منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الانقطاع المدرسي.. أزمة تعليمية تتحول إلى قضية اجتماعية وحقوقية في تونس

19 مايو 2026
قلق حقوقي من تزايد انقطاع التلاميذ عن التعليم في تونس
قلق حقوقي من تزايد انقطاع التلاميذ عن التعليم في تونس

لم يعد الانقطاع المدرسي في تونس مجرد مؤشر تربوي يعكس خروج أطفال ومراهقين من مقاعد الدراسة، بل أصبح علامة على أزمة أعمق تمس العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومستقبل الفئات الأكثر هشاشة، فكل تلميذ يغادر المدرسة مبكرًا لا يفقد فقط فرصة تعليمية، بل يصبح أكثر عرضة للعمل الهش، والفقر، والهجرة غير النظامية، والاستغلال، والانخراط في مسارات اجتماعية واقتصادية أكثر هشاشة.

وتزداد خطورة الظاهرة لأنها تأتي في بلد يُعد التعليم فيه تاريخيًا أحد أعمدة الدولة الاجتماعية بعد الاستقلال، وأحد أهم أدوات الصعود الاجتماعي، غير أن هذا الدور بات تحت ضغط متزايد بفعل تدهور البنية التحتية في المدارس العمومية، واتساع الفوارق الجهوية، وضعف الخدمات المدرسية في المناطق الداخلية والريفية، وارتفاع تكاليف الدراسة، وتراجع قدرة الأسر على تحمل الأعباء اليومية للتعليم.

حتى عام 2026، لا تزال تونس تواجه تحديًا مركبًا.. الحفاظ على مكسب تعميم التعليم، وفي الوقت نفسه وقف نزيف الانقطاع المبكر، خصوصًا في المرحلة الإعدادية والثانوية، حيث يصبح الفقر، وتكرار الرسوب، وبُعد المسافة عن المدرسة، وضعف النقل والإيواء والتغذية المدرسية، عوامل مباشرة في دفع التلاميذ إلى مغادرة النظام التعليمي.

رقم يتكرر سنويًا

تُستخدم في تونس منذ سنوات تقديرات تشير إلى أن نحو 100 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنويًا، وقد ذكرت اليونيسف في تونس أن 100 ألف طفل تونسي ينقطعون عن الدراسة كل عام، محذرة من أن ترك المدرسة مبكرًا يخلّف آثارًا سلبية عميقة على رفاه الأطفال وفرصهم المستقبلية.

وأشار المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن تدهور أوضاع المدرسة العمومية أدى إلى مغادرة نحو 280 تلميذًا يوميًا، أي أكثر من 100 ألف سنويًا، وأن عدد المنقطعين بلغ نحو مليون تلميذ خلال عشر سنوات في التعليم الابتدائي والثانوي.

ويربط المنتدى هذه الظاهرة بتردي البنية التحتية، وبعد المدارس في المناطق الريفية، وضعف شروط السلامة والحماية داخل المؤسسات التعليمية.

ورغم أن هذه الأرقام لا تغني عن الحاجة إلى قاعدة بيانات رسمية محدثة ومفصلة حتى 2026، فإن تكرارها في تقارير منظمات أممية ومحلية يعكس أن الانقطاع المدرسي لم يعد ظاهرة هامشية، بل نزيفًا سنويًا يهدد مستقبل عشرات الآلاف من الأطفال واليافعين.

فوارق جهوية وطبقية

تتجلى أزمة الانقطاع المدرسي بوضوح أكبر في المناطق الداخلية والريفية، حيث تتراكم عوامل الهشاشة: الفقر، وضعف النقل المدرسي، وبعد المؤسسات التعليمية، ونقص المياه والصرف الصحي، وغياب المطاعم أو الداخليات الكافية، وتردي البنية التحتية.

ويشير المنتدى التونسي إلى أن بعض المدارس، خصوصًا في ولايات داخلية مثل القيروان والقصرين، عانت من نقص المياه أو غياب الربط بشبكات التزويد، بما دفع أهالي بعض المناطق إلى الاحتجاج أو منع أبنائهم من الالتحاق بالمدارس بسبب غياب الحد الأدنى من الظروف الملائمة.

هذه الفجوة تجعل الانقطاع المدرسي قضية مساواة قبل أن تكون قضية تربوية فقط. فالطفل في حي حضري ميسور أو أسرة قادرة على تمويل الدروس الخصوصية والنقل لا يواجه المخاطر نفسها التي يواجهها طفل في قرية نائية أو عائلة فقيرة، وهنا يتحول التعليم من حق مضمون نظريًا إلى فرصة مشروطة بالموقع الاجتماعي والجغرافي.

المدرسة تحت الضغط

أحد أسباب تفاقم الانقطاع هو تراجع ثقة شرائح واسعة في المدرسة العمومية، بسبب الاكتظاظ، وضعف البنية التحتية، وتراجع جودة التعلم، وتفاوت مستوى الخدمات بين الجهات.

ويشير البنك الدولي إلى أن مشروع تعزيز أسس التعلم في تونس PREFAT، الذي أطلق عام 2018 بدعم منه وبالتعاون مع وزارة التربية، عمل على تحسين ظروف التعلم في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية العمومية، خاصة في المناطق المتأخرة تنمويًا، من خلال البنية التحتية والتدريب والرقمنة والتقييمات التعليمية.

وبحسب البنك الدولي، أسهم المشروع في بناء نحو 100 قاعة جديدة للتعليم التحضيري، وتجديد نحو 80 مدرسة في المناطق الأكثر تأخرًا، وتجهيز 2500 قاعة ابتدائية بأثاث جديد، وتوفير أكثر من 1600 موظف حاسوب، إضافة إلى تدريب أكثر من 55 ألف معلم وأكثر من 4000 مدير بين عامي 2019 و2025.

ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها تؤكد في الوقت نفسه حجم الفجوة التي تراكمت داخل المدرسة العمومية.

التعليم المبكر كخط وقاية

تُظهر تجارب التعليم أن الاستثمار في الطفولة المبكرة يقلل لاحقًا خطر التعثر والانقطاع، وفي تونس، يشير البنك الدولي إلى أن مشروع PREFAT وسّع الوصول إلى التعليم قبل المدرسي في 31 منطقة داخل 12 جهة متأخرة تنمويًا، وأنه في السنة الدراسية 2024– 2025 التحق 9429 طفلًا برياض أطفال عمومية ضمن المناطق المستهدفة، بينهم 4644 فتاة و4785 فتى.

هذه الأرقام مهمة لأن ضعف الالتحاق بالتعليم قبل المدرسي، خاصة في المناطق الفقيرة، يخلق فجوة مبكرة في الاستعداد للتعلم؛ فالطفل الذي يدخل المدرسة دون مهارات لغوية واجتماعية أساسية يكون أكثر عرضة للرسوب والتعثر، ومع تكرار الفشل الدراسي ترتفع احتمالات الانقطاع.

وتركز اليونيسف في تونس على برامج الوقاية من الانقطاع وإعادة إدماج الأطفال واليافعين خارج المدرسة، ووفق تقرير اليونيسف لعام 2025، ساعدت تدخلاتها 1096 مراهقًا خارج المدرسة على العودة إلى مسارات التعليم أو التدريب المهني، كما حصل قرابة 12 ألف طفل على فرص وصول إلى خدمات مرتبطة بالتعليم والحماية.

وفي تقريرها لعام 2024، قالت اليونيسف إن برنامج الوقاية من الانقطاع المدرسي استطاع تحديد أكثر من 300 طفل معرضين لخطر الانقطاع ومرافقتهم بدعم نفسي اجتماعي، كما دعمت برامج مؤسسية للوقاية والاستجابة للانقطاع.

هذه المقاربة تؤكد أن التعامل مع الانقطاع لا يجب أن يبدأ بعد مغادرة الطفل المدرسة، بل قبل ذلك، عبر الإنذار المبكر: متابعة الغياب المتكرر، والرسوب، وتدهور السلوك، والفقر العائلي، والعنف المدرسي، وتراجع الأداء الدراسي.

الأزمة جزء من اتجاه عالمي

تونس ليست وحدها في مواجهة تحدي الأطفال خارج المدرسة، فاليونسكو تشير إلى أن عدد الأطفال والشباب خارج المدرسة عالميًا بلغ 273 مليونًا في 2024، بينهم 79 مليونًا في سن التعليم الابتدائي، و64 مليونًا في المرحلة الإعدادية، و130 مليونًا في المرحلة الثانوية العليا، كما تلاحظ اليونسكو أن التقدم العالمي في خفض أعداد خارج المدرسة تباطأ بشدة بعد 2015.

لكن خصوصية تونس تكمن في التناقض بين إرث تعليمي قوي وتدهور تدريجي في قدرة المدرسة العمومية على الاحتفاظ بكل الأطفال، فالمشكلة ليست غياب المدارس كليًا، بل ضعف جودة وشروط الوصول والاستمرار في بعض المناطق والفئات.

ويرتبط الانقطاع المدرسي أيضًا بصورة التعليم في سوق العمل، فعندما يرى التلميذ أو أسرته أن الشهادة لم تعد تضمن عملًا، وأن البطالة تطال حتى المتعلمين، يضعف الدافع للاستمرار، خاصة لدى الأسر الفقيرة التي تحتاج إلى دخل سريع.

وتشير وثائق البنك الدولي حول تونس إلى فجوات واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وإلى أهمية الاستثمار في المهارات الرقمية والخضراء والملاءمة مع سوق الشغل.

هذا لا يعني أن التعليم غير مجدٍ، بل يعني أن المدرسة تحتاج إلى ربط أقوى بالحياة العملية والمهارات الأساسية، وأن التوجيه المدرسي والمهني يجب أن يبدأ مبكرًا حتى لا يشعر المراهق أن التعليم طريق طويل بلا أفق.

الحق في التعليم

من منظور حقوقي، الانقطاع المدرسي ليس مجرد إخفاق إداري، بل مساس مباشر بالحق في التعليم. فالتعليم الإلزامي في تونس قائم قانونيًا، وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى اليونسكو إلى أن مدة التعليم الإلزامي في تونس تُقاس ضمن مؤشرات دولية منشورة ومحدثة حتى 2026.

لكن الإلزام القانوني يفقد معناه إذا لم تتوفر شروط الاستمرار: مدرسة قريبة وآمنة، ونقل متاح، وماء وصرف صحي، وتغذية مدرسية، وبيئة غير عنيفة، ودعم نفسي، ومساعدة اجتماعية، ومعلمون قادرون على متابعة الأطفال المتعثرين. لذلك، يصبح منع الانقطاع مسؤولية مشتركة بين الدولة والمدرسة والأسرة والمجتمع المدني، لا مسؤولية الطفل وحده.

لا يتأثر جميع الأطفال بالطريقة نفسها، فالفتيان أكثر عرضة في بعض السياقات لمغادرة المدرسة من أجل العمل المبكر أو بسبب تكرار الرسوب، بينما تواجه الفتيات في بعض المناطق مخاطر مرتبطة ببعد المدرسة، وضعف النقل، والخوف من التحرش أو العنف، والأعباء الأسرية، والزواج المبكر في الحالات الأشد هشاشة.

ولذلك، فإن برامج الوقاية يجب أن تكون حساسة للنوع الاجتماعي والجهة والطبقة، لا أن تفترض أن كل المنقطعين يواجهون الخطر نفسه.

وتحتاج تونس إلى نظام إنذار مبكر وطني يربط المدارس، والمندوبيات الجهوية، والخدمات الاجتماعية، لرصد الغياب المتكرر والرسوب والمؤشرات النفسية والاجتماعية قبل الانقطاع، ويجب توجيه استثمار أكبر إلى المدارس الريفية والداخلية: الماء، والصرف الصحي، والنقل، والمطاعم، والداخليات، والحماية من العنف، وصيانة البنية التحتية.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية