منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين.. “نيويورك تايمز” تفتح أحد أخطر الملفات المسكوت عنها

12 مايو 2026
أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية
أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية

فتح مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ملف العنف الجنسي ضد فلسطينيين داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الحقوقي الدولي بأوضاع الأسرى والمعتقلين منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب اللاحقة على غزة.

المقال، الذي كتبه الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف، بعنوان “الصمت الذي يواجه اغتصاب الفلسطينيين”، استند إلى مقابلات مع فلسطينيين وفلسطينيات قالوا إنهم تعرضوا أو شهدوا انتهاكات جنسية، وإلى تقارير أممية وحقوقية تحدثت عن أنماط من التعذيب والإذلال والعنف الجنسي في أماكن الاحتجاز.

ولا تكمن أهمية المقال في أنه يقدم اتهامات جديدة فحسب، بل في أنه يضعها داخل سؤال أخلاقي وحقوقي أوسع: لماذا يعلو الصوت الدولي عند إدانة العنف الجنسي حين تكون الضحايا من طرف، بينما يخفت أو يتردد حين يكون الضحايا فلسطينيين؟ ويؤكد كريستوف، بحسب ملخصات المقال المنشورة، أنه لا يوجد دليل على أن القيادة الإسرائيلية تأمر بالاغتصاب.

لكنه يرى أن السلطات الإسرائيلية بنت منظومة أمنية أصبح فيها العنف الجنسي، وفق ما نسبه إلى تقارير أممية، جزءًا من أنماط الإذلال وسوء المعاملة داخل الاحتجاز.

شهادات خلف الجدران

قال نيكولاس كريستوف، إنه أجرى مقابلات مع 14 فلسطينيًا وفلسطينية وصفوا اعتداءات جنسية أو تهديدات بالاغتصاب أو إذلالًا جنسيًا خلال الاحتجاز أو أثناء اعتداءات من قوات إسرائيلية ومستوطنين.

وتحدث كريستوف، عن شهادات لمعتقلين سابقين قالوا إنهم تعرضوا للضرب، والتجريد القسري من الملابس، والتهديد، والعنف الجنسي، وأن بعضهم حُذر بعد الإفراج عنه من الحديث للإعلام عن الانتهاكات.

وتناول المقال شهادة الصحفي الفلسطيني سامي الساعي، الذي قال إنه تعرض لانتهاكات جنسية أثناء احتجازه الإداري عام 2024، كما أورد شهادات أخرى لمعتقلين سابقين تحدثوا عن اعتداءات داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

وأشار إلى أن هذه الشهادات تأتي ضمن نمط أوسع سبق أن وثقته منظمات مثل بتسيلم، وأنقذوا الأطفال، والمرصد الأورومتوسطي، ولجنة حماية الصحفيين.

وتثير هذه الشهادات، أسئلة خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، لأن الاغتصاب والعنف الجنسي والتعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة محظورة بصورة مطلقة، ولا يجوز تبريرها بذريعة الأمن أو التحقيق أو الحرب.

الأطفال في دائرة الخطر

أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق يتعلق بالأطفال الفلسطينيين في نظام الاحتجاز العسكري الإسرائيلي، فقد أشارت منظمة Save the Children في أبحاثها وتقاريرها إلى أن الأطفال الفلسطينيين المحتجزين يتعرضون منذ سنوات لانتهاكات جسدية ونفسية، وأن الوضع تدهور بشدة منذ أكتوبر 2023.

وفي ورقة سياسات نشرتها المنظمة عام 2026، قالت إن أطفالًا أبلغوا عن تعرضهم لإساءات جسدية وعاطفية وجنسية، وإذلال وتجويع، معتبرة أن الأدلة المتاحة تشير إلى انتهاكات منهجية للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بما في ذلك الحظر المطلق للتعذيب.

وكانت المنظمة قد نشرت في يوليو 2023 بحثًا أظهر أن 86% من الأطفال الفلسطينيين الذين شملهم البحث قالوا إنهم تعرضوا للضرب، وأن 69% قالوا إنهم تعرضوا للتفتيش العاري، مع إبلاغ بعضهم عن عنف ذي طبيعة جنسية.

وبعد أكتوبر 2023، قالت المنظمة إن شركاءها دعموا عشرات الأطفال المفرج عنهم من غزة، تحدث بعضهم عن تعرّضهم للتجريد من الملابس والوقوف في ظروف قاسية، وظهرت عليهم علامات عنف وصدمة وفقدان وزن.

هذا البعد يجعل الملف أكبر من قضية أسرى بالغين؛ فهو يمس حماية الأطفال في النزاع المسلح، وحقوقهم في الكرامة، والحماية من التعذيب، والاتصال بالأهل، والتمثيل القانوني، والمحاكمة العادلة.

تقارير أممية مقلقة

التفاصيل التي ذكرها كريستوف لا تقف وحدها، ففي مارس 2025، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل تقريرًا من 49 صفحة خلص إلى وجود زيادة حادة في العنف الجنسي والجندري ضد فلسطينيين، بما في ذلك ممارسات مثل التعري القسري، والتحرش، والتهديدات الجنسية، والعنف الموجّه للأعضاء التناسلية، واعتبر التقرير أن بعض هذه الممارسات ترقى إلى تعذيب أو معاملة لا إنسانية.

وفي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، المنشور عام 2026 عن وقائع 2025، أُعرب عن القلق من تقارير موثوقة بشأن انتهاكات جنسية في سياقات الاحتجاز، وجرى التأكيد على ضرورة التحقيق والمساءلة.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبّر عن قلقه من توثيق أممي “موثوق” لنمط من الانتهاكات ضد فلسطينيين محتجزين، مع تحذير من إمكانية إدراج القوات الإسرائيلية في تقارير لاحقة إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية، منها التحقيق والسماح بوصول مراقبين أمميين.

وتنفي إسرائيل هذه الاتهامات، فقد رفض السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، وفق أسوشيتد برس، المزاعم واعتبرها “بلا أساس” ومنحازة، داعيًا إلى التركيز على جرائم حماس في 7 أكتوبر، بما في ذلك العنف الجنسي ضد إسرائيليين، وهذا النفي الإسرائيلي لا يلغي الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة في كل الادعاءات.

سجون تتحول إلى بيئة تعذيب

تنسجم هذه المزاعم مع تقارير أوسع عن ظروف الاحتجاز، ففي أغسطس 2024، نشرت منظمة بتسيلم الإسرائيلية تقريرًا بعنوان “مرحبًا بكم في الجحيم.. منظومة السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات تعذيب”، استند إلى شهادات 55 فلسطينيًا احتُجزوا في سجون ومرافق إسرائيلية بعد أكتوبر 2023، بينهم سكان من الضفة وغزة ومواطنون إسرائيليون.

وخلص التقرير إلى أن الشهادات تكشف سياسة مؤسسية ممنهجة من سوء المعاملة، شملت العنف الجسدي والنفسي، الحرمان من الغذاء والرعاية الطبية، المعاملة المهينة، ووقائع عنف جنسي أو مشاهدة عنف جنسي.

كما نقلت رويترز عن بتسيلم أن التقرير يتحدث عن إساءة وتعذيب ممنهجين، وأن المنظمة اعتبرت النتائج مؤشرًا على عنف مؤسسي، في حين قالت مصلحة السجون الإسرائيلية إن جميع السجناء يُحتجزون وفق القانون وإن لها آليات لتلقي الشكاوى.

وفي يناير 2026، نشرت بتسيلم تحديثًا بعنوان “جحيم حي” قالت فيه إن المعلومات الجديدة تشير إلى استمرار عمل السجون كمواقع تعذيب للفلسطينيين، مع اتساع سوء المعاملة، بما يشمل العنف الجسدي والنفسي، والظروف اللاإنسانية، والتجويع المتعمد، والحرمان من الرعاية الطبية، ووفيات في الحجز، وشهادات عن عنف جنسي.

سدي تيمان ورمز الإفلات

أعاد المقال أيضًا تسليط الضوء على قضية معتقل من غزة في منشأة سدي تيمان، وهي القضية التي أثارت غضبًا واسعًا بعد تسريب أو نشر مقاطع متعلقة باعتداء خطير على محتجز فلسطيني.

وتحولت القضية داخل إسرائيل إلى معركة سياسية، إذ دافع تيار يميني عن الجنود المشتبه بهم، وهاجم التحقيقات، بينما اعتبر حقوقيون أن ما جرى يعكس خطر الإفلات من العقاب وتسييس المساءلة.

في هذا السياق، نقل كاتب المقال عن المحامية الحقوقية ساري باشي انتقادها لتراجع المساءلة واعتبارها أن الإفلات العملي من العقاب يبعث برسالة خطيرة إلى الجناة المحتملين.

وكتبت باشي، وهي مرتبطة بجهود حقوقية إسرائيلية ضد التعذيب، منشورًا قالت فيه إن قطعة كريستوف “مؤلمة ومهمة” لأنها تتناول العنف الجنسي في الاحتجاز الإسرائيلي وشجاعة الناجين الذين تحدثوا.

ومن منظور القانون الدولي، أي تحقيق في مزاعم الاغتصاب أو التعذيب لا يجب أن يخضع لضغط سياسي أو شعبوي، فالمطلوب ليس محاكمة إعلامية، بل تحقيقا جنائيا مستقلا، حماية الضحايا والشهود، فحص طبي ونفسي مهني، ومساءلة تصل إلى القيادات إذا ثبت أنها أمرت أو سمحت أو تجاهلت نمطًا معروفًا من الانتهاكات.

المسؤولية الأمريكية

خلص كريستوف إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل هذا الملف لأنها تقدم دعمًا واسعًا للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، ويطرح هذا الاستنتاج سؤالًا عن مسؤولية الدول الداعمة عندما تظهر مزاعم موثوقة عن التعذيب أو العنف الجنسي داخل منظومة تتلقى دعمًا سياسيًا أو عسكريًا أو ماليًا.

حقوقيًا، لا يكفي أن تدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي بصورة عامة، فإذا كانت هناك تقارير أممية ومنظمات حقوقية إسرائيلية ودولية تتحدث عن أنماط عنف وتعذيب، فإن الالتزام الأخلاقي والقانوني يتطلب ربط الدعم بالتحقيق والمساءلة ووقف الممارسات غير القانونية، والسماح بوصول المراقبين المستقلين إلى أماكن الاحتجاز.

ولا يعني ذلك تجاهل جرائم حماس أو العنف الجنسي الذي وثقته الأمم المتحدة ضد إسرائيليين في سياق هجمات 7 أكتوبر، بل يعني رفض الانتقائية.. إذ يجب أن تكون الإدانة والتحقيق والمساءلة شاملة لكل الضحايا، سواء كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين.

ضرورة تحقيق مستقل

تؤكد القاعدة الحقوقية الأساسية أن مزاعم الاغتصاب والتعذيب لا تُحسم بالخطابات السياسية ولا بالنفي العام.. تحتاج هذه القضايا إلى تحقيقات مستقلة، ووصول أممي أو دولي إلى أماكن الاحتجاز، وفحص طبي شرعي، وحماية للضحايا والشهود، وضمان عدم الانتقام من المتحدثين.

كما يجب نشر بيانات شفافة عن عدد المحتجزين، وأماكن احتجازهم، وظروفهم الصحية، والوفيات في الحجز، وآليات الشكوى والتحقيق.. فغياب الشفافية، خصوصًا في الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي أو الاحتجاز الإداري، يخلق بيئة مثالية للتعذيب والعنف الجنسي والإفلات من العقاب.

وفي المقابل، تجب حماية كرامة الضحايا في التغطية الإعلامية، فالتعامل المهني مع شهادات العنف الجنسي يقتضي تجنب التفاصيل المثيرة، وعدم نشر ما يعرّض الناجين للخطر أو الوصم، والتركيز على المسؤولية القانونية والإنسانية لا على الإثارة.