكال الحقوقي في مبدأ عدم الإعادة القسرية، أي حظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية.
ويؤكد إعلان كيشيناو أن حظر التعذيب مطلق، لكن صياغته حول “النسبية” في تقييم جسامة سوء المعاملة تثير مخاوف من أن تصبح الحماية أكثر مرونة في قضايا الترحيل.
وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر بتصنيف دول الأصل أو دول ثالثة باعتبارها “آمنة”، فحكم محكمة العدل الأوروبية في أغسطس 2025 أكد أن اعتبار بلد ما آمناً لا يمكن أن يتم بطريقة عامة وغامضة أو بلا رقابة قضائية فعالة، وهذا يضع قيوداً على محاولات تسريع الترحيل أو رفض الطلبات بناءً على قوائم سياسية لا تراعي الخطر الفردي الذي قد يواجهه كل شخص.

الكلفة والجدوى
إلى جانب الاعتراضات الحقوقية، يواجه النموذج الإيطالي سؤال الكلفة والفعالية، فقد أشارت تقارير إلى أن العملية قد تكلف إيطاليا مئات الملايين من اليوروهات خلال سنوات قليلة؛ وتحدثت تقديرات عن 670 مليون يورو للفترة 2024–2028، في حين تشير تقديرات أخرى إلى تكلفة قد تصل إلى 985 مليون يورو خلال خمس سنوات.
كما أن المراكز لم تعمل بالوتيرة التي وعدت بها الحكومة في البداية. فقد ذكرت الغارديان في نوفمبر 2024 أن المراكز التي كان يُفترض أن تستوعب أعداداً كبيرة، بقيت شبه فارغة لأسابيع، وأن عدداً محدوداً فقط من المهاجرين نُقل إليها ثم أعيدوا سريعاً إلى إيطاليا بسبب قرارات قضائية.
تدافع الحكومة الإيطالية عن النموذج باعتباره أداة لردع الهجرة غير النظامية وقطع الطريق على شبكات التهريب، لكن التجارب السابقة في البحر المتوسط تظهر أن الردع لا يوقف الهجرة بالضرورة، بل قد يدفع الناس إلى طرق أكثر خطورة أو يجعلهم أكثر اعتماداً على المهربين.
لذلك، لا يمكن تقييم النموذج فقط بعدد الأشخاص الذين نُقلوا أو أُعيدوا، بل يجب تقييمه من زاوية أثره في سلامة البشر، وحقهم في اللجوء، وإمكانية الوصول إلى إجراءات عادلة.
حقوقياً، لا تكمن المشكلة في أن الدولة تريد تنظيم الهجرة أو تنفيذ قرارات العودة بعد استنفاد الضمانات القانونية، المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى نظام احتجاز خارجي، وحين تصبح السرعة هدفاً أعلى من الفحص الفردي، وحين يُنظر إلى طالبي اللجوء بوصفهم مشكلة إدارية يجب نقلها بعيداً عن المجال العام الأوروبي.

أثر أوسع في أوروبا
إعلان كيشيناو لا يغيّر نص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا يلزم المحكمة الأوروبية قانونياً بتفسير محدد، لكنه يمثّل ضغطاً سياسياً واضحاً، فأسوشيتد برس أوضحت أن الإعلان جاء بعد مطالب من دول أوروبية بتبني مقاربة أكثر صرامة ضد الهجرة غير النظامية وتسهيل الترحيل، وأنه يدعم “مراكز العودة” في دول ثالثة والتعاون مع دول العبور.
هذا يعني أن النموذج الإيطالي قد يتحول من تجربة وطنية متعثرة إلى اتجاه أوروبي أوسع. وإذا حدث ذلك دون ضمانات قوية، فقد تصبح أوروبا أمام نظام جديد: مراكز خارجية، إجراءات أسرع، طعون أصعب، واحتجاز أبعد عن أعين القضاء والإعلام والمجتمع المدني.
وفي قلب هذا النقاش يوجد شخص غالباً لا يملك صوتاً: طالب لجوء أو مهاجر وصل بعد رحلة بحرية خطرة، قد يكون فرّ من حرب أو اضطهاد أو فقر شديد أو اتجار بالبشر، في النموذج الخارجي يجد هذا الشخص نفسه منقولاً إلى بلد ثالث لا يريد الاستقرار فيه، داخل مركز مغلق أو شبه مغلق، في انتظار قرار قد يحدد مصيره.

موقف إيطاليا
من وجهة نظر روما، إعلان كيشيناو انتصار سياسي، فميلوني ترى أن المقاربة الإيطالية القائمة على “إدارة منظمة” للتدفقات أصبحت مقاربة أوروبية، وأن التعاون مع الدول الثالثة يمكن أن يساعد في مكافحة التهريب والجريمة المنظمة وحماية الحدود.
ونقلت يورونيوز عن وكيل وزارة الخارجية الإيطالي ماسيمو دِل أوتري قوله إن أوروبا بحاجة إلى “أدوات جديدة” للرد على تحديات اليوم، مع الحفاظ على دور الاتفاقية الأوروبية بوصفها ركناً للنظام القانوني الأوروبي.
لكن الاعتراف السياسي لا يساوي حكماً قانونياً نهائياً. فالمحاكم الأوروبية والوطنية ستظل مطالبة بفحص كل حالة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمادة 3 وحظر التعذيب، وبالمادة 8 وحماية الحياة الأسرية، كما أن الخلاف حول “الدول الآمنة” لم يُحسم بالكامل، وما زالت الضمانات القضائية عنصراً حاسماً في بقاء أو سقوط النموذج.

