منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في يوم الأسير الفلسطيني الذي يوافق 17 أبريل من كل عام

مآسٍ خلف القضبان.. السجون الإسرائيلية ساحات للانتقام وتعذيب الفلسطينيين

17 أبريل 2026
17 أبريل يوم الأسير الفلسطيني
17 أبريل يوم الأسير الفلسطيني

غزة – ميساء سميح

في 17 أبريل، لا يحضر يوم الأسير الفلسطيني بوصفه مناسبة رمزية عابرة، بل نداءً إنسانياً مفتوحاً من وراء القضبان، يذكّر بأن آلاف الفلسطينيين ما زالوا يواجهون القيد والعزل والحرمان داخل السجون الإسرائيلية، في ظروف تمس الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.

في هذا اليوم، لا تبدو قضية الأسرى الفلسطينيين مجرد ملف سياسي أو تفاوضي، بل جرح حي في الوجدان الفلسطيني، وشاهد دائم على معاناة لا تتوقف عند سلب الحرية، بل تمتد إلى الجسد والنفس والعائلة والذاكرة.

ومع وجود أكثر من 9500 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية حتى مطلع أبريل 2026، بينهم 86 أسيرة و350 طفلاً، إلى جانب آلاف المعتقلين إدارياً ومئات المصنفين “مقاتلين غير شرعيين”، تتجدد صورة السجن بوصفه مساحة للعقاب المتواصل، لا مجرد مكان للاحتجاز.

ويزداد هذا الواقع قسوة مع تصاعد سياسات التنكيل والتجويع والإهمال الطبي والتعذيب، ومع ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة واحتجاز جثامين عدد منهم، بما يجعل قضية الأسرى اليوم قضية حق في الحياة والكرامة والعدالة، قبل أن تكون قضية حرية مؤجلة.

ففي يوم الأسير، يتجدد التأكيد على أن معاناة الأسرى ليست شأناً هامشياً يمكن تجاوزه، بل قضية إنسانية وحقوقية ستبقى حاضرة ما بقي خلف القضبان من ينتظر العدالة والحرية.

وفي هذا السياق، تتحدث مؤسسات حقوقية منها هيئة شؤون الأسرى الفلسطينية والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، عن بلوغ هذه الانتهاكات ذروتها، عقب إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام الأسرى، وهو تصعيد بالغ الخطورة يمسّ جوهر الحق في الحياة، ويثير مخاوف من تكريس سياسات العقاب الجماعي خارج إطار القانون الدولي.

مقبرة الأحياء

في شهادات صادمة تعكس واقعاً بالغ القسوة داخل السجون الإسرائيلية، يروي عدد من الأسرى الفلسطينيين المحررين من قطاع غزة تفاصيل ما تعرضوا له من تعذيب ممنهج وإذلال متواصل، خاصة داخل سجن “سدي تيمان” الذي يوصف بأنّه “مقبرة للأحياء”.

الأسير المحرر أشرف زمقاط، يقول لموقع “صفر”، إنّ ما عاشه خلال شهرين من الاعتقال “لم يكن سجناً بل موتاً ودماراً”، موضحاً أنّه اختُطف من مدينة خان يونس، ليبدأ فصلاً من العزل التام عن العالم الخارجي، حيث لا شيء سوى التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من النوم، الذي لم يتجاوز ثلاث ساعات يومياً.

ويضيف في حديثه أنّ التنكيل كان “قاعدة يومية”، إلى جانب الوقوف القسري والإذلال المستمر والجوع والبرد، في ظل غياب أي مقومات للحياة الإنسانية، مشيراً إلى أنّ الأسرى “خرجوا بأجساد منهكة وملامح شاحبة تحكي ما لا يمكن للكلمات وصفه”.

تعذيب ممنهج

وفي شهادة أخرى، يصف الأسير المحرر محمد البكري من غزة تجربة اعتقال امتدت نحو 20 شهراً بأنّها “منظومة ممنهجة لإهانة الإنسان وكسر كرامته”، موضحاً أنّه تنقل بين عدة مراكز احتجاز، أبرزها “سدي تيمان”، حيث كان يُحتجز مكبلاً ومعصوب العينين على مدار الساعة، ولا يُسمح له برؤية النور إلا في حالات نادرة مرتبطة بالتحقيق.

ويشير البكري في حديثه مع “صفر” إلى استخدام أساليب تعذيب متعددة، بينها الشبح، والضرب، والحرمان من النوم، ومنع الصلاة، إضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد والاعتداءات الجسدية القاسية، لافتاً إلى أنّ بعض الأسرى تعرضوا لنزيف لساعات دون أي رعاية، في ظل غياب المحاسبة.

كما كشف عن تعرضه وأسرى آخرين لاعتداءات مهينة خلال فترة الاحتجاز، مؤكداً أنّ ما يجري “ليس حوادث فردية بل سياسة ممنهجة لإذلال الأسرى وكسر إرادتهم”، متسائلاً عن غياب منظومة حقوق الإنسان أمام ما وصفه بـ “القهر المستمر من لحظة الاعتقال حتى الإفراج”.

الديسكو والتوابيت

وفي سياق متصل، يروي الأسير المحرر عماد نبهان تفاصيل أساليب تعذيب غير تقليدية داخل السجون، أبرزها ما يُعرف بأسلوب “الديسكو”، حيث يُحتجز الأسرى في غرف تُشغّل فيها موسيقى صاخبة للغاية مع تعذيب بالكهرباء خلال التحقيق، بهدف الضغط النفسي وانتزاع الاعترافات.

ويضيف لـ”صفر” أنّ الأسرى يُنقلون لاحقاً إلى أقفاص حديد ضيقة تشبه “التوابيت”، تُستخدم مبيتاً ليلياً، حيث تُفرض عليهم قيود شديدة في الحركة، ويُمنحون كميات طعام لا تكفي لسد الجوع، وسط رقابة مستمرة على أنفاسهم.

وحكى أسرى محررون آخرون أن الأسرى يتنقلون بين غرف التحقيق والتعذيب وأقفاص الاحتجاز في ظروف قاسية، وسط تدهور صحي وانتشار الأمراض ونقص العلاج، كما توثق الشهادات محاولات ابتزاز نفسي، عبر الضغط للتعاون مقابل تهديد العائلات، إضافة إلى تلقي أخبار استهداف ذويهم، ضمن ما يوصف بحرب نفسية ممنهجة.

وتجمع هذه الإفادات على أن ما يجري داخل سجون الاحتلال يتجاوز مفهوم الاعتقال التقليدي، ليشكّل منظومة تعذيب متكاملة تمس الجسد والروح معاً، وتترك آثاراً عميقة حتى بعد الإفراج عن الأسرى.

غياب “أبو المرضى”

في مشهدٍ تتداخل فيه المأساة مع الصمود، تعيش عائلتا الطبيبين الفلسطينيين حسام أبوصفية ومروان الهمص على وقع الفقد والأسر، وسط واقع إنساني بالغ القسوة فرضته ظروف الحرب والاعتقال، بعدما غابا خلف قضبان السجون الإسرائيلية، رغم أنهما شكّلا نموذجاً بارزاً للعمل الطبي الإنساني في قطاع غزة خلال حرب الإبادة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023.

تعيش عائلة الطبيب الأسير حسام أبوصفية حالة فقدٍ مركّبة تتجاوز غيابه الجسدي، إذ تؤكد أنّ اعتقاله في 27 ديسمبر 2024 أنهى حالة الاستقرار التي كان يمثلها داخل البيت، وترك فراغاً كبيراً في تفاصيل الحياة اليومية للأسرة.

وبذلك تحوّل غيابه إلى جرحٍ يومي مفتوح، تعيش معه العائلة بين قلقٍ مستمر وغموضٍ يلفّ مصيره، في ظل انقطاع أي معلومات دقيقة عن وضعه الصحي أو ظروف احتجازه.

يقول نجله إلياس لموقع “صفر”، إنّهم “فقدوا روح البيت وضحكته وأمانه”، مشيراً إلى أنّ والده كان مرجعاً للأسرة في النصيحة والتوجيه، قبل أن يتحول إلى أسير معزول تُمنع الزيارات عنه بحجة الأوضاع الأمنية، ما يزيد الغموض حول وضعه الصحي.

وبحسب روايات زملائه، فقد واصل أبو صفية عمله الطبي داخل مستشفى كمال عدوان شمال غزة رغم الحصار والتهديدات، ورفض مغادرته حتى اللحظة الأخيرة، مؤكداً أنّ “الواجب الطبي ليس تهمة”، كما وصفه العاملون معه بأنّه يُعرف بـ “أبو المرضى” لالتزامه الإنساني حتى أثناء فقدانه أحد أبنائه وإصابته خلال الحرب.

وتشير شهادات ميدانية إلى أنّه نُقل بعد اعتقاله إلى مراكز تحقيق ميدانية، حيث تعرّض للتنكيل والضرب، وسط تقارير عن اعتقاله مع عدد من الكوادر الطبية بعد حصار المستشفى.

مصير مروان الهمص

في المقابل، تعيش عائلة الطبيب مروان الهمص، مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بغزة، مأساة مماثلة بعد اختطافه في يوليو 2025 على يد قوة خاصة قرب مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنوب قطاع غزة، أثناء تأدية مهمة عمل إنسانية.

تقول زوجته ولاء في حديثها إلى “صفر” إنّ خبر اختطافه وقع “كالصاعقة”، مشيرة إلى أنّ زوجها كان يتوقع الاستشهاد دائماً، لكنه لم يتخيل أن يُختطف بهذه الطريقة، خاصة أنّه كان جريحاً لحظة اعتقاله.

وتقيم العائلة اليوم في خيمة نزوح جنوب خان يونس، حيث علّقت صورة له مرتدياً معطفه الأبيض، في محاولة لمقاومة الغياب. وتواجه الأسرة ظروفاً معيشية صعبة بعد فقدان المعيل الوحيد، وسط قلق متزايد من تعرضه للتعذيب، خاصة مع تقارير تتحدث عن إصاباته خلال التحقيق وفقدانه جزءاً كبيراً من وزنه نتيجة ظروف الاحتجاز.

ويقول نجله محمد لـ “صفر” إنّ والده ترك “فراغاً كبيراً ومسؤولية ثقيلة”، ما دفعه لتحمل أعباء الأسرة في سن مبكرة، إلى جانب تخصيص منصاته للحديث عن قضية والده والأسرى الفلسطينيين، خصوصاً الكوادر الطبية.

وتشير شهادات أخرى إلى أن بعض الكوادر الطبية تعرّضوا لتعذيب قاسٍ داخل السجون ومراكز التحقيق، ما أدى إلى وفاتهم، في ظل غياب أي رقابة دولية فعّالة، الأمر الذي فاقم المخاوف على مصير المعتقلين، خاصة من تم اعتقالهم خلال عملهم الطبي.

عزل انفرادي وتنكيل

من جهته، يوضح مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، المحامي علاء السكافي، أنّ أحداث 7 أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحوّل خطِرة في سياسات الاحتلال تجاه الأسرى والمعتقلين، مع تصاعد غير مسبوق في إجراءات التضييق والتنكيل والتعذيب والتجويع، وصولاً إلى إقرار قانون الإعدام.

ويؤكد السكافي لـ “صفر” أنّ إسرائيل لا تميّز بين الأسرى في ممارساته القاسية التي أدت في حالات متكررة إلى الوفاة، مشيراً إلى استهداف الأطباء والكوادر الطبية، ومنهم اختصاصي العظام الشهيد عدنان البُرش، الذي اعتُقل أثناء أداء واجبه الإنساني خلال الحرب وتوفي تحت التعذيب.

وفي السياق ذاته، أشار إلى حالتي الطبيبين مروان الهمص وحسام أبوصفية، مؤكداً أنّهما يتعرضان للعزل الانفرادي والتعذيب والتنكيل والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي.

وبخصوص الطبيب الهمص، يبين السكافي أنّ الاحتلال مارس بحقه صنوفاً من التعذيب الجسدي والنفسي منذ لحظة اختطافه، ومن ذلك اختطاف ابنته الممرضة تسنيم والابتزاز بها قبل الإفراج عنها لاحقاً، إضافة إلى حرمانه من العلاج والرعاية الصحية رغم إصاباته، ومنعه من زيارة محاميه لأكثر من 120 يوماً، إلى جانب تعرضه للضرب والإهانة والتهديد بقصف أسرته داخل خيام النزوح.

ويضيف السكافي أنّ ما يجري بحق الأسرى الفلسطينيين يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، بما يشمل استهداف المدنيين والأسرى والطواقم الطبية التي تتمتع بحماية خاصة تضمن لها أداء مهامها الإنسانية بعيداً عن الاعتقال أو الاعتداء أو القتل.

تعذّر الوصول إلى المعتقلين

بدورها، تؤكد المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أماني الناعوق، أنّ اللجنة لم تتمكن منذ أكتوبر 2023 من الوصول إلى المعتقلين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية.

وتوضح الناعوق في حديثها إلى “صفر” ضرورة إبلاغ اللجنة بمصير جميع المعتقلين وأماكن وجودهم، ومنحها إمكانية الوصول إليهم، مؤكدة الاستعداد لاستئناف الزيارات الدورية لمراكز الاحتجاز، بهدف رصد أوضاع وظروف احتجاز المعتقلين في مختلف المرافق ذات الصلة، مشيرة إلى أن هذا الملف ما يزال أولوية لدى اللجنة في الأراضي الفلسطينية و”إسرائيل”.

وتشير إلى أنّ اللجنة تتلقى يومياً اتصالات من عائلات فلسطينية تبحث عن معلومات حول مصير أبنائها المعتقلين والاطمئنان على أوضاعهم الصحية، في حين لا يزال كثيرون يفتقدون أي معلومات مؤكدة، ولا يعرفون إن كانوا على قيد الحياة أم معتقلين أم في عداد المفقودين، مؤكدة تفهّم معاناة هذه العائلات.

ساحات انتقام و”قتل”

تقول المحامية ميرفت النحال، الباحثة في مركز الميزان لحقوق الإنسان بغزة، إنّ السجون الإسرائيلية تحولت إلى ساحات للانتقام الممنهج، مشيرة إلى أنّ “القتل الأبيض” عبر الحرمان من النوم والتعذيب الحسي بات سياسة ثابتة تستهدف تدمير البنية النفسية للأسرى.

وتضيف النحال لـ “صفر” أنّ توثيق المركز يشمل شهادات عن تكبيل الأسرى لفترات طويلة، وحرمانهم من العلاج والطعام الكافي والاستحمام، معتبرة أنّ الصمت الدولي يشجع على استمرار هذه الانتهاكات.

وتشير تقارير حقوقية إلى تصاعد سياسة “الإخفاء القسري” بحق آلاف المعتقلين منذ أكتوبر 2023، عبر حجب أسمائهم ومصيرهم عن عائلاتهم والمؤسسات الدولية، ما يفاقم معاناة ذويهم ويتركهم في حالة قلق دائم حول مصير أبنائهم.

وفي الإطار، أشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أنّ ما يتعرض له أسرى غزة من حرمان ممنهج من النوم يندرج ضمن ما يُعرف بـ “القتل الأبيض”، وهو تعذيب نفسي وجسدي يهدف إلى إنهاك المعتقلين وتدمير قدراتهم الإدراكية دون ترك آثار جسدية واضحة.

وأكد المرصد أن ّهذا الأسلوب يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تحظر إلحاق الألم أو العذاب الجسدي أو النفسي بالمعتقلين، محذراً من تحويل مراكز الاحتجاز إلى أدوات لتصفية الأسرى معنوياً وجسدياً بعيداً عن الرقابة الدولية.