منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العدالة المناخية على طاولة الأمم المتحدة.. اختبار عالمي لمستقبل الالتزامات والمساءلة

14 مايو 2026

تستعد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في 20 مايو الجاري، لاتخاذ قرار يتوقع أن يشكل نقطة تحول في مسار العدالة المناخية، من خلال دعم أو رفض تفعيل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول في مواجهة تغير المناخ، في خطوة تختبر فيها قدرة النظام الدولي على تحويل القانون إلى التزام عملي.

استعرضت منظمة العفو الدولية ملامح هذا التحول القانوني، مشيرة إلى أن مشروع القرار الأممي يسعى إلى تحويل الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة إلى “خريطة طريق لاتخاذ إجراءات ملموسة وتحقيق المساءلة”، في خطوة تعكس انتقال النقاش من الإطار السياسي إلى الإطار القانوني الملزم أخلاقيًا ودوليًا.

ومن جانبها، أكدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، أن الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية لعام 2025 أوضحت أن حماية النظام المناخي “التزام قانوني وليس خيارًا سياسيًا”، وأن التقاعس المناخي يهدد مباشرة حقوق الإنسان ورفاهية الأجيال الحالية والمستقبلية، داعية الدول إلى دعم قرار الجمعية العامة المرتقب.

وأوضحت “العفو الدولية” أن فتوى محكمة العدل الدولية مثلت سابقة تاريخية حين اعتبرت أن عدم التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري قد يشكل “عملاً غير مشروع”، مع التأكيد على ضرورة التعاون الدولي وتقديم التعويضات عن الخسائر والأضرار.

وأكدت المفوضية الأممية أن المحكمة أوضحت بالإجماع أن حماية المناخ التزام قانوني دولي، وأن الدول ملزمة بالحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، إضافة إلى إلزامها بحماية حقوق الإنسان من الآثار المناخية المتفاقمة، بما في ذلك النزوح القسري بسبب تغير المناخ.

ذكرت منظمة العفو الدولية أن هذا الرأي جاء نتيجة جهود طويلة شاركت فيها دول وحركات شبابية ومجتمعات متضررة، وأنه يمثل أول مرة تحدد فيها المحكمة الإطار القانوني الدولي الشامل للتغير المناخي.

الدول الجزرية الصغيرة

قاد وزير المناخ في فانواتو، رالف ريغنفانو، بحسب ما نقلته “الغارديان”، جهودًا دبلوماسية لصياغة القرار، واصفًا الفتوى بأنها “مرجعية قانونية مشتركة” تمنح الدول وضوحًا في مواجهة أزمة المناخ.

أوضحت منظمة العفو الدولية أن فانواتو، إلى جانب دول أخرى مثل كولومبيا وكينيا وجزر مارشال وهولندا، شاركت في صياغة النسخة الأولى من القرار، في محاولة لتحويل الرأي القضائي إلى التزام سياسي داخل الأمم المتحدة.

أكدت المفوضية الأممية أن الدول الجزرية الصغيرة ترى في القرار أداة لحماية أراضيها وسيادتها وحقوق شعوبها، في ظل تهديدات وجودية مرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر.

وذكرت “الغارديان” أن مشروع القرار شهد تعديلات كبيرة خلال التفاوض، إذ تم استبدال عبارات تتعلق بـ”التخلص التدريجي السريع والعادل من الوقود الأحفوري” بصياغات أقل حدة تتحدث عن “الانتقال التدريجي”.

أوضحت الصحيفة أن بنودًا أساسية، بينها إنشاء سجل دولي للأضرار والخسائر المناخية، تم التخلي عنها بالكامل، نتيجة ضغوط دولية، بينها الولايات المتحدة، التي سعت لإضعاف النص أو إسقاطه.

وقالت لي آن ساكيت، مبعوثة فانواتو لشؤون العدالة المناخية، إن التعديلات جاءت استجابة لملاحظات دول متعددة، وإن الهدف كان الحفاظ على نص “قابل للتنفيذ وموحد”.

مصداقية النظام الدولي

أوضحت منظمة العفو الدولية أن مشروع القرار لا ينشئ التزامات جديدة، لكنه يعزز التزامات قائمة أقرتها المحكمة، ويهدف إلى دعم تنفيذها عبر سياسات وطنية أكثر صرامة تشمل التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وتعزيز قوانين المناخ، وحماية الفئات المتضررة.

وأكد الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) أن التصويت يمثل “اختبارًا حقيقيًا” لمدى استعداد الحكومات للاعتراف بأن الواجبات المناخية ليست اختيارية، بل قانونية، وأن المحاكم في دول مختلفة بدأت بالفعل في الاستناد إلى رأي محكمة العدل الدولية في أحكامها.

أشار الصندوق إلى أن القرار يحول النقاش من سؤال “ماذا يجب أن نفعل” إلى سؤال “كيف ننفذ ما هو مطلوب قانونًا”، في إشارة إلى انتقال الخطاب المناخي من السياسة إلى الإلزام القانوني.

ذكرت مفوضية حقوق الإنسان أن بعض الدول الجزرية ترى في القرار أداة لتأكيد حماية أراضيها وحقوق شعوبها، بينما تحذر من أن التراخي في التنفيذ قد يفاقم آثار تغير المناخ على حقوق الإنسان الأساسية.

الوقود الأحفوري

أفادت منظمة العفو الدولية بأن الدول ذات الدخل المرتفع، والتي كانت تاريخيًا الأكثر مساهمة في الانبعاثات، تواجه ضغوطًا متزايدة لتحمل مسؤولياتها في التمويل والتخفيض والتعويض.

نقلت المفوضية الأممية تحذيرات من أن بعض الدول تعرقل إدراج إشارات واضحة إلى الوقود الأحفوري داخل مفاوضات الأمم المتحدة، رغم أن محكمة العدل الدولية اعتبرت استمرار إنتاجه واستخدامه مصدرًا رئيسيًا للضرر المناخي.

وأوضحت “الغارديان” أن الخلافات السياسية أدت إلى تليين بعض الصياغات النهائية، لكنها أبقت على الإطار العام الذي يؤكد ضرورة الانتقال نحو أنظمة طاقة أقل ضررًا بالمناخ.

وحذرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن تفاقم الكوارث المناخية مثل الفيضانات وحرائق الغابات وارتفاع درجات الحرارة يعمق الانتهاكات المرتبطة بحقوق الإنسان، داعية الدول إلى عدم تأجيل الالتزامات القانونية.

وأكدت منظمة العفو الدولية أن القرار المقترح يمثل فرصة لتكريس العدالة المناخية كحق عالمي، وليس كخيار تفاوضي، مشيرة إلى أن الالتزام أو عدمه سيحدد مستقبل مساءلة الدول لسنوات طويلة.

اختتم الصندوق العالمي للطبيعة دعوته بالتأكيد على أن التصويت لا يتعلق بالنص فقط، بل بمستقبل النظام القانوني الدولي نفسه، وبقدرة الدول على تحويل التزامات محكمة العدل الدولية إلى إجراءات ملموسة تحمي الإنسان والطبيعة في ظل أزمة مناخية تتسارع آثارها عالميًا.