تفتح عودة نحو 1.6 مليون سوري إلى بلادهم منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024 ملفاً سياسياً وقانونياً حساساً في أوروبا، خصوصاً في ألمانيا التي تستضيف أكثر من 900 ألف سوري، فبينما تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى حركة عودة واسعة من دول الجوار، لا تزال أعداد العائدين من ألمانيا محدودة، رغم برامج العودة الطوعية والدعم المالي.
وتضع هذه التطورات الحكومة الألمانية أمام معادلة معقدة: هل يعني تغير السلطة في دمشق أن أسباب الحماية زالت؟ أم أن الوضع الأمني والاقتصادي والإنساني داخل سوريا لا يزال هشاً ليمنع أي مراجعة جماعية لوضع اللاجئين؟ وبين هذين السؤالين، ينقسم المشهد السياسي الألماني بين من يطالب بسحب الحماية على نطاق واسع، ومن يحذر من التسرع في بلد لم يستقر بعد.
وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 1.63 مليون سوري إلى بلادهم منذ التغيير السياسي في سوريا نهاية عام 2024، ونقلت صحيفة “فيلت” الألمانية أن معظم العائدين جاؤوا من دول الجوار، خصوصاً تركيا ولبنان والأردن.
وبحسب الأرقام الواردة حتى 16 أبريل 2026، عاد نحو 634 ألف سوري من تركيا، و621 ألفاً من لبنان، و284 ألفاً من الأردن، وتكشف هذه الأرقام أن حركة العودة الكبرى لا تأتي من أوروبا، بل من الدول التي تحملت العبء الأكبر للجوء السوري منذ اندلاع الحرب عام 2011.
ألمانيا خارج الموجة
رغم أن ألمانيا تعد من كبرى الدول الأوروبية استضافة للسوريين، فإن العائدين منها لا يمثلون سوى نسبة محدودة من إجمالي العائدين، ولا تظهر ألمانيا بوصفها فئة مستقلة في بيانات الأمم المتحدة التي نقلتها الصحيفة، بل ضمن فئة “دول أخرى”، والتي تضم نحو 6100 عائد.
ويعيش في ألمانيا أكثر من 900 ألف سوري، في حين تشير بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى أن 3678 لاجئاً سورياً عادوا طوعاً خلال عام 2025، ويعني ذلك أن العودة من ألمانيا لا تزال محدودة، مقارنة بحجم الجالية السورية من جهة، وبأعداد العائدين من تركيا ولبنان والأردن من جهة أخرى.
منذ سقوط النظام السوري السابق، سجلت ألمانيا تراجعاً في أعداد السوريين الساعين للحصول على الحماية، ويرتبط ذلك بتغير قراءة السلطات الألمانية للوضع السوري، إذ ترى الحكومة أن أسباب الحماية لم تعد قائمة في حالات معينة، خصوصاً بالنسبة لمن دخلوا ألمانيا قبل أو بعد سقوط النظام بفترة وجيزة.
لكن هذا التراجع في منح الحماية لا يعني أن ألمانيا بدأت سحباً جماعياً لوضع اللاجئين السوريين، فالمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين لا يطبق حالياً مراجعات عامة على جميع السوريين، بل يتعامل غالباً مع الحالات الفردية المرتبطة بمخالفات محددة، مثل السفر غير المصرح به إلى سوريا أو ارتكاب جرائم.
مراجعة الحماية
قانونياً، يستطيع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مراجعة وضع الحماية إذا زالت الأسباب التي أدت إلى منحها، غير أن هذا يتطلب، وفق المعايير التي ينقلها المكتب، أن يكون التغير في بلد المنشأ “جوهرياً” وليس مؤقتاً، وأن يكون “دائماً” لا مجرد تحول سياسي سريع.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: سقوط نظام الأسد غيّر المشهد السياسي، لكنه لا يثبت وحده أن سوريا أصبحت آمنة ومستقرة بما يكفي لإلغاء الحماية على نطاق واسع، فالمكتب نفسه يشير إلى أن تقييم دوام التغير لا يمكن حسمه إلا بعد مرور فترة زمنية، وبمجرد استقرار الأوضاع.
ورغم انخفاض حوادث النزاع والوفيات المرتبطة بها بعد تغيير السلطة، فإن الوضع داخل سوريا لا يزال صعباً، فالتقارير الألمانية تشير إلى أن أحدث تقييم للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، الصادر في نوفمبر 2025، لاحظ انخفاضاً عاماً في وتيرة العنف، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الوضع الاقتصادي والإنساني لا يزال “مزرياً”.
وتدعم تقارير دولية هذا الحذر، فقد سبق للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن شددت على أن الاحتياجات الإنسانية داخل سوريا لا تزال هائلة، وأنه من السابق لأوانه اعتبار البلاد آمنة للعودة القسرية، داعية الدول المضيفة إلى التحلي بالصبر والإبقاء على الحماية.
العودة الطوعية
تدعم ألمانيا العودة الطوعية عبر برامج تمويل وتنظيم، منها برنامج REAG/GARP الذي تشرف عليه الحكومة الاتحادية والولايات الألمانية، ومنذ يناير 2024، أصبح المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين ينظم ويشرف على المغادرات الطوعية، بعدما كانت المنظمة الدولية للهجرة مسؤولة عن تنفيذ البرنامج لعقود.
وتشمل المساعدات عادة دعم تكاليف السفر ومساعدات بدء جديدة، لكنها لا تغيّر حقيقة أن العودة إلى سوريا ما زالت قراراً صعباً لكثير من الأسر، بسبب الدمار، ونقص الخدمات، وضعف فرص العمل، وتحديات السكن، وعدم وضوح المستقبل السياسي والأمني.
وداخل ألمانيا، طُرح اقتراح سياسي بالسماح للاجئين السوريين بزيارات مؤقتة إلى وطنهم لاستطلاع الأوضاع، من دون أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى فقدان وضع الحماية، ويدعم هذا الطرح سياسيون من الحزب الديمقراطي الاشتراكي والخضر واليسار، باعتباره وسيلة عملية تساعد اللاجئين على اتخاذ قرار عودة مستنير.
لكن الوضع القانوني الحالي أكثر تعقيداً، فالسوري الحاصل على وضع حماية قد يواجه خطر مراجعة وضعه إذا سافر إلى سوريا؛ لأن السلطات قد تعد السفر مؤشراً على زوال الخطر الشخصي أو عودة الارتباط ببلد المنشأ، لذلك يبقى كثيرون مترددين بين الرغبة في زيارة البلاد والخوف من خسارة الحماية في ألمانيا.
انقسام سياسي
أثار ملف العودة نقاشاً حاداً في ألمانيا. فسياسيون من الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي يرون أن حق الحماية سقط بالنسبة إلى كثير من السوريين بعد سقوط النظام، ويدعون إلى بدء مراجعات منهجية، خصوصاً لفئات مثل الشباب العزاب ممن لا يعملون أو يتلقون إعانات اجتماعية أو وصلوا حديثاً.
وفي المقابل، يبدي الحزب الديمقراطي الاشتراكي تحفظاً واضحاً، فالأولوية، بحسب هذا الاتجاه، يجب أن تكون أولاً لإعادة المخالفين والمرتكبين للجرائم، وليس فتح مراجعات واسعة قد تثقل الإدارة وتؤدي إلى قرارات يصعب تنفيذها عملياً.
حتى إذا قررت الحكومة الألمانية توسيع مراجعات الحماية، فإن التنفيذ لن يكون بسيطاً. فإلغاء الحماية لا يعني بالضرورة الترحيل الفوري؛ لأن الترحيل يحتاج إلى ترتيبات دبلوماسية، ووثائق سفر، وقبول من سلطات بلد العودة، وضمانات بعدم التعرض للخطر.
وهنا يظهر تخوف عملي داخل برلين: إذا خسر آلاف السوريين وضع الحماية ورفضوا العودة الطوعية، فقد تجد السلطات نفسها أمام أعداد كبيرة من أشخاص ملزمين بمغادرة البلاد، لكن ترحيلهم غير قابل للتنفيذ بسهولة، وهذا قد يخلق أزمة قانونية واجتماعية وإدارية بدل حل المشكلة.
مخاوف حقوقية
حقوقياً، يظل المبدأ الأساسي هو أن أي عودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، ولا يكفي تغير السلطة السياسية للقول إن بلداً أصبح آمناً لجميع اللاجئين، خصوصاً عندما تكون البنية التحتية مدمرة، والاقتصاد منهكاً، والمؤسسات في طور إعادة التشكل، والمخاطر الأمنية لا تزال قائمة في بعض المناطق.
كما أن العودة لا تتعلق فقط بعدم التعرض للاعتقال أو القصف، بل تشمل القدرة على السكن، والحصول على الخدمات، والعمل، والتعليم، والوثائق، واستعادة الممتلكات، والاندماج في مجتمع تغير خلال سنوات الحرب والنزوح.
