بتداخل معقد بين الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والبيئية، تتصاعد التحديات أمام المشهد الحقوقي في العراق، لتنذر بتراجع فرص الإصلاح، في ظل ضعف المساءلة واستمرار القيود على الحريات العامة.
ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن) شهد العراق خلال العام الماضي 2025 تراجعاً ملحوظاً في أوضاع حقوق الإنسان، في ظل استمرار النزوح الداخلي وتدهور الظروف المعيشية للنازحين، إلى جانب تفاقم الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن وفصائل مسلحة وأطراف سياسية، وسط إفلات شبه كامل من العقاب.
كما أسهم ضعف أداء القضاء في حرمان الضحايا من العدالة والتعويض، في حين ازدادت الضغوط على الحريات العامة مع تصاعد القيود على حرية التعبير والتجمع السلمي.
وفي نوفمبر الماضي، أجريت الانتخابات البرلمانية، وسط انتقادات لاستبعاد مرشحين، بينهم مستقلون ونساء، وشكوك حول نزاهة النتائج، رغم مصادقة المحكمة الاتحادية عليها، وبحلول نهاية العام، لم تُشكل حكومة جديدة.
وفي المقابل، استمر الفساد في التأثير على مؤسسات الدولة والخدمات العامة، متسبباً في حوادث مأساوية، منها حرائق أودت بحياة مدنيين، كما انتهت رسمياً مهام بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بنهاية العام.
وظل أكثر من مليون نازح داخلياً، بينهم عشرات الآلاف في مخيمات بإقليم كردستان، يعانون من تدهور الخدمات وسوء شروط السلامة، مع استمرار اندلاع الحرائق داخل المخيمات.
وواجه العائدون من مخيمات خارج البلاد تحديات معقدة، أبرزها صعوبات الحصول على الوثائق، والوصم الاجتماعي، وانعدام فرص العمل والسكن، ما زاد من تعرضهم للفقر والعنف، خاصة النساء والأطفال.
غياب المحاسبة والعقاب
وفاقمت التغيرات المناخية، خاصة الجفاف الحاد وشح المياه، من موجات النزوح، حيث اضطر مئات الآلاف إلى مغادرة مناطقهم، خصوصاً في جنوب البلاد، كما تدهورت جودة البيئة بشكل ملحوظ، مع تصاعد تلوث الهواء والمياه، ما أثر سلباً في الصحة العامة وسبل العيش، في ظل ضعف الاستجابة الحكومية.
لم تُحرز السلطات تقدما يُذكر في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، سواء المرتبطة بالنزاع مع تنظيم داعش أو احتجاجات عام 2019، إذ استمرت معاناة الضحايا وأسرهم في الحصول على تعويضات، في حين قوض الفساد والتدخل السياسي استقلال القضاء، وأضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
وصعدت السلطات من إجراءاتها ضد الصحفيين والنشطاء، عبر الاعتقال والملاحقة القضائية، مستندة إلى قوانين فضفاضة تتعلق بـ”المحتوى الهابط” و”الآداب العامة”، كما فرضت قيوداً متزايدة على عمل منظمات المجتمع المدني، إلى جانب استمرار حملات الاعتقال التعسفي التي استهدفت نشطاءً ومحتجين، خصوصاً على خلفية انتقاد الفساد وضعف الخدمات.
وفي إقليم كردستان، تعرض الصحفيون لانتهاكات مماثلة، شملت الاحتجاز والاعتداء، مع توظيف القضاء لتمديد فترات احتجازهم عبر قضايا جديدة، ولجأت قوات الأمن إلى استخدام القوة المفرطة لتفريق مظاهرات سلمية في عدة مدن، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية، ما أسفر عن إصابات واعتقالات، دون محاسبة تُذكر للمسؤولين.
وبحسب ما جاء بتقرير “العفو الدولية”، تراجعت أوضاع النساء، مع إقرار تعديلات قانونية تُعزز الطابع الطائفي في قوانين الأحوال الشخصية، واستمرار غياب تشريع يجرّم العنف الأسري، كما استمر انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط ضعف المساءلة، وغياب الحماية الكافية للضحايا.
وواصلت المحاكم في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، رغم وجود عيوب إجرائية جسيمة في المحاكمات، مع غياب الشفافية بشأن أعداد الإعدامات.
(محلك سر) منذ 23 عاماً
وفي ضوء ملاحظات تقرير “العفو الدولية”، قال الباحث السياسي العراقي نظير الكندروي إن الواقع الحقوقي في العراق لم يشهد تحولاً جوهرياً منذ التغيير الذي أعقب عام 2003، خلافاً لتوقعات بانفراجة في ملف الحقوق والحريات.
وأوضح الكندروي، في حديث لـ”صفر”، أن هذا الواقع تعرّض لانتكاسة ملحوظة، نتيجة تراجع استقلالية القضاء وتزايد ارتباطه بالعمل السياسي، ما جعل الوصول إلى العدالة أمراً معقداً بالنسبة للمواطن العراقي.
وأشار الكندروي، إلى إشكالية بنيوية مستمرة منذ إقرار دستور 2005، تتمثل في فشل البرلمان، عبر دوراته المتعاقبة، في إقرار قانون المحكمة الاتحادية العليا بسبب الخلافات السياسية.
واعتبر أن هذا التعطيل يضع القضاء تحت تأثير الأحزاب، ويفقده الحياد والاستقلال، وهو ما ينعكس سلباً على الواقع الحقوقي، من خلال توظيفه في إقصاء الخصوم السياسيين وسن تشريعات قد تُهمش فئات مجتمعية.
وضرب الباحث العراقي مثالاً بقانون “مكافحة الإرهاب” وبعض قوانين المساءلة والعدالة التي يرى أنها استُخدمت في سياقات ذات طابع سياسي، ما يعمق الانقسام ويؤثر في مبدأ المساواة أمام القانون.
وعن آفاق التغيير، أقر الكندروي بأن إصلاح الواقع الحقوقي والقضائي في العراق ليس مهمة سهلة، في ظل تراكم الاختلالات على مدى سنوات طويلة، لكنه شدد على أنه يظل ممكناً.
ورأى أن المدخل الأساسي لذلك يبدأ بإصلاح سياسي شامل، يليه إقرار قانون المحكمة الاتحادية، وتجريم التدخل السياسي في شؤون القضاء، ما يعزز استقلاليته.
وأكد الكندروي أن التعامل الجاد مع تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة، مثل منظمة العفو الدولية، يمكن أن يسهم في تصحيح مسار القضاء، ورفع مستوى حماية حقوق الإنسان، وترسيخ ثقافة احترام القانون في العراق.
فجوة بين القانون والواقع
من جانبه، قال الأكاديمي والخبير في شؤون التنوع الديني في العراق، الدكتور سعد سلوم، إن تحسين الواقع الحقوقي في البلاد يظل ممكناً، لكنه يتطلب انتقالاً واضحاً من منطق إدارة الأزمات إلى ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، باعتبارهما المدخل الأساسي لأي إصلاح مستدام.
وأوضح سلوم، في تصريح لـ”صفر”، أن الواقع الحقوقي في العراق، وفق ما يعكسه تقرير العفو الدولية، يكشف فجوة مستمرة بين الإطار القانوني والتطبيق العملي، مشيراً إلى أنه رغم وجود نصوص دستورية تكفل الحقوق والحريات، فإن ضعف آليات التنفيذ واستمرار الإفلات من العقاب يحدان من فاعلية هذه الضمانات.
وأشار إلى أن هذه الإشكالات تتقاطع مع اتساع مظاهر الهشاشة الاجتماعية، لا سيما لدى النازحين والعائدين الذين يواجهون تحديات مركبة تتعلق بالاندماج والحصول على الوثائق وتأمين سبل العيش، فضلاً عن الوصم الاجتماعي.
وأضاف أن ثمة مؤشرات على تضييق نسبي في الفضاء العام، من خلال تطبيق نصوص قانونية عامة قد تؤثر في حرية التعبير والعمل المدني.
ولمعالجة هذه الاختلالات، دعا سلوم إلى تبني مقاربة إصلاحية شاملة تقوم على عدة مسارات مترابطة، في مقدمتها تعزيز استقلال القضاء وتفعيل المساءلة القانونية، ما يسهم في استعادة الثقة بالمؤسسات.
سياسات اندماج مستدامة
كما شدد سلوم على ضرورة الانتقال من إدارة ملف النزوح إلى سياسات اندماج مستدامة، تركز على إعادة بناء الروابط المجتمعية وتحسين الظروف المعيشية.
وأكد كذلك أهمية مراجعة الأطر القانونية المنظمة للحريات، ما يضمن توافقها مع المعايير الدستورية، إلى جانب تعزيز حماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، خاصة النساء والأطفال، لافتاً إلى ضرورة إدماج البعد البيئي في السياسات العامة، في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي في الأوضاع الإنسانية.
واختتم سلوم بتأكيد أن فرص تحسين الواقع الحقوقي في العراق قائمة، لكنها تظل مرهونة بتوافر إرادة إصلاحية حقيقية ومستدامة، مشيراً إلى وجود عوامل داعمة، منها نشاط المجتمع المدني، واستمرار الاهتمام الدولي بملف حقوق الإنسان وتراكم الخبرات المؤسسية، في المقابل تظل تحديات بارزة قائمة، أبرزها تعقيد البيئة السياسية وضعف المساءلة والضغوط الاقتصادية والبيئية المتزايدة.

