منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التمويل السياسي سمٌّ يهدد ديمقراطيتنا.. لكن العلاج بسيط

01 مايو 2026
رسم توضيحي: نيت كيتش/صحيفة الغارديان
رسم توضيحي: نيت كيتش/صحيفة الغارديان

كيف يمكننا أن نعرف إن كان التمويل السياسي فاسداً؟ في الغالب لا يمكننا ذلك. قد يقدّم أحد الأثرياء تبرعاً ضخماً لحزب سياسي، ثم نرى بعد أسابيع سياسة جديدة تصب في مصلحة أعماله. هل هناك علاقة؟ ربما نشك، لكن لا نستطيع إثبات شيء. غير أن هذا الشك وحده كفيل بتآكل الثقة وإضعاف الروح العامة.

النظام الحالي للتمويل، أكثر من أي عامل آخر، يدفع الناس بعيداً عن السياسة، ويغذي مشاعر الإحباط والاغتراب والسخرية. الأرقام تكشف حجم الأزمة: فقط 18% من المواطنين يعتقدون أن التمويل السياسي شفاف، في حين 87% يشعرون بالقلق من احتمالات الفساد. كما يُنظر إلى الممولين السياسيين باعتبارهم الفئة الأكثر تأثيراً بين النخب. هذا الإحباط لا يبقى محايداً، بل يدفع البعض نحو التيارات المتطرفة، في مفارقة لافتة؛ لأنها غالباً ما تكون الأكثر تقبّلاً للأثرياء أنفسهم.

ما دفعني لكتابة هذا هو تحقيق كاشف حول علاقة أحد الأحزاب بمتبرع واحد قدّم ما يزيد على 22 مليون جنيه إسترليني، أي نحو ثلثي تمويل الحزب منذ تأسيسه. القوانين الحالية تحدد سقف الإنفاق الانتخابي، لكنها لا تضع حداً لنسبة ما يمكن أن يقدمه ممول واحد. نظرياً، يمكن لشخص واحد أن يمول حزباً بالكامل. عند أي نقطة يمكننا القول إن الحزب لم يعد يمثل ناخبيه، بل مموله؟

لا أزعم وجود مخالفات قانونية، لكن المشكلة أعمق من ذلك. فحتى إن لم يُثبت الفساد، فإن غياب القدرة على نفيه لا يقل ضرراً عن إثباته. الأمر نفسه ينطبق على علاقات أحزاب أخرى بممولين كبار، سواء في قضايا المناخ أو السياسات الاقتصادية. سواء كانت السياسات تتغير استجابة للتمويل أو العكس، فالنتيجة واحدة: تآكل الثقة في الديمقراطية.

الأخطر أن هذا النظام يتغذى على ضعف الرقابة. فقد تراجعت التحقيقات في مخالفات التمويل بنسبة 89% منذ عام 2019، ولم يُسجن أحد بسبب خرق القوانين، في حين لا تتجاوز أقصى غرامة 6 آلاف جنيه إسترليني. ميزانية الجهة الرقابية تعادل جنيهاً واحداً فقط لكل ناخب، مقارنة بـ24 جنيهاً في دول أخرى. في ظل هذه المعطيات، يصبح من شبه المستحيل ضبط النظام أو حمايته من الاختراق.

رفع سقوف الإنفاق أدى إلى سباق محموم نحو المال الخاص، حتى بات السياسيون يقضون وقتاً أطول في جمع التبرعات بدلاً من كسب أصوات الناخبين. ومع تعقيد القوانين وثغراتها، يصبح التمييز بين التمويل المشروع وغير المشروع أكثر صعوبة، وتزداد مخاطر التدخل الخارجي.

أنا أرى أن محاولة التمييز بين “الممول الجيد” و”السيئ” عبثية. أي ممول كبير هو مشكلة بحد ذاته؛ لأن قوته الاقتصادية تقوض مبدأ المساواة السياسية. وفي عالم تتجاوز فيه الأموال الحدود، تفقد معايير الإقامة معناها. بل إن التكنولوجيا قد تسمح بتقسيم التبرعات الكبيرة إلى آلاف صغيرة لا تُرصد أصلاً.

الحل، في رأيي، بسيط وواضح: منع التبرعات الكبيرة تماماً، وقصر تمويل الأحزاب على اشتراكات الأعضاء، وليكن مثلاً 25 جنيهاً للفرد، على أن تضاعف الدولة هذا المبلغ وفق آلية محددة. إذا كان لدى حزب 100 ألف عضو، فإن ميزانيته ستكون واضحة ومحددة، دون مصادر أخرى.

بهذا الإجراء، نتخلص من تعقيدات التبرعات، ومصدر الأموال، وأنواعها، وسقوفها. بدلاً من مطاردة المال، سيعود السياسيون إلى التواصل مع المواطنين وتوسيع قواعدهم الشعبية. سنصبح جميعاً متساوين سياسياً، وسيصبح النظام أكثر شفافية وبساطة، ويعود إلى أصحابه الحقيقيين.

قد تتراوح تكلفة هذا النموذج بين 20 و50 مليون جنيه إسترليني سنوياً، لكنها تظل ضئيلة مقارنة بكلفة النظام الحالي الذي يثقل كاهل الدولة ويقوّض ثقة المواطنين. صحيح أنه لا يقضي على كل أشكال نفوذ الأثرياء، لكنه خطوة حاسمة نحو استعادة السياسة من قبضتهم.

الديمقراطية الحقيقية لا تتطلب فقط التخلص من أسوأ مصادر التمويل، بل من جميعها دون استثناء.

نقلاً عن الجارديان