تواجه النساء في الحياة العامة، ولا سيما الصحفيات والإعلاميات، أشكالاً متنامية ومتطورة من العنف الإلكتروني المنسق، حيث حذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن ما يُعرف بـ”الاغتصاب الافتراضي” المدعوم بالذكاء الاصطناعي بات في متناول الجناة، وفق ما ورد في تقريرها بالتعاون مع منظمة “ذا نيرف” وشركائها، والذي تناولته بالتحليل صحيفة “الغارديان” البريطانية.
ويكشف تقرير “نقطة التحول” أن تداخل الذكاء الاصطناعي التوليدي مع إخفاء الهوية وغياب القوانين الفعالة يسهم في تحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة ضاغطة تدفع النساء نحو الانسحاب أو الصمت، ما يهدد مشاركتهن في المجال العام وحرية الصحافة.
وذكرت الصحفية وسفيرة النوايا الحسنة الوطنية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الفلبين كارين دافيلا، تجربتها مع حملات إساءة رقمية منظمة تعرضت لها عقب إدارتها لمناظرة رئاسية عام 2016، مشيرة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تفتقر للضوابط، وموضحة أنها واجهت عشرات الآلاف من التعليقات البذيئة والتهديدية كل ساعة عبر حسابات آلية (Bots)، صُممت لتشويه مصداقيتها وزعزعة إحساسها بالأمان.
وتؤكد أن الهدف كان واضحاً، وهو “إسكاتك حتى لا تنتقدي تصرفات الإدارة”، بحسب ما نقلته في شهادتها ضمن التقرير الذي نشرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وأوضحت مؤسسة ورئيسة تحرير موقع “ذا بيرسيستنت” فرانشيسكا دونر، من خلال التقرير ذاته، أن الدافع وراء هذه الهجمات واحد، وهو منع النساء من الكتابة أو التحدث أو الترشح أو ممارسة النشاط العام.
وتشير دونر إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي نقل العنف الإلكتروني من تعليقات نصية وميمات إلى صور وفيديوهات فائقة الواقعية، حيث يكفي وجود صورة واحدة لبدء حملة تشويه قد تتصاعد لتشمل نشر العناوين الشخصية وصور العائلات، وصولاً إلى التهديد في الواقع الفعلي.
التزييف العميق
من جانبها، تكشف الباحثة الرئيسية ومؤلفة تقرير الأمم المتحدة، وأستاذة الصحافة جولي بوسيتي، أن المعطيات تشير إلى “تصعيد هائل” في التهديدات الموجهة ضد النساء في الحياة العامة بهدف إقصائهن من الأدوار القيادية.
توضح بوسيتي أن هذا النمط يتقاطع مع ممارسات تسعى إلى تقويض التقدم في حقوق المرأة وإعادة إنتاج بيئة تسمح بالتراجع عنها، مشيرة إلى أن 6% من النساء في الحياة العامة أبلغن عن تعرضهن لتقنيات التزييف العميق، في حين تعرض نحو ثلثهن لمضايقات جنسية غير مرغوب فيها عبر الإنترنت.
يسجل التقرير ذاته تزايداً في الرقابة الذاتية بين الصحفيات، حيث أفادت 45% من المشاركات بأنهن يقيدن نشاطهن على وسائل التواصل الاجتماعي لتجنب الإساءة، بزيادة قدرها 50% منذ عام 2020، في حين ذكرت 22% منهن أن هذا التقييد امتد إلى عملهن المهني، ومنه تجنب تغطية موضوعات حساسة خشية التعرض للهجوم.
ويشير التقرير إلى أن هذا النمط يعكس تراجعاً ملموساً في حرية التعبير وتأثيراً مباشراً في حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
توضح دافيلا كيف تُستغل تقنيات التزييف العميق في إنتاج مقاطع فيديو مزيفة تظهرها وهي تروج لمنتجات مشبوهة أو تتورط في مشاهد مختلقة مع سياسيين، مشيرة إلى أن الهدف هو جذب التفاعل الرقمي قبل تحويل هذه الصفحات لاحقاً إلى منصات “شرعية” لأغراض سياسية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتؤكد أن عبء مواجهة هذه الانتهاكات يقع بالكامل على الضحايا، في ظل غياب مساءلة فعالة للمنصات الرقمية.
ندوب نفسية
وكشفت بيانات استطلاع أجرته منظمة “تيبينج بوينت” أن نحو 24.7% من الصحفيات والعاملات في الإعلام شُخصن باضطرابات القلق أو الاكتئاب نتيجة العنف الإلكتروني، في حين أبلغت حوالي 13% عن إصابتهن باضطراب ما بعد الصدمة، وفقاً للموقع الرسمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
تصف الصحفية فرانشيسكا دونر هذا الواقع بـ”الخوف المتفشي” الذي يجعل الصحفيات في حالة ترقب دائم لاحتمال التعرض لهجمات جديدة مرتبطة بما ينشرنه من محتوى.
تشير رئيسة قسم إنهاء العنف ضد المرأة في هيئة الأمم المتحدة للمرأة كاليوبي مينجيرو إلى أن الذكاء الاصطناعي يجعل الإساءة أكثر سهولة وتأثيراً، مؤكدة أن تزايد إخفاء الهوية وسرعة انتشار المحتوى يزيدان من خطورة الفضاء الرقمي.
وتوضح مينجيرو، وفق التقرير، أن أقل من 40% من دول العالم تمتلك قوانين لحماية النساء من التحرش أو المطاردة الإلكترونية، ما يترك نحو 1.8 مليار امرأة دون حماية قانونية كافية.
ومن جانبها، تؤكد المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث أن العنف الرقمي لا يبقى محصوراً في الإنترنت، بل يمتد إلى الواقع، مسبباً الخوف، وقد يصل في بعض الحالات إلى العنف الجسدي.
يشير التقرير الأممي إلى أن النساء من الأقليات العرقية أو الدينية، وكذلك من مجتمع الميم، يواجهن مستويات عليا من الاستهداف، نتيجة ما يُعرف بالتضخيم الخوارزمي لخطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية.
وتلفت مينجيرو إلى أن غياب المساءلة يخلق حلقة مفرغة تدفع النساء إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي، محذرة من أن ذلك ينعكس سلباً على المجتمع كله؛ نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الصحفيات في نقل الحقيقة وتشكيل الخطاب العام.
تصاعد البلاغات
من جانبها، ترصد منصة “ميراج نيوز” الأسترالية تحولاً ملحوظاً في عام 2025 نحو زيادة الإبلاغ عن العنف الإلكتروني ضد الصحفيات، حيث تضاعفت نسبة الإبلاغ للشرطة لتصل إلى 22% مقارنة بـ11% في عام 2020.
كما ارتفعت نسبة اتخاذ إجراءات قانونية ضد الجناة أو الجهات المتواطئة إلى 14% مقارنة بـ8% سابقاً، ما يعكس تنامي الوعي بأهمية المساءلة.
وتشير مينجيرو إلى أن التقاعس عن معالجة هذه الانتهاكات سيؤدي إلى آثار طويلة الأمد، محذرة من أن استمرار غياب التنظيم يرسخ بيئة رقمية طاردة للنساء.
ويخلص التقرير إلى أن استهداف النساء في الفضاء الرقمي لم يعد عشوائياً، بل أصبح، بحسب الباحثين، “ممارسة منظمة ومنهجية” تهدف إلى تقليص مشاركتهن في المجال العام.
وتختتم الباحثة جولي بوسيتي بالإشارة إلى أن استخدام المعلومات الملفقة لتشكيل قناعات عامة حول النساء يمثل تهديداً مباشراً للممارسة الديمقراطية، مؤكدة أن استمرار هذه الأنماط يعيد تشكيل المجال الرقمي ليصبح بيئة طاردة للأصوات النسائية، في ظل منظومة متسارعة من العنف المعزز بالتكنولوجيا.
