منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ميثاق الهجرة الأوروبي.. سباق تشريعي في فرنسا ومخاوف حقوقية من أزمة لجوء

06 مايو 2026
إجراءات أمنية مشددة في أوروبا للتصدي للمهاجرين
إجراءات أمنية مشددة في أوروبا للتصدي للمهاجرين

تدخل فرنسا مرحلة شديدة الحساسية في ملف الهجرة واللجوء، مع اقتراب بدء تطبيق الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء في 12 يونيو المقبل، فالميثاق الذي أُقر أوروبياً في مايو 2024 لا يقتصر على تعديل إداري في طريقة استقبال طالبي اللجوء، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الحدود والحق في الحماية، وبين سرعة البت في الطلبات وضمانات المحاكمة العادلة.

وتبدو باريس في سباق مع الوقت، بعدما أقرت الحكومة الفرنسية بأنها لن تكون على الأرجح جاهزة بالكامل عند موعد التطبيق، ولتجاوز التأخر، اختارت الحكومة مسار الأوامر الحكومية؛ أي التشريع السريع بعد تفويض من البرلمان، بدل المرور بمناقشة تشريعية تفصيلية لمشروع قانون كامل.

وفتح هذا الخيار جدلاً سياسياً وحقوقياً واسعاً.. هل يتعلق الأمر بضرورة فنية لتفادي فراغ قانوني، أم بتقليص النقاش الديمقراطي حول أحد أكثر الملفات حساسية في فرنسا وأوروبا؟

إطار أوروبي جديد

الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء هو حزمة واسعة من القواعد الجديدة تهدف، بحسب المفوضية الأوروبية، إلى إنشاء نظام أوروبي مشترك لإدارة الهجرة واللجوء، مع تعزيز الحدود الخارجية، وتسريع الإجراءات، وتفعيل آلية تضامن بين الدول الأعضاء. دخلت قواعد الميثاق حيز النفاذ في 11 يونيو 2024، على أن يبدأ تطبيقها بعد عامين، أي في يونيو 2026.

ويقوم الميثاق على 10 قوانين أوروبية تغطي مراحل متعددة من مسار الهجرة واللجوء، من فحص الوافدين عند الحدود الخارجية، إلى تحديد الدولة المسؤولة عن دراسة الطلب، وصولاً إلى آليات التضامن والتعاون بين الدول الأعضاء.

وأمام مجلس الشيوخ الفرنسي، أقر وزير الداخلية لوران نونيز بأن فرنسا قد لا تكون جاهزة بحلول 12 يونيو: “لا أعتقد أننا سنكون جاهزين في 12 يونيو.. سنحاول”.

وجاء ذلك خلال جلسة استماع مشتركة للجنتي القوانين والشؤون الأوروبية في 29 أبريل الماضي، خُصصت لمشروع قانون يسمح للحكومة باتخاذ الأوامر اللازمة لتكييف القانون الفرنسي مع الميثاق الأوروبي.

وتؤكد وثائق مجلس الشيوخ أن الحكومة أودعت في 8 أبريل 2026 مشروع قانون تفويض يسمح لها بالتشريع عبر الأوامر الحكومية، مع اعتماد الإجراء المعجل. ومن المقرر أن يُناقش النص في جلسة عامة أيام 20 و21 وربما 22 مايو الجاري.

أوامر بدل القانون

اختيار الأوامر الحكومية يعكس رغبة السلطة التنفيذية في تسريع المواءمة القانونية قبل الموعد الأوروبي. رسمياً، تقول الحكومة إن المسألة شديدة التقنية، وإن التأخر قد يؤدي إلى تضارب بين القانون الفرنسي والقانون الأوروبي، ما يفتح الباب أمام طعون قضائية وفوضى في تطبيق إجراءات الحدود.

لكن داخل مجلس الشيوخ، أثار هذا الخيار تحفظات سياسية واضحة. فقد ذكّرت رئيسة لجنة القوانين، موريل جوردا، بأن الحكومة كان لديها عامان للتحضير، معربة عن تحفظها على منح تفويض واسع للحكومة دون الاطلاع المسبق على مضمون الأوامر، ويعكس ذلك قلقاً برلمانياً من أن تُدار إصلاحات اللجوء الكبرى عبر أدوات استثنائية بدل النقاش التشريعي الكامل.

وحذر وزير الداخلية من أن عدم تكييف القانون الفرنسي في الوقت المناسب سيخلق “انعدام أمن قانوني” وقد يؤدي إلى “تعدد المنازعات”، معتبراً أن نحو 40% من قانون دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء في فرنسا، المعروف بـ CESEDA، سيتأثر بالقواعد الأوروبية الجديدة.

كما قال إن غياب التكييف قد يمنع فرنسا من تطبيق إجراءات اللجوء على الحدود، ما قد يؤدي، وفق تقديره، إلى قبول شبه تلقائي للأشخاص الذين يصلون إلى الحدود.

هذا التحذير لا يعني فقط مشكلة إدارية، بل يكشف نقطة أعمق: الميثاق الأوروبي سيصبح مرجعية مباشرة في معظم أحكامه، وأي نص فرنسي مخالف قد يصبح عرضة للاستبعاد أو الطعن، خاصة أمام المحاكم الإدارية.

لجوء على الحدود

أبرز تغيير في التطبيق الفرنسي المنتظر يتعلق بإجراءات اللجوء على الحدود. فبدل السماح بدخول طالب اللجوء إلى الأراضي الفرنسية لاستكمال الطلب وفق المسار التقليدي، ستُطبّق إجراءات فحص وفرز في نقاط الدخول الخارجية، خصوصاً في المطارات، مع إبقاء بعض الأشخاص في مناطق انتظار طوال فترة دراسة الطلب.

وينطبق هذا الإجراء بصورة خاصة على القادمين من دول لا يتجاوز معدل الاعتراف بالحماية لمواطنيها 20%، أو على من تظن السلطات أنهم قدموا طلبات احتيالية، أو يشكلون تهديداً للأمن أو النظام العام. وبحسب عرض وزير الداخلية، يمكن أن يستمر هذا الوضع لمدة تصل إلى 12 أسبوعاً في منطقة انتظار.

وتقول المفوضية الأوروبية إن الميثاق يهدف إلى جعل الإجراءات “أسرع وأكثر كفاءة” مع ضمان الحقوق. لكن الجمع بين السرعة والاحتجاز الحدودي أو شبه الاحتجاز يثير مخاوف واسعة، فكلما تقلص الوقت المتاح لطالب اللجوء لتجهيز ملفه، والحصول على ترجمة، والتواصل مع محامٍ أو جمعية متخصصة، زادت احتمالات اتخاذ قرارات خاطئة، خصوصاً في حالات التعذيب، أو العنف الجنسي، أو الاضطهاد السياسي والديني، حيث يحتاج الضحايا غالباً إلى وقت لإثبات رواياتهم.

وفي حال رفض الطلب على الحدود، قد يصبح رفض الدخول أو الترحيل أسرع من السابق، خصوصاً إذا جرى تنفيذ بعض القرارات قبل اكتمال مسارات الطعن، وهو ما يثير سؤالاً جوهرياً حول الحق في طعن فعّال لا يظل نظرياً فقط.

القاصرون غير المصحوبين

أكد وزير الداخلية أن القاصرين غير المصحوبين لن يُدرجوا في إجراءات اللجوء على الحدود بوصفها قاعدة عامة، إلا إذا اعتُبروا تهديداً للنظام العام أو الأمن الداخلي، كما أوضح أن القانون الفرنسي يوفر، في رأي الحكومة، حماية أعلى من الميثاق في هذا الجانب، من خلال نظام “المدير الخاص” أو الممثل القانوني للقاصر.

لكن الاستثناء المرتبط بالأمن العام يظل موضع حساسية حقوقية؛ لأن تقييم السن أو الخطر الأمني قد يتحول عملياً إلى بوابة لإدخال بعض القاصرين في إجراءات مشددة، خصوصاً في حالات الالتباس حول العمر أو نقص الوثائق.

وتحتاج فرنسا إلى رفع قدرة مناطق الانتظار المرتبطة بإجراءات الحدود. فقد أشار رئيس لجنة الشؤون الأوروبية في مجلس الشيوخ إلى أن الميثاق يتطلب 615 مكاناً مخصصاً لفرنسا، في حين كانت القدرة في ديسمبر 2024 نحو 300 مكان فقط، منها 157 في مطار شارل ديغول. وتعهد وزير الداخلية بأن تبلغ فرنسا العدد المطلوب بحلول نهاية العام.

هذه النقطة مهمة حقوقياً؛ لأن توسعة أماكن الانتظار تعني عملياً توسيع بنية احتجاز أو تقييد حركة طالبي اللجوء عند الحدود، حتى لو سُميت قانونياً “منطقة انتظار” لا “احتجازاً ”، لذلك ستصبح شروط الإقامة، والوصول إلى المحامين، والمترجمين، والرعاية الصحية، والرقابة القضائية، عناصر حاسمة في تقييم احترام فرنسا لحقوق طالبي اللجوء.

موقف الدولة الرسمي

الموقف الرسمي الفرنسي يقوم على ثلاث حجج رئيسية، الأولى أن القانون الأوروبي يسمو على القانون الوطني، وبالتالي لا يمكن تجاهل تطبيق الميثاق، الثانية أن عدم المواءمة سيخلق فراغاً قانونياً وفوضى في الطعون، والثالثة أن فرنسا تحتاج إلى أدوات أسرع لضبط الحدود وتسريع البت في الطلبات، خصوصاً في الحالات التي تعدها أقل احتمالاً للحصول على حماية.

وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة تقديم بعض الضمانات، مثل عدم تطبيق مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” في فرنسا لأسباب دستورية؛ لأن المجلس الدستوري أكد منذ 1993 ضرورة الفحص الفردي لطلبات اللجوء، وهذا يعني أن فرنسا، على الأقل في هذه النقطة، لن تعد الطلب “غير مقبول” تلقائياً لمجرد أن صاحبه مرّ بدولة ثالثة تُعد آمنة.

أوروبياً، تقدم المفوضية الميثاق باعتباره محاولة لإنهاء الفوضى القديمة في نظام دبلن، وتخفيف العبء عن دول الوصول الأولى، مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا وقبرص، مع الحفاظ على حق اللجوء.

وتشير خطة التنفيذ المشتركة إلى 10 محاور تشمل نظام يوروداك، وإدارة الحدود الخارجية، والاستقبال، والإجراءات العادلة والفعالة، والعودة، والتضامن، والضمانات الخاصة بالفئات الضعيفة.

كما تؤكد المفوضية أن الدول الأعضاء مطالبة بتسريع استعداداتها لتكون أنظمتها الوطنية جاهزة بحلول يونيو 2026.

لكن داخل الاتحاد نفسه توجد خلافات واضحة حول مستوى التضامن. فقد وافقت الدول الأعضاء على “تجمع التضامن” لعام 2026، في حين أشارت يورونيوز إلى أن الاتفاق شمل 21 ألف عملية نقل لطالبي لجوء و420 مليون يورو إسهامات مالية، أي أقل من الحد المرجعي الذي طُرح سابقاً عند 30 ألف عملية نقل و600 مليون يورو.

الرأي الحقوقي والدولي

حقوقياً، تتركز الانتقادات على أن الميثاق قد يدفع أوروبا إلى نموذج أكثر صرامة عند الحدود، حيث يجري فرز طالبي اللجوء سريعاً، وإبقاء كثيرين منهم في مناطق مغلقة أو شبه مغلقة، ثم ترحيل المرفوضين بسرعة كبرى.

منظمة العفو الدولية اعتبرت عند إقرار الميثاق أنه سيعيد قانون اللجوء الأوروبي عقوداً إلى الوراء، وقد يزيد معاناة طالبي الحماية ويعرضهم لانتهاكات حقوقية في مراحل مختلفة من رحلتهم.

أما هيومن رايتس ووتش فحذرت من أن التركيز الأوروبي المتزايد على منع الوصول وتسريع الإعادة والتعاون مع دول ثالثة قد يضعف الحق في طلب اللجوء داخل أوروبا، كما انتقدت اتجاه بعض الدول إلى خفض معايير الحماية إلى الحد الأدنى الذي يسمح به القانون الأوروبي الجديد، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى انتهاكات وطعون قضائية.

ومن جهتها، حثت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرئاستين القبرصية والأيرلندية للاتحاد الأوروبي على ضمان تنفيذ عادل وإنساني للميثاق، مؤكدة أن الأشهر السابقة لدخوله حيز التطبيق حاسمة لتقوية أنظمة اللجوء، لا لإضعاف ضماناتها.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية