منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

%90 عادوا من دول الجوار.. لماذا يتمسك اللاجئون السوريون بالبقاء في ألمانيا؟

10 مايو 2026
غالبية اللاجئين السوريين في ألمانيا يفضلون البقاء على العودة إلى سوريا
غالبية اللاجئين السوريين في ألمانيا يفضلون البقاء على العودة إلى سوريا

رغم التحول السياسي الكبير في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين من دول الجوار، لا تزال العودة من ألمانيا محدودة للغاية.

وتكشف الأرقام أن المسألة لا ترتبط فقط بزوال النظام السابق، بل بمجموعة معقدة من العوامل: الاستقرار الذي بناه السوريون في ألمانيا، هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي داخل سوريا، المخاوف الحقوقية، واشتراط الأمم المتحدة أن تكون أي عودة “طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة”.

وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 1.63 مليون لاجئ سوري إلى سوريا منذ تغيير السلطة في نهاية 2024 وحتى 30 أبريل 2026، لكن الغالبية الساحقة جاءت من دول الجوار، نحو 640 ألفًا من تركيا، و630 ألفًا من لبنان، و285 ألفًا من الأردن.

أما ألمانيا فتظهر ضمن فئة “دول أخرى” التي لا يتجاوز مجموع العائدين منها نحو 6,100 شخص، وتشير أرقام المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا إلى أن 3,678 سوريًا عادوا طوعًا من ألمانيا إلى سوريا خلال 2025.

العودة من دول الجوار

توضح الأرقام أن أكثر من 95% من العائدين السوريين جاؤوا من تركيا ولبنان والأردن، لا من أوروبا، وهذا يعني أن موجة العودة الحالية مدفوعة بدرجة كبيرة بعوامل القرب الجغرافي وضغط أوضاع اللجوء في دول الجوار، أكثر مما هي نتيجة قرار جماعي من اللاجئين المستقرين في أوروبا بالعودة النهائية.

في لبنان، يعيش اللاجئون السوريون وسط أزمة اقتصادية عميقة، وضعف شديد في الخدمات، وضغط سياسي واجتماعي متزايد، فضلًا عن التوترات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وفي تركيا، تلعب عوامل مثل التضخم، وارتفاع الإيجارات، وهشاشة سوق العمل، والضغط السياسي الداخلي دورًا مهمًا في دفع بعض السوريين إلى التفكير في العودة، لذلك، تبدو العودة من دول الجوار في كثير من الحالات مرتبطة بعوامل “دفع” من بلد اللجوء، وليس فقط بعوامل “جذب” داخل سوريا.

وتدعم هذه القراءة تحليلات صادرة عن مراكز متخصصة في الهجرة، إذ يرى مركز سياسات الهجرة أن تسارع العودة بعد سقوط الأسد لا يعني بالضرورة أن سوريا أصبحت آمنة أو قادرة على الاستيعاب، بل قد يعكس ضغوطًا متزايدة في بلدان الاستضافة، خصوصًا المجاورة لسوريا.

السوريون في ألمانيا

على عكس كثير من اللاجئين في دول الجوار، يعيش عدد كبير من السوريين في ألمانيا منذ سنوات طويلة، خصوصًا منذ موجة اللجوء الكبرى في 2015 و2016، ومع مرور الوقت، انتقل كثيرون من مرحلة اللجوء المؤقت إلى الدراسة والعمل وتأسيس الأسر، بل وحصل عشرات الآلاف على الجنسية الألمانية.

وتُظهر بيانات رسمية ألمانية أن السوريين تصدروا قائمة المجنسين في ألمانيا عام 2024، حيث حصل 83,150 سوريًا على الجنسية الألمانية، ضمن رقم قياسي بلغ 291,955 عملية تجنيس في البلاد خلال ذلك العام.

هذا التحول القانوني والاجتماعي يجعل العودة أكثر تعقيدًا، فالسوري الذي أصبح لديه عمل، وأطفال في المدارس، وتأمين صحي، وسكن، وشبكة اجتماعية، لا يتخذ قرار العودة فقط بناء على تغير السلطة في دمشق، العودة بالنسبة له تعني إعادة بناء الحياة من الصفر في بلد لا تزال بنيته التحتية واقتصاده ومؤسساته في وضع هش.

كما أن المجتمع الألماني نفسه أصبح يعتمد على جزء من الكفاءات السورية، فقد أشارت تقارير ألمانية وبريطانية إلى أن آلاف السوريين يعملون في قطاعات حساسة، بينها الصحة والرعاية، وأن خروجهم الجماعي قد يسبب أثرًا ملموسًا في سوق العمل والخدمات العامة.

وذكرت صحيفة الغارديان نقلًا عن جمعية المستشفيات الألمانية أن 5,745 طبيبًا سوريًا يعملون في المستشفيات الألمانية، وهم أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب في القطاع.

ألمانيا تشجع العودة

الموقف الرسمي الألماني تغيّر بوضوح بعد سقوط الأسد، في مارس 2026، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في برلين، إن ألمانيا وسوريا ستعملان معًا على عودة اللاجئين، معتبرًا أن السوريين سيكون لهم دور مهم في إعادة بناء بلدهم.

ووفق رويترز، تحدث ميرتس عن توقع عودة نحو 80% من السوريين الموجودين في ألمانيا خلال ثلاث سنوات، مع أولوية لمن لا يملكون حق إقامة ساريًا، وخصوصًا مرتكبي الجرائم.

لكن هذا الطرح أثار انتقادات داخل ألمانيا؛ فقد واجه ميرتس اعتراضات من منظمات غير حكومية، ومعارضين، وحتى من أطراف داخل الائتلاف الحاكم.

واعتبرت أصوات سياسية وحقوقية أن تحديد نسب زمنية للعودة قد يخلق توقعات غير واقعية، ويغذي خطاب اليمين المتطرف، ويتجاهل واقع الاندماج وسوق العمل والمخاطر المستمرة في سوريا.

كما قالت منظمة Pro Asyl، وفق ما نقلته الغارديان، إن السياسة تجاه السوريين يجب أن تستند إلى حقوق الإنسان والحماية والاستقرار طويل الأمد، لا إلى الردع السياسي قصير المدى.

قانونيًا، لا تستطيع الحكومة الألمانية إسقاط الحماية عن السوريين بصورة جماعية لمجرد تغير السلطة، فإلغاء الحماية أو مراجعتها يتطلب تقييمًا فرديًا، وإثبات أن التغير في بلد المنشأ “جوهري ودائم” وليس مؤقتًا، لذلك تظل العودة القسرية الواسعة صعبة، وتبقى العودة الطوعية هي المسار الأكثر واقعية في المدى القريب.

العودة الطوعية والآمنة

الموقف الأممي لا يعارض مبدأ العودة، لكنه يربطها بشروط واضحة. في بيان مشترك لوكالات أممية في يناير 2026، قالت الأمم المتحدة إن “العودة ليست لحظة واحدة، بل عملية”، مؤكدة أن اللاجئين يحتاجون إلى وقت لتقييم الأوضاع، وتأمين الوثائق، وضمان سبل العيش، والتأكد من سلامة أطفالهم وإمكانية حصولهم على التعليم والخدمات.

وأشار البيان إلى أن نحو 3 ملايين سوري من النازحين واللاجئين تمكنوا من العودة إلى مناطقهم بعد أكثر من عقد من النزوح، وأن عام 2025 وحده شهد عودة نحو 179 ألفًا من الأردن و500 ألف من لبنان.

لكنه في الوقت نفسه شدد على أن نحو 4.5 مليون سوري لا يزالون في دول الجوار، وأن دعم العودة يبدأ من بلدان الاستضافة عبر تمكين العائلات من اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة.

كما يشير إطار الاستجابة الإقليمي لسوريا لعام 2026 إلى أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الهشة تجعل العودة الطوعية والآمنة والمستدامة تحديًا كبيرًا، وأن أغلب اللاجئين لا يزالون في حاجة إلى دعم وخدمات أساسية.

الموقف الحقوقي الدولي

منظمة العفو الدولية حذرت بعد سقوط الأسد من أن سلامة السوريين في أوروبا يجب ألا تُضحى بها لحساب المصالح السياسية.

وقالت المنظمة إن الوضع في سوريا لا يزال “شديد التقلب”، وإن خمسة عقود من القمع لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها، داعية الحكومات الأوروبية إلى عدم تعليق طلبات اللجوء أو دفع السوريين إلى مزيد من عدم اليقين.

كما طالبت بمعالجة طلبات اللجوء بصورة فردية وفعالة، وعدم تقييد لمّ الشمل أو فرض عودة غير آمنة.

أما هيومن رايتس ووتش فأكدت في تقريرها العالمي 2025 أن الظروف داخل سوريا لا تزال غير ملائمة للعودة الآمنة والكريمة، وأن بعض دول الاستضافة، ومنها تركيا ولبنان، رحّلت آلاف السوريين أو دفعتهم إلى العودة، بينما تكثف النقاش الأوروبي حول إعادة السوريين بعد ديسمبر 2024.

وتشير هذه المواقف الحقوقية إلى أن زوال الخطر المرتبط بنظام الأسد لا يعني تلقائيًا زوال كل المخاطر.. فما زالت هناك أسئلة حول الأمن، والجماعات المسلحة، والعدالة الانتقالية، والملكية والسكن، والوثائق المدنية، والتجنيد، والأقليات، والخدمات الأساسية.

الوضع داخل سوريا

رغم التحول السياسي، لا تزال سوريا تواجه تحديات ضخمة، تقارير الأمم المتحدة لعام 2026 تشير إلى أن ملايين السوريين لا يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن مناطق واسعة تعاني من ضعف الخدمات، تضرر البنية التحتية، نقص فرص العمل، ومخاطر أمنية.

وتشير وثائق أممية إلى أن 15.6 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى المساعدة، مع عودة أكثر من 1.5 مليون لاجئ و1.8 مليون نازح داخليًا بحلول مارس 2026.

هذه الأوضاع تجعل العودة من ألمانيا مختلفة عن العودة من لبنان أو تركيا أو الأردن، فاللاجئ المقيم في ألمانيا لا يواجه عادة خطر الفقر المدقع أو انعدام الإقامة القانونية بالدرجة نفسها، بينما قد يجد في سوريا نقصًا في الكهرباء، والمياه، والمدارس، والرعاية الصحية، والسكن والعمل، لذلك يفضّل كثيرون الانتظار، أو زيارة سوريا مؤقتًا إن أمكن، بدل العودة النهائية.

جزء كبير من السوريين في ألمانيا ينتمي إلى فئات تخشى العودة بسبب الهوية الدينية أو الإثنية أو السياسية، مثل الأكراد، والمسيحيين، والعلويين، والدروز، والمعارضين السابقين، أو من يخشون التجنيد والمساءلة الأمنية، كما أن العائلات التي لديها أطفال في المدارس الألمانية تتردد أكثر، لأن العودة تعني إدخال الأطفال في نظام تعليمي غير مستقر وربما مختلف لغويًا واجتماعيًا.

وتؤكد الأمم المتحدة أن اللاجئين يقولون إنهم يرغبون في العودة، لكنهم يحتاجون أولًا إلى معرفة ما إذا كانوا سيكونون آمنين، وما إذا كان أطفالهم سيذهبون إلى المدرسة، وما إذا كانت هناك خدمات وفرص معيشية.

العودة ليست قرارًا عاطفيًا

كثير من السوريين يحتفظون برغبة عاطفية في العودة، لكن القرار العملي يتوقف على أربعة أسئلة: هل توجد سلامة؟ هل توجد مدرسة للأطفال؟ هل يوجد عمل أو دخل؟ هل توجد رعاية صحية وسكن؟ في غياب إجابات واضحة، تصبح العودة المؤجلة هي الخيار الأكثر شيوعًا.

لذلك يمكن القول إن المفارقة الحالية هي أن سقوط الأسد فتح باب العودة سياسيًا ورمزيًا، لكنه لم يحسم شروط العودة المعيشية والقانونية والأمنية، ومن هنا يظهر الفرق بين “العودة الممكنة” و“العودة المستدامة”.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية