منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الاحتجاز والانتهاكات.. أطفال المهاجرين في ليبيا أزمة إنسانية تتفاقم بصمت

06 مايو 2026
أطفال مهاجرون في ليبيا
أطفال مهاجرون في ليبيا

في غرف ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، يقضي أطفال مهاجرون أيامهم داخل مراكز احتجاز في ليبيا، بعيدا عن أسرهم وحقوقهم الأساسية، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر بحثا عن الأمان، وهؤلاء الأطفال، وبينهم قاصرون غير مصحوبين، يجدون أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ، حيث يتحول الأمل في حياة أفضل إلى معاناة يومية داخل بيئة غير آمنة.

تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الأطفال يمثلون ما بين 15 و20 بالمئة من إجمالي المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا خلال عامي 2025 و2026، كما توضح المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 17 ألف مهاجر أعيدوا إلى ليبيا خلال عام 2025، بينهم مئات الأطفال، في ظل استمرار عمليات الإعادة دون ضمانات كافية للحماية.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن عددا كبيرا من هؤلاء الأطفال هم من غير المصحوبين بذويهم، ما يزيد من هشاشتهم ويجعلهم عرضة لمخاطر مضاعفة تشمل الاستغلال والعنف والاحتجاز.

الاحتجاز كواقع مفروض

حذرت 17 منظمة حقوقية دولية من استمرار احتجاز الأطفال المهاجرين في ليبيا، مؤكدة أن غياب بدائل الحماية يجعل الاحتجاز الخيار الأكثر استخداما رغم مخالفته للمعايير الدولية، وأشارت هذه المنظمات إلى أن إغلاق بعض المراكز، مثل مركز أبو سليم، لم يؤد إلى إنهاء الظاهرة، بل دفعها إلى العمل بشكل أقل شفافية.

وتوضح التقارير أن الأطفال يتم احتجازهم في مرافق أمنية تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير، مع غياب الفصل بين القاصرين والبالغين، وعدم وجود أنظمة تتبع واضحة، ما يعرضهم لمخاطر متعددة.

مراكز احتجاز مثيرة للقلق

تكشف تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن أوضاع صعبة داخل مراكز الاحتجاز، تشمل الاكتظاظ ونقص الغذاء والرعاية الصحية، إضافة إلى غياب الدعم النفسي للأطفال، وتبرز مراكز في طرابلس وبنغازي، مثل تاجوراء وبئر الغنم وقنفودة، كنماذج تعكس حجم التحديات، في ظل نقص الشفافية حول أعداد المحتجزين وأوضاعهم.

وتؤكد منظمة العفو الدولية أن هذه المرافق لا تلتزم بالمعايير الدولية لحماية الأطفال، حيث يتم احتجازهم في ظروف قاسية قد تصل إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية.

أطفال مهاجرون وذويهم في ليبيا

شبكات تهريب واستغلال

لا تقتصر الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال المهاجرون في ليبيا على مراكز الاحتجاز الرسمية، بل تمتد بشكل واسع إلى شبكات تهريب البشر التي تدير منظومة موازية من الاستغلال والعنف خارج أي رقابة قانونية. وتشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن هذه الشبكات تدير مواقع احتجاز غير قانونية، حيث يتعرض الأطفال لاعتداءات جسدية ونفسية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري، في ظل بيئة توصف بأنها لاإنسانية وخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة غير خاضعة للمساءلة.

وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسات لا تُعد حالات فردية، بل جزءاً من نمط ممنهج من الاستغلال، حيث يتم احتجاز المهاجرين، بمن فيهم الأطفال، بهدف ابتزاز عائلاتهم للحصول على فدية مالية، أو إجبارهم على العمل القسري مقابل الإفراج عنهم، وهو ما يجعل الهجرة نفسها مسارا محفوفا بالاستغلال منذ بدايته وحتى نهايته.

وتعزز هذه المعطيات تقارير إعلامية وحقوقية تشير إلى أن المهاجرين الذين تتم إعادتهم قسرا إلى ليبيا يواجهون أوضاعا توصف بأنها قريبة من الجحيم، تشمل الاكتظاظ ونقص الغذاء والمياه، إضافة إلى التعذيب والاستغلال الجنسي والعمل القسري، مع تسجيل حالات استغلال للأطفال ضمن هذه الانتهاكات.

من جانب آخر، توضح بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن حجم تدفقات المهاجرين عبر ليبيا يفاقم من هذه المخاطر، حيث تم اعتراض وإعادة 27116 مهاجرا خلال عام 2025، في حين بلغ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا نحو 928839 مهاجرا، بينهم نحو 100 ألف من الأطفال، ما يعكس اتساع البيئة التي تنشط فيها شبكات التهريب.

كما تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أنه خلال الأشهر الأولى من عام 2025 فقط، تمت إعادة 9585 مهاجرا إلى ليبيا، من بينهم 333 طفلا، بينهم 145 قاصرا غير مصحوبين أو من الفئات الأكثر هشاشة، وهي فئة تعد الأكثر عرضة للاستغلال من قبل شبكات التهريب بسبب غياب الحماية الأسرية والقانونية.

وتؤكد المنظمة أن رحلة الهجرة نفسها تمثل مسارا متكاملا من المخاطر، يبدأ من التهريب عبر الصحراء حيث يتعرض الأطفال للابتزاز والعنف، ويمتد إلى مراكز الاحتجاز غير الرسمية، وينتهي بمحاولات العبور البحري الخطرة التي تشهد سنويا مئات الوفيات وحالات الاختفاء، حيث سجل عام 2025 وحده أكثر من 1314 حالة وفاة أو فقدان في طريق الهجرة عبر البحر المتوسط.

وتخلص تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى أن تداخل شبكات التهريب مع غياب الدولة وضعف الرقابة يخلق بيئة خصبة لانتهاكات ممنهجة، يكون الأطفال فيها الحلقة الأضعف، حيث يتحولون من طالبي حماية إلى ضحايا للاتجار والاستغلال، في واحدة من أخطر أزمات الطفولة المرتبطة بالهجرة على مستوى العالم.تفاوت جغرافي في الانتهاكات

توضح تقارير الأمم المتحدة أن الانتهاكات تتركز في مناطق الساحل الليبي والمدن الرئيسية، حيث تنتشر مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، كما تشير إلى أن ضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق يسهم في توسع نشاط شبكات التهريب، ما يزيد من تعقيد الأزمة.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الأطفال من المهاجرين في هذه المناطق يواجهون بيئة غير مستقرة، مع محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية، ما يفاقم من معاناتهم.

تداعيات إنسانية طويلة الأمد

تنعكس هذه الظروف بشكل مباشر على صحة الأطفال الجسدية والنفسية، حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الأطفال المحتجزين يعانون من صدمات نفسية نتيجة العنف والاحتجاز، إضافة إلى حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية.

كما توضح المنظمة الدولية للهجرة أن هذه التجارب تترك آثارا طويلة الأمد، قد تؤثر على مستقبل الأطفال وتزيد من احتمالات تعرضهم للاستغلال أو الانخراط في أنشطة غير قانونية نتيجة غياب البدائل.

مهاجرون في ليبيا

دور الدولة في مكافحة شبكات التهريب

تسعى السلطات الليبية إلى مواجهة شبكات تهريب البشر عبر مزيج من الإجراءات الأمنية وبرامج إعادة المهاجرين، إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض.

وتشير بيانات جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية إلى تنفيذ عمليات أمنية متواصلة، من بينها ضبط 140 مهاجرا في عملية واحدة خلال أبريل 2026، في إطار تتبع مواقع تستخدمها شبكات التهريب، كما أعلنت الجهات الرسمية إعادة أكثر من 37 ألف مهاجر إلى بلدانهم خلال عام 2025 ضمن برامج العودة الطوعية، وهو رقم يعكس حجم الجهد الأمني والإداري المبذول للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

ورغم هذه الإجراءات، تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن البيئة التشغيلية لشبكات التهريب لا تزال واسعة، في ظل وجود نحو 928 ألفا و839 مهاجرا داخل ليبيا خلال عام 2025، بزيادة بلغت 18 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وتوضح المنظمة أن انتشار المهاجرين جغرافيا بين غرب ليبيا بنسبة 52 بالمئة، والشرق بنسبة 37 بالمئة، والجنوب بنسبة 11 بالمئة، يعكس صعوبة السيطرة الأمنية الكاملة على المسارات المختلفة التي تنشط فيها شبكات التهريب، وتؤكد هذه المعطيات أن جهود الدولة، رغم كثافتها، لا تزال تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بالوضع الأمني والانقسام المؤسسي، ما يحد من قدرتها على تفكيك هذه الشبكات بشكل كامل.

