منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فرض ضرائب على أثرياء نيويورك فكرة سيئة

08 مايو 2026
احتجاج "فرض الضرائب على الأغنياء" ضد الحفل السنوي لمعهد مانهاتن أمام مكتبة نيويورك العامة في 6 مايو 2026
احتجاج "فرض الضرائب على الأغنياء" ضد الحفل السنوي لمعهد مانهاتن أمام مكتبة نيويورك العامة في 6 مايو 2026

دوغلاس موراي*

“فرض الضرائب على الأثرياء!”.. كان هذا النوع من الشعارات يُتوقع عادة من طالب جامعي اكتشف لتوه شيئاً من الماركسية، ولم يدفع بعد أول فاتورة ضرائب في حياته. لكن سكان نيويورك باتوا محظوظين اليوم بعمدة يعتقد أن هذا الشعار الساذج يجب أن يتحول إلى سياسة عامة.

ولماذا هو شعار ساذج؟ لأسباب عديدة، ليس أقلها أنه مضلل للغاية؛ فعبارة «فرض الضرائب على الأثرياء» توحي وكأن الأثرياء لا يدفعون ضرائب أصلاً، لكن الحقيقة أن الأكثر ثراءً في هذه المدينة يدفعون بالفعل أكثر من نصيبهم العادل من الضرائب.

وكما يفترض أن يكون العمدة مامداني وفرقته المرحة من الماركسيين قد أدركوا الآن، فإن أعلى 1% من دافعي الضرائب في نيويورك مسؤولون عن ما يقرب من نصف إجمالي الإيرادات الضريبية للمدينة. وبصيغة أخرى، فإن 99% من سكان نيويورك لا يغطون سوى 50% فقط من الإيرادات الضريبية للمدينة.

أفترض أن شعار «فرض الضرائب على الـ99%» لا يتمتع بنفس الوقع الجذاب، كما أنه لا يخاطب ذلك المزيج الحلو من الضغينة والحسد الذي يقف دائماً خلف سياسات اليسار المتطرف.

ويبدو أن بقية سكان نيويورك، أي الـ99% منا، على وشك أن يتعلموا بالطريقة الصعبة ماذا يحدث عندما تحاول تحويل الـ1% إلى أعداء للدولة.

لم ينجح الأمر في بريطانيا

كما ذكرت صحيفة “ذا بوست” أمس، فقد شعر غريفين بصدمة شديدة من الاستعراض المبتسم الذي قام به العمدة، لدرجة أنه هدد بإلغاء مشروع التطوير البالغة قيمته 6 مليارات دولار لصندوق التحوط “سيتادل” في بارك أفينيو. ومن المستفيد من ذلك؟ بالطبع فلوريدا.

وقال غريفين هذا الأسبوع إنه يعتزم نقل المزيد من أعماله إلى ميامي خلال السنوات المقبلة، باعتبار ذلك «نتيجة مباشرة لقرار العمدة السيئ بنشر ذلك الفيديو».

وهذا ليس رد فعل مبالغاً فيه، ففي هذا الأسبوع انضمت الحاكمة هوكول إلى استعراضات «فرض الضرائب على الأثرياء» التي يتبناها مامداني، عبر محاولة سد الثقب المالي الأسود في ميزانية نيويورك من خلال فرض ضريبة جديدة أخرى على مالكي المنازل الثانية في المدينة.

العمدة والحاكمة يتخبطان في محاولة لسد فجوة هائلة في الميزانية، تُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار سنوياً خلال العامين المقبلين.

ولا شك أن هذا مبلغ ضخم يجب تغطيته، لكن أسوأ طريقة لمحاولة ذلك هي دفع أكثر الأشخاص نجاحاً في نيويورك إلى مغادرة المدينة.

وأي شخص يشكك في ذلك عليه أن ينظر إلى نتائج التجارب المماثلة في أماكن أخرى طبقت فيها حكومات يسارية الوصفة نفسها.

فقد حاولت حكومة حزب العمال اليسارية في المملكة المتحدة تطبيق سياسة «فرض الضرائب على الأثرياء» بعد وصولها إلى السلطة قبل عامين. والنتيجة؟ آلاف أصحاب الملايين غادروا بريطانيا ببساطة.

وكما ذكرت سابقاً، هناك فرق كبير بين بريطانيا ونيويورك. فمن الصعب نسبياً نقل أعمالك ومكتبك وحياتك من لندن إلى ميلانو مثلاً، ومع ذلك فعلها آلاف الأثرياء البريطانيين. أما في حالة نيويورك، وكما أظهر غريفين، فمن السهل للغاية أن تحزم حقائبك وتغادر إلى فلوريدا.

وفي الواقع، انتقل بالفعل آلاف الناجحين من نيويورك إلى هناك. وفي كل مرة أزور فيها فلوريدا، أرى المزيد من الأشخاص الذين كانوا حتى وقت قريب يجعلون من نيويورك مركزاً مزدهراً لأعمالهم.

نيويورك بحاجة إلى أثريائها

حتى قبل انتخاب مامداني، كانت المدينة بالفعل تدفع أكثر سكانها نجاحاً إلى الخارج. وحتى عام 2023، تشير التقديرات إلى أن ثروات بقيمة 660 مليار دولار غادرت نيويورك بالفعل. وهذا الرقم وحده كفيل بسد الفجوة المالية التي يتحدث عنها هوكول ومامداني مرات عديدة.

وخلال السنوات الأخيرة، كانت نيويورك أكبر ولاية زرقاء خسارةً للثروات.

وهو إنجاز لافت بالنظر إلى حجم المنافسة.ففي كاليفورنيا يحاول غافين نيوسوم التغطية على حقيقة أن سياساته دفعت بعض أغنى دافعي الضرائب في الولاية إلى المغادرة. أما في سياتل، فقد سُئلت العمدة الاشتراكية الشابة كاتي ويلسون مؤخراً عن هروب رؤوس الأموال من مدينتها، فجاء ردها بأن الحديث عن مغادرة أصحاب الملايين «مبالغ فيه للغاية»، ثم أضافت: «أما الذين يرحلون… فوداعاً»، ولوّحت بيدها وهي تضحك وسط هتافات وتصفيق جمهورها.

مثل مامداني، تعرف ويلسون جيداً كيف تحصل على تصفيق الجماهير الممتلئة بالضغينة والضعيفة في الحسابات. لكنها، ومعها جمهورها، ستتعلم أيضاً بالطريقة الصعبة أن هذا النوع من الشعبوية الترفيهية سيصبح أقل إضحاكاً شهراً بعد شهر.

لأن الحقيقة ببساطة هي أن نيويورك بحاجة إلى أثريائها، بحاجة إليهم بشدة، وهذا يعني أنه ينبغي الاحتفاء بهم لا مهاجمتهم.

ولكي يحدث ذلك، يجب على من يؤمنون بالنجاح بدلاً من الحسد أن يدافعوا عن الأثرياء. علينا أن نشرح كيف أن المليارديرات -خلافاً لما تدعيه ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وآخرون- مفيدون. فهم مفيدون للمجتمع، وللاقتصاد، ولهذه المدينة.

وإلى جانب ذلك، لا بد من وجود رد قوي من قادة الأعمال وغيرهم لتوضيح أن الرأسمالية هي الحل وليست العدو.

صحيح أن الرأسمالية قد تكون لها عيوبها، لكن اعتبارها العدو بسبب تلك العيوب يشبه القول إن الأسماك لا تحتاج إلى الماء لأن الماء قد يتلوث أحياناً.

الرأسمالية هي الماء الذي تسبح فيه هذه المدينة العظيمة. وهي ما جعل نيويورك واحدة من أعظم قصص النجاح، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العالم كله.

لقد حان الوقت لكي يخبر الراشدون في هذه المدينة عمدتَهم أن شعاراته تشبه استعراضاته تماماً: رخيصة للغاية، لكنها مكلفة للغاية في الوقت نفسه.

نقلاً عن الجارديان