منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“صينية وليست تبتية”.. شهادات تكشف كيف تُنتزع اللغة الأم من أطفال التبت

08 مايو 2026

توقفت طفلة تبتية في الخامسة من عمرها، بعد قضاء أسابيع قليلة داخل روضة أطفال تدرس باللغة الصينية، تدريجياً عن التحدث بلغتها الأم، وبدأت تردد أنها “صينية وليست تبتية”، في مشهد يعكس، وفق منظمات حقوقية وباحثين، سياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل الهوية الثقافية لأطفال التبت منذ سنواتهم الأولى.

كشفت صحيفة “الغارديان” أن والدة الطفلة لاحظت بعد أسابيع من التحاق ابنتها بالروضة أنها توقفت تماماً عن التحدث بالتبتية، وبعد تسعة أشهر لم تعد تجيب إلا باللغة الصينية، رغم استمرار فهمها للغتها الأم.

نقلت الصحيفة البريطانية عن باحث التقى بالعائلة قوله إن الطفلة “تستمر في القول إنها لا تستطيع التحدث إلا بالصينية، وإنها صينية وليست تبتية”، في حين تعتقد الأم أن ابنتها تكرر ما يلقن لها يومياً داخل المدرسة.

وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير من 72 صفحة بعنوان “ابدؤوا بالأطفال الصغار: الصين تستخدم رياض الأطفال لدمج التبتيين”، ما وصفته بتسارع سياسة محو اللغة والثقافة التبتية عبر فرض التعليم باللغة الصينية والتلقين الأيديولوجي على أطفال ما قبل المدرسة.

أوضحت المنظمة أن توجيهاً أصدرته وزارة التعليم الصينية عام 2021، تحت اسم “خطة توحيد لغة الأطفال”، ألزم جميع رياض الأطفال في مناطق الأقليات العرقية باستخدام اللغة الصينية الماندرينية المعيارية في أنشطة التعليم والرعاية كافة.

أكدت نائبة مدير قسم آسيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، مايا وانغ، أن الحكومة الصينية “تستهدف أطفال الروضة لتسريع حملتها لحرمان الأطفال التبتيين من لغتهم الأم وثقافتهم وهويتهم”، مضيفة أن السياسة “لا تتعلق بجودة التعليم، بل بدمج التبتيين قسراً في سن مبكرة ضمن هوية وطنية تتمحور حول الهان”.

استند التقرير إلى تحليل قوانين ووثائق سياسية صينية، إضافة إلى مقابلات مع سبعة تبتيين وباحثين لديهم معرفة مباشرة بالأوضاع داخل المناطق التبتية التي تخضع لقيود مشددة تمنع الوصول الحر إليها.

خلصت المنظمة إلى أن عدداً متزايداً من الأطفال التبتيين ينهون مرحلة ما قبل المدرسة وهم غير قادرين أو غير راغبين في التحدث بالتبتية حتى داخل منازلهم، في حين أكد أولياء أمور أن أبناءهم يتحولون إلى استخدام الصينية بشكل شبه كامل خلال أسابيع أو أشهر من بدء الدراسة.

أشارت مجلة “تيبتان ريفيو” إلى أن الصين تستخدم مفهوم “المواءمة” أداة لطمس الهوية الحضارية للتبت، عبر “صيننة” التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وحرمان الأقليات من إدارة تعليم لغاتها بصورة مستقلة.

لفتت المجلة إلى أن خطة 2021 لم تكتفِ بفرض لغة الماندرين داخل رياض الأطفال، بل ألغت فعلياً الصلاحيات القانونية التي كانت تسمح للأقليات بتنظيم تعليم لغاتها الأم بشكل مستقل، حتى وإن سمح نظرياً بحصص إضافية محدودة.

هندسة الهوية

تتبعت منظمة هيومن رايتس ووتش التحولات السياسية التي شهدها تعليم الأقليات في الصين منذ صدور قانون الحكم الذاتي الوطني الإقليمي عام 1984، مشيرة إلى أن السلطات انتقلت تدريجياً، عبر خمس مراحل، نحو فرض تدريس اللغة الصينية في أعمار صغرى عاماً بعد آخر.

أوضحت المنظمة أن المدارس الابتدائية والثانوية شهدت بالفعل تقليصاً واسعاً لتعليم اللغة التبتية خلال السنوات الماضية، في حين ظلت رياض الأطفال لفترة طويلة آخر مساحة يسمح فيها باستخدام التبتية لغة تدريس رئيسية.

ألغت وزارة التعليم الصينية، بحسب التقرير، الإشارات الرسمية إلى “التعليم ثنائي اللغة” من وثائق السياسات الجديدة، بعدما أمرت جميع رياض الأطفال في مناطق الأقليات باستخدام “اللغة الوطنية المشتركة” في أنشطة التعليم والرعاية كافة.

فرضت السلطات على رياض الأطفال تشجيع الآباء والأطفال على التحدث بالصينية داخل المنازل، كما طالبت بعض الأسر بتقديم مقاطع مصورة لأطفالهم وهم يستخدمون الماندرين.

راقب ممتحنون حكوميون مهارات الأطفال في اللغة الصينية من خلال المقابلات والملاحظة المباشرة، رغم وجود لوائح تمنع الامتحانات والضغوط الأكاديمية داخل رياض الأطفال.

أوضحت “الغارديان” أن السلطات الصينية بدأت منذ عام 2021 فرض لغة الماندرين بوصفها لغة تدريس ورعاية في جميع مدارس البلاد، مع إعطائها الأولوية على لغات الأقليات مثل التبتية والأويغورية والمنغولية.

نقلت الصحيفة عن أولياء أمور قولهم إنهم يحاولون غرس اللغة التبتية في أطفالهم قبل التحاقهم بالمدارس، خوفاً من أن تؤدي رياض الأطفال التي تدرس بالصينية إلى محو لغتهم وثقافتهم.

أرسل بعض الآباء أبناءهم إلى دروس خاصة باللغة التبتية خلال العطلات المدرسية، لكن السلطات شددت القيود على هذه المبادرات، عبر حظر المدارس غير المرخصة وإغلاق كثير من أماكن التدريس.

أظهرت مقاطع فيديو حديثة من التبت، أطفالاً صغاراً لا يستطيعون حتى نطق أسمائهم باللغة التبتية، بل ينطقونها كما لو كانت أسماء صينية.

قال مدير معهد العمل من أجل التبت، لادون تيثونغ، إن هذه السياسات “تقطع صلة الأطفال بلغتهم وثقافتهم، وتفصلهم عن عائلاتهم”.

وحذر الناشط في منظمة “حرية التبت”، تينزين رابغا تاشي، من أن الصين “صنعت آلة تصل إلى أفواه الأطفال الصغار وتنتزع لغتهم الأم”، معتبراً أن فقدان اللغة “ليس مجرد فقدان للكلمات، بل فقدان لكل شيء”.

ثقافة تحت الحصار

ربطت منظمة هيومن رايتس ووتش بين سياسات اللغة الجديدة وتصاعد التلقين السياسي والثقافي داخل المؤسسات التعليمية في التبت، مؤكدة أن مناهج رياض الأطفال تركز بصورة متزايدة على “التربية الوطنية” والولاء للحزب الشيوعي الصيني والانتماء إلى “الأمة الصينية”.

يتعلم الأطفال، وفقاً للتقرير، الاحتفال بالأعياد الصينية، وترديد النصوص الكلاسيكية الصينية، وإنشاد الأناشيد الوطنية، والمشاركة في أنشطة تمجد التاريخ العسكري والثوري الصيني.

يغيب عن المناهج، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش ومجلة “تيبتان ريفيو”، أي حضور فعلي للبوذية التبتية أو الممارسات الثقافية التبتية، رغم اعتبارها من المكونات الأساسية للهوية الثقافية والإثنية في التبت.

أكدت “تيبتان ريفيو” أن السياسات الصينية، مهما قدمت باعتبارها وسيلة للاندماج أو التطوير التعليمي، تتعارض مع التزامات بكين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصاً اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي تضمن للأطفال المنتمين إلى الأقليات حق استخدام لغتهم الأم.

أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن فقدان اللغة بين الأطفال التبتيين يحمل تداعيات ثقافية واجتماعية واسعة، تشمل ضعف التواصل بين الأطفال وكبار السن، وتراجع نقل المعرفة الدينية والثقافية داخل الأسر.

أوضحت المنظمة أن كثيراً من الأجداد لا يتحدثون سوى التبتية، ما يجعل فقدان اللغة لدى الأطفال سبباً مباشراً لتفكك الروابط العائلية وتآكل الذاكرة الثقافية المشتركة.

شهدت التبت، احتجاجات واسعة ضد الحكم الصيني عام 2008، أعقبها تشديد الرقابة والقيود الأمنية، في حين ترى منظمات حقوقية أن السياسات التعليمية الحالية تمثل امتداداً لمحاولات دمج التبتيين قسراً داخل الهوية القومية الصينية.

دعت  هيومن رايتس ووتش الحكومة الصينية إلى إنهاء سياسات فرض التعليم باللغة الصينية في رياض الأطفال، وإعادة توفير تعليم ثنائي اللغة بشكل حقيقي، ووقف التلقين السياسي في مرحلة الطفولة المبكرة.

طالبت المنظمة الحكومات الأجنبية والأمم المتحدة بالضغط على بكين للوفاء بالتزاماتها الدولية، والسماح بالوصول الحر والمستقل إلى المناطق والمدارس التبتية.

وحذرت نائبة مدير قسم آسيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، مايا وانغ، من أن ما يحدث “ليس فقداناً عفوياً للغة، بل سياسة حكومية صينية”، مؤكدة أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى نشوء “جيل كامل من الأطفال التبتيين معزول عن لغته وثقافته وتراثه”.