سياسات الهجرة والتحديات الهيكلية

في موازاة الجهود الأمنية، تعمل الدولة الليبية على تطوير سياسات لإدارة الهجرة بالتعاون مع المنظمات الدولية، حيث تدعم المنظمة الدولية للهجرة السلطات في إعداد سياسات شاملة تأخذ في الاعتبار الجوانب الإنسانية والتنموية للهجرة، وتشمل هذه السياسات برامج العودة الطوعية، وتحسين إدارة الحدود، وتطوير قواعد بيانات للمهاجرين، إلا أن تنفيذها يواجه تحديات تتعلق بضعف البنية المؤسسية وغياب نظام وطني موحد لإدارة البيانات.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 27 ألف مهاجر تم اعتراضهم وإعادتهم إلى ليبيا خلال عام 2025، مقارنة بنحو 21 ألفا في عام 2024، ما يعكس تصاعدا في عمليات الاعتراض دون تراجع مواز في تدفقات الهجرة ، كما تظهر الأرقام أن ليبيا لا تزال نقطة عبور رئيسية، حيث يتدفق المهاجرون من أكثر من 44 جنسية، ما يعقد من إدارة الملف ويزيد الضغط على المؤسسات المحلية.

وتؤكد تقارير أممية أن السياسات الحالية تظل محكومة بالتوازن بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الإنسانية، إلا أن غياب بدائل فعالة للاحتجاز، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، واستمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية، كلها عوامل تحد من فاعلية هذه السياسات في حماية الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال، وفي ظل هذه التحديات، يبقى تطوير إطار وطني متكامل للهجرة، قائم على الحماية والشفافية والتعاون الدولي، أحد أبرز المتطلبات لمعالجة جذور الأزمة والحد من نفوذ شبكات التهريب.

الإطار القانوني الدولي

ينص القانون الدولي، وخاصة اتفاقية حقوق الطفل، على ضرورة حماية الأطفال وعدم احتجازهم بسبب وضعهم المرتبط بالهجرة، وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون إجراء استثنائيا، وهو ما لا يتماشى مع الواقع في ليبيا.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن استمرار هذه الممارسات يمثل انتهاكا واضحا للالتزامات الدولية، ويستدعي إصلاحات عاجلة لضمان حماية الأطفال.

ردود فعل وانتقادات حقوقية

تصاعدت الدعوات الدولية في عامي 2025 و2026 لوقف احتجاز الأطفال المهاجرين في ليبيا، حيث طالبت منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، بإنهاء فوري لسياسات الاحتجاز وتحويل الأطفال إلى بدائل قائمة على الرعاية مثل الإيواء المجتمعي أو الكفالة الأسرية، مع ضمان إشراف مدني وإنساني كامل، كما شددت هذه المنظمات على ضرورة تمكين الجهات المستقلة من الوصول المنتظم إلى مراكز الاحتجاز، في ظل ما وصفته بغياب الشفافية وصعوبة توثيق الانتهاكات داخل هذه المرافق، وتؤكد تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المهاجرين، بمن فيهم الأطفال، يتعرضون لانتهاكات ممنهجة تشمل التعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري والابتزاز، في إطار ما وصفته الأمم المتحدة بنموذج استغلالي أصبح واقعا متكررا داخل ليبيا.

وفي السياق ذاته، دعت الأمم المتحدة في فبراير 2026 السلطات الليبية إلى تنفيذ إصلاحات عاجلة، مؤكدة أن ما يقارب 5000 مهاجر كانوا محتجزين في مراكز رسمية بنهاية عام 2025، بينما يرجح أن العدد الفعلي أعلى بكثير بسبب وجود مرافق غير معلنة، كما طالبت بالإفراج الفوري عن المحتجزين تعسفيا، خاصة الأطفال، ووقف ممارسات الإعادة القسرية، وتعرضت السياسات الدولية، لا سيما الأوروبية، لانتقادات متزايدة من قبل خبراء ومنظمات حقوقية، إذ يشير هؤلاء إلى أن دعم بعض الدول الأوروبية لعمليات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا يسهم في إعادة الأطفال إلى بيئة غير آمنة تفتقر للحماية القانونية، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي للاجئين وحقوق الطفل، وتؤكد تقارير تحليلية أن التوجه الأوروبي نحو إدارة ملف الهجرة خارج حدوده، عبر التعاون مع دول عبور مثل ليبيا، يغلب عليه الطابع الأمني على حساب الاعتبارات الإنسانية، ما يعمق من هشاشة أوضاع الأطفال المهاجرين ويطيل أمد الأزمة.

يذكر أنه منذ عام 2011، أصبحت ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية وانتشار شبكات التهريب، وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من المهاجرين مروا عبر البلاد خلال السنوات الأخيرة، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال.

كما تؤكد التقارير أن غياب نظام وطني موحد لإدارة الهجرة والبيانات أدى إلى تفاقم الأزمة، حيث يصعب تحديد أعداد الأطفال أو أوضاعهم بدقة.

وفي ظل استمرار هذه الظروف، تبقى أوضاع الأطفال المهاجرين في ليبيا من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحا، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لاتخاذ إجراءات عاجلة لحمايتهم وضمان حقوقهم الأساسية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية