لم يعد الخطر الذي يواجه الاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز طبياً فقط، بل أصبح سياسياً ومالياً وحقوقياً في الوقت نفسه، فبعد عقود من التقدم في خفض الوفيات وتوسيع العلاج والوقاية، تحذر الأمم المتحدة من أن الأزمة التمويلية التي بدأت تتسارع في 2025 دفعت الاستجابة العالمية إلى أخطر انتكاسة منذ سنوات، خصوصاً في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وقال برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز UNAIDS في تقريره الصادر بمناسبة اليوم العالمي للإيدز 2025 إن خفض التمويل الدولي أحدث اضطراباً واسعاً في خدمات الوقاية، والبرامج المجتمعية، والرعاية، خصوصاً للفئات الهشة؛ كما حذر من أن الأزمة كشفت هشاشة التقدم الذي تحقق بعد سنوات طويلة من الاستثمار والتضامن الدولي.
وأشار البرنامج إلى أن المساعدات الصحية الخارجية قد تنخفض بنسبة 30 إلى 40% في 2025 مقارنة بعام 2023، ما أحدث اضطرابات فورية وشديدة في الخدمات الصحية بالدول الأشد تأثراً.

تقدم كبير مهدد
الأرقام العالمية تُظهر حجم الإنجاز، لكنها تكشف أيضاً حجم الخطر، فبحسب منظمة الصحة العالمية وUNAIDS، كان هناك 40.8 مليون شخص يعيشون مع فيروس نقص المناعة البشرية في نهاية 2024، بينهم 65% في الإقليم الإفريقي لمنظمة الصحة العالمية.
وفي العام نفسه، أُصيب 1.3 مليون شخص بالفيروس، وتوفي 630 ألف شخص لأسباب مرتبطة بالإيدز. ورغم أن العلاج المضاد للفيروسات حوّل الإصابة إلى حالة صحية يمكن التحكم فيها، فإن استمرار الوصول إلى العلاج والوقاية هو الشرط الأساسي لبقاء هذا التقدم.
وقد وصل عدد من يحصلون على العلاج المضاد للفيروسات إلى 31.6 مليون شخص في 2024، مقارنة بـ7.7 مليون فقط في 2010، كما أن 87% من المتعايشين مع الفيروس كانوا يعرفون حالتهم، و77% يحصلون على العلاج، و73% حققوا كبتاً فيروسياً.
لكن هذه النتائج لا تزال دون أهداف 2025، إذ كان الهدف وصول العلاج إلى 34 مليون شخص، وخفض الإصابات الجديدة إلى أقل من 370 ألفاً، والوفيات المرتبطة بالإيدز إلى أقل من 250 ألفاً.

الوقاية أول الضحايا
تقول UNAIDS إن خدمات الوقاية كانت الأكثر تضرراً من الأزمة التمويلية. فخفض التمويل لم يعنِ فقط تقليل حملات التوعية، بل أدى إلى تراجع الوصول إلى أدوات وقائية أساسية مثل أدوية الوقاية قبل التعرض PrEP، وخدمات الفحص، والبرامج الموجهة للشباب والنساء والفئات الأكثر عرضة.
وفي تقرير اليوم العالمي للإيدز 2025 أوضحت المنظمة أن عدد مستخدمي أدوية الوقاية PrEP تراجع بنسبة 64% في بعض السياقات المتأثرة بالخفض، في مؤشر شديد الخطورة على اتساع فجوة الحماية.
وفي مارس 2026 حذرت UNAIDS مجدداً من أن الاستجابة للفيروس تقف عند “نقطة تحول”، وأن تهميش الوقاية أو تقليص تمويلها قد يعكس المكاسب التي تحققت في خفض الإصابات الجديدة.
وأكدت أن العالم لا يزال بعيداً عن المسار المطلوب، مع تسجيل 1.3 مليون إصابة جديدة سنوياً في 2023 و2024.

المجتمعات تُترك وحدها
الضربة الأشد وقعت على المنظمات المجتمعية التي تقود الاستجابة على الأرض. هذه المنظمات تصل إلى من لا تصل إليهم الأنظمة الصحية الرسمية: العاملات والعاملون في الجنس، الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال، الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بالحقن، العابرون جندرياً، السجناء، المهاجرون، الشباب، والنساء الأكثر هشاشة. لكن خفض التمويل دفع كثيراً منها إلى تقليص خدماتها أو الإغلاق.
وقالت UNAIDS في مايو 2025 إن التخفيضات الأخيرة في تمويل الصحة والتنمية “دمّرت” منظمات مجتمعية تقدم خدمات فيروس نقص المناعة البشرية للفئات الأشد عرضة، وإن كثيراً منها اضطر إلى إغلاق أبوابه أو تقليص أنشطته بشدة بعد توقف التمويل الدولي فجأة.
وأشار تقرير اليوم العالمي للإيدز 2025 إلى أن أكثر من 60% من المنظمات التي تقودها النساء علّقت برامج أساسية، ما ترك مجتمعات كاملة دون خدمات وقاية ورعاية.
وهنا لا يكون خفض التمويل مجرد قرار محاسبي. إنه يعني أن شاباً لا يجد اختباراً، وامرأة تُحرم من خدمات الوقاية والدعم ضد العنف، وشخصاً يتعاطى المخدرات لا يجد أدوات تقليل الضرر، ومتعايشاً مع الفيروس لا يجد من يرافقه في العلاج أو يحميه من الوصمة.

حقوق الإنسان في تراجع
الأزمة التمويلية تزامنت مع تراجع مقلق في بيئة حقوق الإنسان والمساواة الجندرية. وتقول UNAIDS إن تدهور البيئة الحقوقية، وارتفاع الديون العامة، يفاقمان آثار خفض التمويل، خصوصاً على الفئات المهمشة.
والأخطر أن 2025 شهد، للمرة الأولى منذ أن بدأت UNAIDS رصد القوانين العقابية عام 2008، زيادة في عدد الدول التي تجرّم العلاقات المثلية أو التعبير الجندري، وهو ما يقوّض الوقاية والفحص والعلاج.
الحقوق هنا ليست مسألة جانبية. فحين يُجرَّم شخص بسبب هويته أو عمله أو تعاطيه للمخدرات، يصبح أقل قدرة على طلب الفحص أو العلاج خوفاً من الاعتقال أو الفضيحة أو العنف.
وحين تضيق مساحة المجتمع المدني، تُغلق القنوات التي يعتمد عليها ملايين الناس للوصول إلى الخدمات، لذلك، فإن تراجع حقوق الإنسان يترجم عملياً إلى إصابات جديدة ووفيات يمكن تجنبها.

النساء والفتيات في خطر
النساء والفتيات يتحملن عبئاً خاصاً من الأزمة. فقد مثّلن 45% من الإصابات الجديدة عالمياً في 2024، وبلغت النسبة في إفريقيا جنوب الصحراء 63%. كما تُصاب أسبوعياً 4000 فتاة وشابة بين 15 و24 عاماً بالفيروس، منهن 3300 في إفريقيا جنوب الصحراء.
وتحذر UNAIDS من أن تفكيك برامج الوقاية المصممة مع الشابات ومن أجلهن حرم مراهقات وشابات في دول كثيرة من خدمات الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، والدعم النفسي، وخدمات مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي 2024 وحده كان هناك عالمياً 570 إصابة جديدة يومياً بين الشابات والفتيات بعمر 15 إلى 24 عاماً.
هذا يعني أن خفض التمويل لا يهدد فقط الصحة، بل يهدد حماية النساء من العنف، وقدرتهن على التفاوض على الجنس الآمن، والوصول إلى خدمات سرية وآمنة، ومغادرة دوائر الاستغلال.

العلاج يتوقف عن التوسع
رغم أن العلاج المضاد للفيروسات وصل إلى مستويات غير مسبوقة، فإن توقف التوسع يمثل خطراً كبيراً، فهناك 5.3 مليون شخص كانوا يعيشون مع الفيروس في 2024 دون أن يعرفوا حالتهم، ونحو 9.2 ملايين شخص من المتعايشين لم يكونوا يحصلون على العلاج.
والأطفال أكثر تخلفاً عن الركب، إذ حصل 55% فقط من الأطفال المتعايشين مع الفيروس على العلاج في 2024، مقارنة بـ78% من البالغين.
أي انقطاع في التمويل أو سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى توقف العلاج أو تقطعه، وهذا يرفع خطر المرض والوفاة، ويزيد احتمالات انتقال الفيروس وظهور مقاومة دوائية. لذلك، فإن العلاج ليس خدمة يمكن تأجيلها؛ إنه التزام يومي وحياتي.
فجوة تمويلية تتسع
قبل الأزمة الأخيرة، كانت الاستجابة أصلاً أقل تمويلاً من اللازم، ففي نهاية 2024، كان المتاح للاستجابة للإيدز في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 18.7 مليار دولار، أي أقل بنسبة 17% من 21.9 مليار دولار المطلوبة سنوياً بحلول 2030 للبقاء على مسار إنهاء الإيدز بوصفه تهديداً للصحة العامة. ومع تجميد وعدم يقين تمويل PEPFAR، حذرت UNAIDS من أن فجوة التمويل قد تتسع بشكل كبير.
وقد شكّل توقف أو خفض التمويل الأمريكي صدمة ضخمة، تقول UNAIDS إن تجميد المساعدات الخارجية في يناير أحدث أثراً فورياً في تسليم أدوية منقذة للحياة وخدمات الوقاية لملايين يعتمدون عليها، كما أدت التخفيضات إلى تسريح آلاف العاملين الصحيين، وتعليق برامج، وتقليل الوصول إلى الوقاية، وتعطيل أنظمة البيانات والخدمات المجتمعية.
وتطرح الاستراتيجية العالمية الجديدة للإيدز 2026–2031 مساراً للخروج من الأزمة، يقوم على الانتقال من استجابة طارئة تقودها الجهات المانحة إلى استجابة مستدامة تقودها الدول والمجتمعات، قائمة على الحقوق ومندمجة داخل نظم صحية واجتماعية قوية.
وتشدد الاستراتيجية على التمويل المحلي طويل الأمد، والدمج في التغطية الصحية الشاملة والرعاية الصحية الأولية، مع الحفاظ على قيادة المجتمعات.
لكن هذا الانتقال لا يمكن أن يحدث عبر قطع مفاجئ للتمويل. فالاستدامة تحتاج إلى خطة، لا إلى صدمة، وتحتاج إلى تمويل مرحلي، وحماية المنظمات المجتمعية، وتوسيع الميزانيات الوطنية، وإصلاح القوانين العقابية، وضمان الوصول العادل إلى أدوات الوقاية الجديدة، ومنها الأدوية طويلة المفعول.


