منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بإصلاحات محدودة.. “العفو الدولية” ترصد واقع الحريات في المغرب 2025

19 يوليو 2026
رغم الإصلاحات المقترحة في قانون المسطرة الجنائية بالمغرب استمرت محاكمة نشطاء وصحفيين
رغم الإصلاحات المقترحة في قانون المسطرة الجنائية بالمغرب استمرت محاكمة نشطاء وصحفيين

بتصاعد في القيود على حرية التعبير والمعارضة السلمية، شهد عام 2025 في المغرب تحولاً لافتاً في المشهد الحقوقي، عكس تزايد الضغوط على النشطاء والصحفيين ومنتقدي السياسات العامة، في ظل توظيف قوانين فضفاضة وملاحقات قضائية للحد من الأصوات المستقلة.

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن) تزامنت هذه الأوضاع مع احتجاجات اجتماعية واقتصادية واجهتها السلطات المغربية بإجراءات أمنية مشددة، ما طرح تساؤلات جدية حول مسار الحريات العامة وحدود الإصلاحات المعلنة في البلد العربي.

ومدد مجلس الأمن ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية لعام إضافي، مع الدعوة لمفاوضات حول تقرير المصير، في حين أعلنت الحكومة عن إصلاحات استجابة لاحتجاجات شبابية، شملت زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، ووعدوا بتوفير فرص عمل وتعزيز مشاركة الشباب سياسياً.

واستخدمت السلطات المغربية قوانين فضفاضة لتجريم التدوين والنقد، ما أدى إلى سجن نشطاء وصحفيين بسبب آرائهم أو منشوراتهم، كما سجلت حالات ترحيل لصحفيين أجانب واعتقال نشطاء بسبب التعبير السلمي، ومنه ما على الإنترنت.

وفرض قانون جديد للإضراب قيوداً واسعة، منها حظر الإضرابات ذات الطابع السياسي، وفي الصحراء الغربية، استمرت الانتهاكات بحق النشطاء، ومنها الاعتقال والمراقبة والإقامة الجبرية، كما فُضت مظاهرات سلمية بالقوة، وسجلت اعتقالات جماعية خلال احتجاجات سبتمبر التي أسفرت عن قتلى ومصابين، بحسب تقرير “العفو الدولية”.

محاكمة نشطاء وصحفيين

ورغم بعض الإصلاحات المقترحة في قانون المسطرة الجنائية، استمرت محاكمة نشطاء وصحفيين، كما أثار مشروع إنشاء بنك للبصمة الجينية مخاوف تتعلق بالخصوصية، في حين استمرت قوانين تمييزية خاصة في قضايا الإرث والحضانة، ولا تزال عقوبة الإعدام قائمة قانوناً، مع استمرار وقف تنفيذها منذ عام 1993.

وعلى صعيد الأوضاع الاقتصادية، تزايدت معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، ما غذى الاحتجاجات، حيث تم انتقاد توجيه الإنفاق نحو مشاريع كبرى مثل كأس العالم 2030 على حساب دعم المتضررين من زلزال 2023.

وفاقم الجفاف الحاد أزمة المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية، رغم توسع مشاريع تحلية المياه، إذ قدمت الحكومة خططاً لخفض الانبعاثات، لكنها ما تزال تفتقر لآليات واضحة تضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة.

رؤية نقدية حذرة

وتعقيباً على ما ورد في تقرير المنظمة الدولية، قال الناشط الحقوقي المغربي عادل تشيكيطو إن تقرير منظمة العفو حول المغرب لعام 2025 يندرج ضمن التقارير التي تمزج بين التوثيق الحقوقي والقراءة المعيارية، لكنه شدد على ضرورة التعامل معه بحذر، حيث لا يمكن القبول المطلق بكل ما ورد فيه، أو رفضه كلياً بدعوى الانحياز للرواية الرسمية.

وأوضح تشيكيطو في حديث مع “صفر”، أن بعض ما ورد في التقرير يستند إلى وقائع جزئية، خاصة في حين يتعلق بتضييق حرية التعبير في حالات محددة، واستمرار محاكمة صحفيين ونشطاء بموجب قوانين فضفاضة مثل التشهير، مؤكداً أن هذه القضايا طرحتها منظمات حقوقية مغربية سابقاً، وليست حكراً على المنظمات الدولية.

وأضاف أن مشكلات مثل بطالة الشباب والتفاوتات الاجتماعية وتأثيرات الجفاف ليست حكراً على المغرب، بل هي تحديات عالمية، مشيراً إلى أن تقارير وطنية رسمية صادرة عن مؤسسات كالمندوبية السامية للتخطيط والمجلس الوطني لحقوق الإنسان تدعم هذه المعطيات.

غياب الصورة الإيجابية

وانتقد تشيكيطو ما اعتبره اختزالاً في التقرير، حيث يميل إلى تعميم حالات فردية لرسم صورة شاملة، دون إبراز كافٍ للتطورات الإيجابية، مشيراً إلى جملة من الإصلاحات، منها إصلاح العدالة الجنائية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، واستمرار وقف تنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1993، معتبراً أن تناول هذه الجوانب ضروري لتحقيق توازن وموضوعية كبيرين.

وفيما يتعلق بملف الصحراء، اعتبر تشيكيطو أن التقرير أغفل التعقيدات السياسية والأمنية، واعتمد رواية أحادية قريبة من الطرح الحقوقي المجرد، دون إدماج البعد الجيوسياسي أو الاستماع للرواية الرسمية.

وشدد على أهمية الموازنة بين مختلف الروايات، ومنها رواية المؤسسات الوطنية، للوصول إلى تقييم حقوقي أكثر شمولاً، مشيراً إلى أن التقرير لم يتناول بعض التجاوزات المنسوبة لجهات انفصالية، والتي قد تمس بحقوق المواطنين في الأمن والسلامة.

ووصف تشيكيطو الوضع الحقوقي في المغرب بأنه “معتدل”، حيث يجمع بين تقدم تشريعي ومؤسساتي منذ دستور 2011، مقابل تعثر نسبي في الممارسة، خصوصاً في مجال الحريات العام، خصوصاً في ظل غياب نمط ممنهج من القمع، مقابل وجود تجاوزات فردية أو مؤسساتية تعمل المنظمات الحقوقية على رصدها ومواجهتها.

يرى تشيكيطو أن مسار حقوق الإنسان في المغرب يظل رهين توازن حساس بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والانفتاح الحقوقي من جهة أخرى، وهو ما يتأثر بعوامل داخلية، أبرزها الإرادة السياسية والضغط المجتمعي الذي تمارسه الأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية.

وخلص تشيكيطو إلى أن التقرير لم يكن موفقاً بالشكل الكافي في عكس واقع حقوق الإنسان في المغرب، معتبراً أنه أغفل الخصوصية القانونية والمجتمعية الوطنية، واعتمد مقاربة غير متوازنة في بعض محاوره.

هراء لا يستحق الرد

بدورها، رفضت الحقوقية المغربية البارزة، مليكة الشيكر، ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في المغرب رفضاً قاطعاً، واعتبرته “مجرد هراء”.

وأضافت الشيكر، رئيسة منتدى المرأة العربية، في تصريح لـ”صفر”، أن ما تضمنه التقرير “لا يستند إلى أي أساس من الصحة ولا يستحق الرد”.

وأشارت إلى أن المغرب، شأنه شأن مصر، يتعرض منذ سنوات لهجمات متكررة من قبل هذه المنظمات، لأسباب باتت معروفة لدى الجميع، على حد تعبيرها.

وأكدت الشيكر أن المغرب يشهد “طفرة اقتصادية وسياسية واجتماعية”، معتبرة أن “ملف الصحراء قد حُسم”.

وشددت على أن ما وصفته بنجاحات المغرب “أثار استياء بعض المنظمات والجهات الممولة لها، ما دفعها إلى مهاجمة البلاد والتشكيك في مؤسساتها”، مضيفة أن المغرب ماضٍ في مسار التقدم، غير مكترث بتلك الانتقادات.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان