هناك دروس كثيرة تعلمناها من جائحة كورونا، أحد أهمها أن توفير معدات الحماية الشخصية للعاملين في القطاع الطبي ليس ترفاً، بل ضرورة لحمايتهم من الأخطار التي يواجهونها يومياً أثناء أداء عملهم.
وهذا المبدأ يجب أن يكون ثابتاً في كل الأوقات، لا فقط خلال حالات الطوارئ الوطنية. صحيح أن الأزمات الكبرى قد تجعل توفير الحماية أكثر صعوبة، لكن لا يوجد أي مبرر لأن تتعرض ممرضات السرطان في هيئة الصحة الوطنية البريطانية لمواد كيميائية سامة مرتبطة بالإجهاض والعقم بسبب معدات حماية غير كافية، كما كشف تحقيق «الإندبندنت» الخميس.
نحن لا نتحدث هنا عن مخاطر هامشية أو اكتشافات طبية حديثة. فمنذ عقود، يعمل آلاف العاملين في الرعاية الصحية على إعطاء أدوية تُستخدم في علاجات تنقذ الحياة، مثل العلاج الكيميائي للسرطان، وأدوية التهاب المفاصل الروماتويدي، وفيروس نقص المناعة البشرية، والتصلب المتعدد، ومن المعروف جيداً أن هذه العلاجات تحتوي على مواد شديدة السمية.
ومع ذلك، لا يزال كثير من هؤلاء العاملين يواجه تلك المواد بأدنى درجات الحماية، مجرد مئزر بلاستيكي عادي وقفازات، بحسب شهادات الممرضات.
التحقيق المشترك بين «الإندبندنت» و«القناة الرابعة نيوز» كشف النتائج المحتملة لهذا الإهمال؛ ممرضات تعرضن لإجهاضات متكررة ومشكلات صحية أخرى بعد احتكاكهن بهذه المركبات الخطرة، وهن يعتقدن أن ذلك مرتبط بعملهن دون حماية كافية داخل أقسام السرطان. كما أبلغ عاملون آخرون عن تساقط الشعر والغثيان والدوار والإرهاق المستمر.
ولم تعد هذه المخاوف مجرد روايات فردية أو شكوك شخصية، بل تؤكدها جهات صحية متعددة. فقد أصدر «تحالف السرطان في غرب ميدلاندز» التابع لهيئة الصحة البريطانية إرشادات تحذر من أن «إجراءات السيطرة غير الكافية» قد تؤدي إلى الإجهاض، والتشوهات الخلقية، وتلف الكبد، واضطرابات الخلايا، وآلام البطن، والتقرحات الأنفية، والتقيؤ. كما دعمت دراسات أخرى المخاوف المتعلقة بالتسبب في العقم.
أما «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» الأمريكية، فقد أصدرت بالفعل تحذيرات من تأثير هذه المواد في صحة الممرضات وغيرهن من العاملين الصحيين. ومع ذلك، لا تزال الإرشادات الوطنية تسمح للمؤسسات الصحية داخل بريطانيا بتقديم «الحد الأدنى» فقط من وسائل الحماية، مثل القفازات والمآزر البلاستيكية.
يبدو أن مبدأ الحيطة تم تجاهله بالكامل في هذا القطاع من الرعاية الصحية، وكذلك أي حساب منطقي للكلفة والعائد. فالثمن الإنساني الذي تدفعه الممرضات اللواتي يعانين العقم أو فقدان الحمل لا يمكن قياسه، في حين تبقى تكلفة توفير معدات حماية فضلى ضمن إمكانات حتى أكثر المؤسسات الصحية ضغطاً مالياً.
وليس هذا كل شيء، إذ كان ينبغي أيضاً على المؤسسات الصحية استخدام أجهزة النقل المغلقة، وهي أنظمة محكمة الإغلاق تمنع تسرب أدوية العلاج الكيميائي أثناء نقلها وتحضيرها وإعطائها للمرضى. لكن إحدى الدراسات، كما كشف التحقيق، تشير إلى أن هذه الأجهزة لا تُستخدم إلا في نحو نصف الحالات فقط.
وبالنظر إلى أن أي جهة عمل تتحمل مسؤولية قانونية تجاه موظفيها، وأن هيئة الصحة الوطنية نفسها تقر بأن المؤسسات الصحية ملزمة بحماية العاملين من التعرض للأدوية الخطرة، فمن غير المعقول أن يستمر هذا الوضع حتى الآن.
القوانين الحالية تكتفي بإلزام أصحاب العمل بخفض التعرض «إلى أدنى مستوى عملي ممكن»، وربما يفسر ذلك جزءاً من حالة التراخي القائمة. ولهذا فإن الكلية الملكية للتمريض محقة تماماً عندما تطالب بتعديل الصياغة إلى «أدنى مستوى ممكن على الإطلاق»، وهو تعديل لا يبدو مكلفاً ولا مرهقاً.
يجب بالفعل فرض معايير دنيا واضحة للتعامل مع الأدوية الخطرة، كما ينبغي رفع مستوى الوعي لدى إدارات المؤسسات الصحية بأن هذه العقاقير، رغم قدرتها على إنقاذ الأرواح، قد تدمر حياة العاملين الذين يتعاملون معها يومياً.
ومن الضروري أيضاً وضع تعريف قانوني واضح وقائمة وطنية موحدة للأدوية الخطرة، ما يزيل أي غموض حول أكثرها ضرراً، ويفرض استخدام الحاويات المحكمة لها، ويضمن تسجيل أي حوادث أو شكاوى تتعلق بالتعرض لهذه المواد والتعامل معها بجدية.
كما أن هذه القواعد ستكون أكثر وضوحاً والتزاماً إذا أصبحت قوانين وطنية ملزمة تُطبق على الجميع، لا مجرد إرشادات متفاوتة بين مؤسسة وأخرى.
إنها قضية ينبغي على وزير الصحة والرعاية الاجتماعية البريطاني ويس ستريتينغ ونظرائه في الإدارات المحلية التعامل معها بجدية، مهما كانت الانشغالات السياسية الأخرى التي تستحوذ على اهتمامهم.
نقلاً عن الإندبندنت
