منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سباق عالمي لتعقّب ركاب غادروا سفينة موبوءة بـ«هانتا» قبل تأكيد تفشي العدوى

08 مايو 2026
يُساعد العاملون في المجال الصحي المرضى على الصعود إلى قارب من سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" في 6 مايو/أيار
يُساعد العاملون في المجال الصحي المرضى على الصعود إلى قارب من سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" في 6 مايو/أيار

روري كارول وسام جونز*

تتسابق السلطات الصحية حول العالم لتعقّب عشرات الركاب الذين غادروا السفينة السياحية التي أصبحت بؤرةً لتفشي قاتل لفيروس «هانتا»، وذلك قبل تطبيق إجراءات العزل الصحي على متنها.

وكُشف للمرة الأولى، الخميس، أن ما لا يقل عن 29 راكبًا من 12 جنسية مختلفة غادروا السفينة إم في هونديوس في 24 أبريل، بعد تسجيل أول حالة وفاة على متنها، ما دفع السلطات إلى إطلاق جهود عاجلة لتحديد أماكنهم وتتبع تحركاتهم منذ ذلك الحين.

ورغم القلق العالمي المتزايد، سارعت منظمة الصحة العالمية إلى استبعاد احتمال حدوث أزمة بحجم جائحة «كوفيد-19». وقالت الدكتورة  ماريا فان كيركوف، مديرة التأهب والوقاية من الأوبئة والجوائح في المنظمة، للصحفيين: هذا ليس بداية وباء، وليس بداية جائحة، وليس كوفيد.

وأكدت المنظمة أن خمسًا من أصل ثماني حالات مشتبه بها مرتبطة بالسفينة ثبتت إصابتها بالفعل، في حين يُحتمل اكتشاف حالات أخرى خلال الفترة المقبلة.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غابريسوس خلال مؤتمر صحفي: «نظرًا لأن فترة حضانة فيروس أنديز قد تمتد إلى ستة أسابيع، فمن الممكن الإبلاغ عن مزيد من الحالات». وأضاف: رغم خطورة الحادث، فإن المنظمة تقيّم مستوى الخطر على الصحة العامة بأنه منخفض.

وقد أسفر التفشي حتى الآن عن وفاة ثلاثة أشخاص، وأثار حالة من القلق الدولي.

وفيروسات «هانتا» هي مجموعة من الفيروسات التي توجد أساسًا لدى القوارض، لكنها قد تنتقل إلى البشر وتتسبب في أعراض شبيهة بالإنفلونزا، ومتلازمة رئوية حادة، وفشل تنفسي. ويُعد فيروس «أنديز هانتا» قادرًا على الانتقال بين البشر عبر المخالطة القريبة جدًا، لكنه أقل عدوى من فيروس كورونا، ولا توجد لقاحات مضادة له حتى الآن.

ويخضع ثلاثة أشخاص ظهرت عليهم أعراض المرض، وتم إجلاؤهم طبيًا، للعلاج في هولندا، وهم طبيب يبلغ من العمر 41 عامًا، وراكب ألماني يبلغ 65 عامًا، والمرشد البريطاني للرحلات الاستكشافية مارتن أنستي البالغ 56 عامًا.

وأعلنت وزارة الصحة الهولندية أن امرأة لم تكن على متن السفينة تخضع لفحوصات للكشف عن الفيروس، وتوجد حاليًا في جناح عزل بأحد مستشفيات أمستردام بعد ظهور أعراض عليها. وفي حال جاءت نتيجة الاختبار إيجابية، فستكون أول حالة معروفة خارج السفينة تُصاب بالعدوى المرتبطة بالتفشي الحالي.

وقالت شركة  رحلات أوشن وايد المشغلة الهولندية للسفينة، إن 29 شخصًا، إضافة إلى جثمان أول متوفى، غادروا السفينة في جزيرة سانت هيلانة البريطانية في 24 أبريل. وأضافت أن أول إصابة مؤكدة بفيروس هانتا لم تُسجل إلا في 4 مايو.

وأكدت الشركة أنها تواصلت مع الركاب الذين غادروا السفينة، ومن بينهم ستة أمريكيين وسبعة بريطانيين، مشيرة إلى أن معظمهم، إن لم يكن جميعهم، عادوا إلى بلدانهم.

وقال راكب إسباني لا يزال على متن السفينة لصحيفة إل باييس: الأسترالي عاد إلى أستراليا، والتايواني إلى تايوان، والأمريكيون تفرقوا في أنحاء أمريكا الشمالية، والإنجليزي عاد إلى إنجلترا، والهولنديون عادوا إلى منازلهم.

وفي  سويسرا، يتلقى رجل وصل إلى هناك العلاج في مستشفى بمدينة زيورخ بعد ثبوت إصابته بالفيروس، في حين أكدت السلطات السويسرية عدم وجود خطر على العامة.

أما في الولايات المتحدة، فأفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC تتابع أوضاع ركاب سافروا إلى ولايات جورجيا وكاليفورنيا وأريزونا، دون ظهور أي أعراض مرضية عليهم حتى الآن.

وفي  بريطانيا، قالت وكالة الأمن الصحي البريطانية إن راكبين يخضعان للعزل المنزلي بعد عودتهما من الرحلة، ولم تظهر عليهما أي أعراض. وأشار البروفيسور روبن ماي ، كبير المسؤولين العلميين بالوكالة، إلى أن الركاب العائدين قد يُطلب منهم العزل الذاتي لمدة 45 يومًا. وأضاف: أما بالنسبة لعامة الناس غير المرتبطين بهذه الرحلة البحرية، فإن مستوى الخطر يُعد شبه معدوم.

وفي  سنغافورة، أعلنت السلطات عزل شخصين كانا على متن السفينة وإخضاعهما للفحوصات، في حين أكدت هيئة سلامة المرضى في الدنمارك أن مواطنًا دنماركيًا شارك في الرحلة يخضع للحجر الذاتي دون ظهور أعراض.

وجاءت عمليات تعقّب الركاب في وقت غادرت فيه السفينة، وعلى متنها 149 شخصًا، المياه المحيطة بـ الرأس الأخضر ، بعدما مُنعت من الرسو هناك، متجهة إلى جزيرة تينيريفي التابعة لجزر الكناري الإسبانية، حيث كان من المتوقع وصولها ظهر الأحد.

وأعرب رئيس أرخبيل جزر الكناري فرناندو كلافيخو عن قلقه من قرار الحكومة الإسبانية السماح للسفينة بالوصول، مطالبًا بعقد اجتماع مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.

من جانبها، التقت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا جارسيا بكلافيخو، الخميس، مؤكدة أنه «لا يوجد تهديد للصحة العامة»، وأن السفينة ستبقى راسية قبالة السواحل دون دخول الميناء.

وقالت: ستبقى السفينة في مياه جزر الكناري لأقصر فترة ضرورية من الناحية الصحية واللوجستية، وفقًا للبروتوكولات المعتمدة. وسيتم تقييم الركاب على متن السفينة، ولن يُسمح لهم بالنزول إلا لأغراض النقل أو الإعادة إلى أوطانهم، مع ارتداء معدات وقاية وبرفقة طواقم صحية متخصصة، ودون أي احتكاك بالسكان.

ومن المتوقع أن تبدأ دول الاتحاد الأوروبي، اعتبارًا من 11 مايو، عمليات إجلاء رعاياها من جزر الكناري. كما سيُنقل الإسبان الأربعة عشر الموجودون على متن السفينة، وبينهم أحد أفراد الطاقم، من تينيريفي إلى مستشفى “غوميز أولا” العسكري في جنوب غرب مدريد.

واتهم حزب الشعب الإسباني المعارض الحكومة الاشتراكية بإرسال «رسائل متضاربة» بشأن إجراءات الحجر الصحي، بعدما قالت وزارة الدفاع إن الحجر سيكون طوعيًا، بينما أكدت وزيرة الصحة وجود أدوات قانونية لفرضه إلزاميًا.

وكانت السفينة القطبية قد أبحرت في الأول من أبريل من مدينة أوشوايا الواقعة في أقصى جنوب الأرجنتين والمعروفة باسم «نهاية العالم»، وتوقفت خلال رحلتها في القارة القطبية الجنوبية وعدد من الجزر النائية في المحيط الأطلسي.

وبدأت القصة عندما ظهرت أعراض المرض على رجل هولندي يبلغ 70 عامًا في السادس من أبريل، قبل أن يتوفى بعد خمسة أيام، لكن وفاته اعتُبرت حينها طبيعية ولم تثر أي إنذار. وتم إنزال جثمانه من السفينة في 24 أبريل أثناء توقفها في سانت هيلينا، حيث غادر ركاب آخرون أيضًا.

أما زوجته الهولندية، البالغة 69 عامًا، فسافرت إلى جنوب إفريقيا، وخلال توقف قصير لها في جوهانسبرغ، استعدادًا للصعود إلى رحلة تابعة لشركة  klm جرى نقلها لتلقي العلاج، قبل أن تتوفى لاحقًا.

وذكرت قناة RTL الهولندية أن مضيفة طيران في شركة KLM كانت على تواصل مع المرأة المتوفاة نُقلت بدورها إلى جناح عزل في أحد مستشفيات أمستردام بعد ظهور أعراض محتملة للإصابة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن عمليات تعقّب المخالطين جارية أيضًا للركاب الذين شاركوا المرأة الراحلة رحلتها الجوية من سانت هيلينا.

في المقابل، لا يزال جثمان راكب ألماني أصيب بحمى في 28 أبريل وتوفي في 2 مايو موجودًا على متن السفينة.

وتربط إحدى الفرضيات بين التفشي الحالي ورحلة لمراقبة الطيور قام بها الزوجان الهولنديان في الأرجنتين قبل صعودهما إلى السفينة. وتُعد الأرجنتين الدولة الأعلى تسجيلًا لإصابات فيروس هانتا في أمريكا اللاتينية، حيث سجلت 101 إصابة منذ يونيو 2025، أي ما يقارب ضعف عدد الإصابات المسجلة خلال العام السابق.

وأعلنت وزارة الصحة الأرجنتينية أنها ستنفذ عمليات اصطياد وتحليل للقوارض في مدينة أوشوايا، نقطة انطلاق الرحلة البحرية، في محاولة لتحديد مصدر العدوى.

*نقلاً عن الجارديان